LOGINمرت ستة أشهر على إعلان ليلى عن جائزة الأمل العالمية للتميز في التعليم المجتمعي. ستة أشهر من العمل المتواصل، من التواصل مع المؤسسات التعليمية في جميع أنحاء العالم، من تلقي الترشيحات من أكثر من خمسين دولة مختلفة. كانت الفكرة التي بدأت كحلم صغير قد تحولت إلى مشروع عالمي طموح، يجذب انتباه المعلمين والمربين من كل قارة. في صباح يوم خريفي بارد، كانت ليلى جالسة في مكتبها في المركز الرئيسي، تراجع الملفات التي وصلتها من اللجنة المكلفة باختيار الفائزين بالجائزة. كانت هناك قصص مذهلة: معلمون في أفريقيا يبنون مدارس من الطين، ومعلمات في آسيا يعلمن الفتيات في مناطق محظورة، ومربون في أمريكا اللاتينية يغيرون حياة أطفال الشوارع. دخلت آية الغرفة، وكانت ترتدي بدلة عمل أنيقة، وتحمل في يدها ملفاً سميكاً، ووجهها يشرق بالحماس. كانت في السادسة والعشرين من عمرها الآن، وقد أصبحت شابة