تسجيل الدخولكانت الساعة تقترب من العاشرة صباحًا عندما دخل قيس إلى قاعة الاجتماعات، ووضع الملف الذي يحمله أمامه قبل أن يجلس في رأس الطاولة. كان الاجتماع متعلقًا بأحد المشاريع الجديدة التي تسعى الشركة إلى تنفيذها، ولهذا كان يتوقع أن يكون طويلًا ومملًا كغيره من اجتماعات العمل، لكنه عندما دخلت ميار القاعة تغير شيء بسيط في انتباهه دون أن يعرف السبب.
جلست ميار في الجهة المقابلة له، وبدأت تتحدث عن تفاصيل المشروع بثقة وهدوء، وكانت تعرف جيدًا ما تقوله، تجيب عن الأسئلة دون تردد وتعرض أفكارها بطريقة جعلت قيس يصغي إليها باهتمام أكبر مما اعتاد أن يصغي إلى الغرباء في الاجتماعات الأولى. قال قيس بعد أن انتهت من حديثها: "فكرتك جيدة، لكن تنفيذها سيحتاج إلى وقت أطول." أجابته بهدوء: "أعرف، ولهذا أعددت خطة بديلة." فتحت الملف أمامها وبدأت تشرح له التفاصيل. بقي قيس صامتًا وهو يتابع حديثها، ثم قال: "يبدو أنك درستِ المشروع جيدًا." ابتسمت ميار: " لا أحب أن أدخل اجتماعًا دون أن أكون مستعدة." ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه قيس. "هذا جيد." لم يكن في الأمر شيء يتجاوز العمل، ولم يكن قيس يرى ميار أكثر من امرأة ذكية وجديدة في محيط الشركة، لكنه للمرة الأولى منذ وقت طويل شعر أن شخصًا ما استطاع أن يلفت انتباهه بطريقة مختلفة. وبعد انتهاء الاجتماع، خرج الجميع من القاعة، بينما بقي قيس للحظات يتصفح الأوراق التي تركتها ميار أمامه. طرق أحدهم الباب. كان فارس. دخل وهو يقول: "هل انتهى الاجتماع أخيرًا؟" رفع قيس عينيه إليه. "نعم." جلس فارس أمامه، ثم نظر إلى الملف. "من هذه؟" "ميار." فارس : "جديدة؟" قيس : "تقريبًا." رفع فارس حاجبه وقال بنبرة مازحة: "ويبدو أنها أعجبتك." رفع قيس عينيه إليه مباشرة. "ماذا تقول؟" ضحك فارس. "لا شيء، كنت أمزح." أغلق قيس الملف. "لا تبدأ." "حسنًا، لن أبدأ." ثم نهض فارس، لكنه قبل أن يخرج قال: "ألما اتصلت بك صباحًا." نظر قيس إلى هاتفه، فوجد بالفعل عدة رسائل منها. تنهد قليلًا، ثم كتب لها: "صباح الخير، كنت في اجتماع." لم تمر سوى لحظات حتى جاء ردها: "أعرف، فقط أردت الاطمئنان عليك." ابتسم قيس، وكتب: "سأتصل بكِ بعد قليل." وضع الهاتف جانبًا، لكنه قبل أن يتصل بها عاد ينظر إلى الملف الموجود أمامه. كانت صورة المشروع في الصفحة الأولى، وتحتها اسم ميار. توقف للحظة، ثم أغلق الملف بسرعة. --- في الجهة الأخرى من المدينة، كانت ألما تجلس في منزل ندى، بينما كانت ريان تقلب صفحات إحدى المجلات أمامها بلا اهتمام. قالت ندى: "لماذا تبدين شاردة؟" رفعت ألما عينيها. "أنا؟" "نعم، أنتِ." ابتسمت ألما. "كنت أفكر في قيس." تنهدت ريان. "مفاجأة." ضحكت ندى. "اتركيها، لقد اعتادت أن تفكر فيه طوال الوقت." قالت ألما: "لا أستطيع أن أنكر ذلك." ثم أمسكت هاتفها، وابتسمت عندما وجدت رسالة منه. لاحظت ريان ابتسامتها فقالت: "ها هو السبب." وضعت ألما الهاتف جانبًا. "قال إنه سيتصل بي." قالت ريان: "إذن انتظريه." نظرت ألما إليها للحظة ثم قالت لها : "أشعر أنك لا تحبينه." تغيرت ملامح ريان قليلًا. "أنا لا أكرهه." ألما : "لكن؟" ريان : "لكنني لا أحب أن أرى صديقتي تنسى نفسها بسبب رجل." ابتسمت ألما. "قيس ليس مثل أي رجل." قالت ريان بهدوء: "أتمنى أن يكون كما ترينه." لم تجب ألما. كانت تعرف أن ريان تحبها وتخاف عليها، لكنها لم تكن مستعدة لأن تسمح لأي شك أن يدخل قلبها. قيس كان جزءًا من حياتها منذ سنوات، وكانت تعرفه أكثر مما يعرفه أي شخص آخر. أو هكذا كانت تظن. --- في المساء، وصل قيس إلى منزل ألما بعد يوم طويل في الشركة. كانت ألما تنتظره في الحديقة، ترتدي فستانًا بسيطًا بلون وردي فاتح، وشعرها الأسود منسدل خلف ظهرها. وما إن رأته حتى ابتسمت، واقتربت منه. قال: "اشتقت إليكِ." أجابته: "وأنا أيضًا." احتضنها قيس طويلًا، وكأنه يريد أن يعوضها عن الساعات التي لم يكن فيها إلى جانبها. ابتعدت عنه قليلًا وقالت: "كيف كان يومك؟" اجابها "متعبًا." ألما : "والشركة؟" قيس : "كالعادة." ثم نظر إليها وأضاف: "لكن الآن أصبح أفضل." ابتسمت. "تقول هذا دائمًا." نظر إليها. "لأنني أقصده دائمًا." جلسا معًا في الحديقة، وتحدثا عن أشياء كثيرة؛ عن خططهما لنهاية الأسبوع، وعن مناسبة قادمة، وعن رحلة كان قيس يفكر في القيام بها معها. قالت ألما: "أريد مكانًا هادئًا." قال قيس : "إذن سنذهب إلى مكان هادئ." ألما : "وأريد أن نبقى وحدنا." قيس : "هذا أسهل شيء." ضحكت، ثم أسندت رأسها إلى كتفه. ظل قيس ينظر أمامه، بينما كانت يده تمر برفق على شعرها. قالت ألما بصوت خافت: "هل تعرف ما أكثر شيء أحبه في علاقتنا؟" سألها قيس "ماذا؟" اجابته "أنني أشعر بالأمان معك." صمت قيس للحظة. ثم قال: "ستبقين آمنة معي دائمًا." رفعت رأسها ونظرت إليه. كانت عيناه ثابتتين عليها، لكنها لم تلاحظ تلك اللحظة القصيرة التي شرد فيها بعيدًا قبل أن يعيد ابتسامته. اقترب منها وقبّل شفتيها قبلة هادئة، ثم أبعد وجهه قليلًا وقال: "لا أريد أن تظني يومًا أن هناك شيئًا يمكن أن يغير ما بيننا." ابتسمت ألما بثقة. "لن أظن." احتضنها من جديد. وفي تلك اللحظة كان قيس صادقًا في كلامه. لم يكن قد خانها. ولم يكن قد أحب ميار. كان كل ما حدث مجرد اهتمام عابر بامرأة التقاها في اجتماع. لكن أحيانًا لا تبدأ الخيانة بقرار واضح. أحيانًا تبدأ بنظرة أطول مما ينبغي، أو فضول صغير لا يأخذه الإنسان على محمل الجد، أو اهتمام يظنه مؤقتًا. وفي تلك الليلة، بينما كانت ألما تنام مطمئنة إلى جانب ذكريات يومها الجميل، كان قيس في منزله ينظر إلى هاتفه، ثم فتح ملف المشروع مرة أخرى. قرأ اسم ميار. توقف لحظة. ثم أغلق الملف. لكنه هذه المرة لم يستطع أن يمنع نفسه من الابتسام. وكانت تلك الابتسامة الصغيرة، التي لم يرها أحد، أول تفصيل في قصة لم تكن ألما تعرف أنها بدأت بالفعل.لم تستطع ألما أن تنام بسهولة في تلك الليلة، فبعد أن عادت إلى غرفتها وأغلقت بابها، بقيت واقفة أمام المرآة للحظات طويلة، تنظر إلى انعكاسها وكأنها تحاول أن تفهم سبب ذلك الشعور الغريب الذي استقر في صدرها منذ الحفلة. لم يحدث شيء واضح يمكنها أن تلوم قيس عليه، لم يقل لها كلمة جارحة، ولم يتصرف معها بقسوة، بل على العكس، كان قد أمسك يدها وقبّل جبينها وقال إنه يحبها، ومع ذلك كانت هناك تفاصيل صغيرة لا تستطيع إخراجها من رأسها؛ ابتسامته لميار، الطريقة التي كان يصغي بها إليها، وتلك النظرة العابرة التي لم تكن ألما معتادة عليها.جلست على حافة سريرها وأخذت هاتفها، فتحت محادثتها مع قيس، ثم توقفت عند صورته، قبل أن تكتب له: "هل وصلت إلى المنزل؟" وبعد ثوانٍ ظهر أنها قرأ الرسالة، لكنها لم تحصل على رد فورًا، فوضعت الهاتف جانبًا وحاولت أن تتجاهل الأمر، إلا أن الشاشة أضاءت بعد دقائق.قيس: "نعم، وصلت. وأنتِ؟"ابتسمت ألما قليلًا.ألما: "وصلت أيضًا."ثم أضافت بعد تردد: "كانت الحفلة جميلة."جاء رده: "كانت كذلك."حدقت في الجملة القصيرة، ثم كتبت: "هل أنت متعب؟"اجابها "قليلًا."أرادت أن تسأله عن ميار، لكنها تراجعت
مرّت عدة أيام بعد ذلك المساء، وكانت ألما تحاول أن تتعامل مع التغير الذي بدأ يظهر في قيس وكأنه شيء عابر لا يستحق القلق، لكنها في كل مرة كانت تراه فيها تشعر أن هناك مسافة صغيرة نشأت بينهما دون أن تعرف متى بدأت بالضبط. لم يتوقف عن الاتصال بها تمامًا، ولم يتوقف عن قول إنه يحبها، لكنه لم يعد الرجل الذي كان يبحث عن أي فرصة ليكون معها، وأصبح من السهل عليه أن يؤجل لقاءً بينهما أو ينهي مكالمة بحجة اجتماع جديد.وفي صباح يوم الجمعة، كانت ألما تجلس أمام المرآة في غرفتها، ترتب شعرها الأسود بينما كانت ندى وريان تجلسان خلفها وتتحدثان عن الحفلة التي ستقام في المساء. كانت ألما ترتدي فستانًا أنيقًا بلون بني داكن، وتضع أقراطًا بسيطة تلمع مع كل حركة، بينما كانت ريان تراقبها من خلال المرآة.قالت ندى بحماس: "هذه المرة لن أسمح لكِ بالجلوس طوال الحفلة إلى جانب قيس، أريدك أن تقضي الوقت معنا."ابتسمت ألما وقالت: "إذا جاء قيس أصلًا."ساد صمت قصير.نظرت ريان إليها من خلال المرآة."ماذا تقصدين؟"خفضت ألما عينيها وهي تعدل أحد أقراطها."لا شيء... أخبرني أمس أنه قد يتأخر."قالت ريان: "وقد يتأخر فقط؟"تنهدت ألما ثم ا
في الأيام التالية، عادت حياة قيس إلى روتينها المعتاد؛ اجتماعات طويلة داخل الشركة، مكالمات لا تنتهي، ملفات تنتظر توقيعه، ومواعيد متتالية تملأ ساعات يومه، بينما كانت ألما تحاول أن تحافظ على المساحة الجميلة التي اعتادت أن تجمعهما بعيدًا عن ضغوط العمل. كانت تراه كلما استطاعت، وأحيانًا تكتفي بمكالمة قصيرة في منتصف النهار، لكن شيئًا بسيطًا بدأ يتغير دون أن يكون واضحًا بما يكفي ليجعلها تشعر بالخوف.لم يعد قيس يرسل لها رسائله الكثيرة كما كان يفعل، وأصبح أحيانًا يتأخر في الرد، ثم يعود معتذرًا بحجة انشغاله. لم تكن ألما غاضبة، فهي تعرف طبيعة عمله، وكانت دائمًا تقول لنفسها إن نجاحه يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد، لكنها بدأت تلاحظ أنه عندما يكون معها أصبح هاتفه أقرب إليه من أي وقتٍ مضى.في صباح أحد الأيام، كانت ألما تستعد للخروج برفقة ندى وريان، عندما وصلتها رسالة من قيس."لدي اجتماع طويل اليوم، قد لا أستطيع رؤيتك."توقفت أمام المرآة، وقرأت الرسالة أكثر من مرة.لم تكن الكلمات مؤلمة، لكنها كانت مختلفة عن قيس الذي اعتادت أن تعرفه.كتبت: "حسنًا، أتمنى أن يكون يومك هادئًا."انتظرت رده.لم يصل شيء.و
كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحًا عندما دخل قيس إلى قاعة الاجتماعات، ووضع الملف الذي يحمله أمامه قبل أن يجلس في رأس الطاولة. كان الاجتماع متعلقًا بأحد المشاريع الجديدة التي تسعى الشركة إلى تنفيذها، ولهذا كان يتوقع أن يكون طويلًا ومملًا كغيره من اجتماعات العمل، لكنه عندما دخلت ميار القاعة تغير شيء بسيط في انتباهه دون أن يعرف السبب. جلست ميار في الجهة المقابلة له، وبدأت تتحدث عن تفاصيل المشروع بثقة وهدوء، وكانت تعرف جيدًا ما تقوله، تجيب عن الأسئلة دون تردد وتعرض أفكارها بطريقة جعلت قيس يصغي إليها باهتمام أكبر مما اعتاد أن يصغي إلى الغرباء في الاجتماعات الأولى. قال قيس بعد أن انتهت من حديثها: "فكرتك جيدة، لكن تنفيذها سيحتاج إلى وقت أطول." أجابته بهدوء: "أعرف، ولهذا أعددت خطة بديلة." فتحت الملف أمامها وبدأت تشرح له التفاصيل. بقي قيس صامتًا وهو يتابع حديثها، ثم قال: "يبدو أنك درستِ المشروع جيدًا." ابتسمت ميار: " لا أحب أن أدخل اجتماعًا دون أن أكون مستعدة." ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه قيس. "هذا جيد." لم يكن في الأمر شيء يتجاوز العمل، ولم يكن قيس يرى ميار أكثر من امرأة ذكية وجديدة ف
في صباح اليوم التالي، استيقظت ألما على صوت هاتفها الذي اهتز فوق الطاولة الصغيرة بجانب سريرها، فمدت يدها بتكاسل والتقطته، لتجد رسالة من قيس وصلت قبل دقائق، وكأن الرجل لم يستطع أن يبدأ يومه دون أن يطمئن عليها. ابتسمت وهي تقرأ كلماته، ثم جلست على حافة السرير تنظر من نافذتها الواسعة إلى الحديقة الهادئة أمام المنزل، حيث كانت قطرات الندى لا تزال عالقة فوق أوراق الأشجار. كانت الرسالة قصيرة: "صباح الخير يا ألما، لا تنسي أنني سأراك قبل أن أذهب إلى الشركة." كتبت له: "صباح الخير، سأنتظرك." ثم نهضت واتجهت إلى الحمام لتغتسل وبعد أن خرجت اتجهت إلى خزانة ملابسها، واختارت إطلالة أنيقة وبسيطة؛ فستانًا بيج بلون هادئ ينسجم مع بشرتها، وتركت شعرها الأسود الطويل منسدلًا على ظهرها، قبل أن تضع عطرًا خفيفًا اعتاد قيس أن يمدحه كلما شعر برائحته. لم تكن تعرف لماذا اهتمت بمظهرها إلى هذا الحد في صباح عادي، لكنها كانت تفعل ذلك دائمًا عندما تعلم أنها ستراه. بعد أقل من ساعة، ظهرت سيارة قيس أمام منزلها، فتوجهت ألما إلى الخارج، وما إن رأته حتى ابتسمت دون تفكير. كان يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وقميصًا أبيض وساعة فاخرة،
كان قيس قد قرر أن يقضي ذلك اليوم بعيدًا عن أجواء العمل والاجتماعات التي لا تنتهي، ولذلك قاد ألما إلى أحد أكثر الأماكن التي يحبها في المدينة؛ منتجعًا فاخرًا يقع على أطرافها، تحيط به الأشجار العالية وتطل شرفته الواسعة على البحر. كان المكان هادئًا وأنيقًا، وتنتشر فيه المطاعم الراقية والمقاهي ذات الجلسات المفتوحة، بينما كانت الموسيقى الهادئة تصل إلى مسامع الزائرين من بعيد.عندما توقفت سيارة قيس أمام المدخل، نزل أولًا ثم اتجه نحو ألما وفتح لها الباب، فمدت يدها إليه ونزلت وهي تنظر حولها بإعجاب.قالت وهي تبتسم: "قيس، المكان جميل جدًا."نظر إليها للحظة قبل أن ينظر إلى المكان. "أعرف."رفعت حاجبها باستغراب. "أنت لم تنظر إليه حتى."ضحك بهدوء وقال: "لأنني كنت أنظر إليك."هزت ألما رأسها وهي تبتسم. "أنت مستحيل.""وأنتِ تحبين ذلك."لم تجبه، واكتفت بأن أمسكت بذراعه وسارت معه نحو الداخل.كان قيس يعرف الأماكن التي تحبها ألما، والأطعمة التي تفضلها، وحتى التفاصيل الصغيرة التي كانت تنساها أحيانًا عن نفسها. كان هذا أحد الأشياء التي جعلتها تشعر أن علاقتهما مختلفة؛ فهو لم يكن يسمع كلماتها فقط، بل كان يتذكرها







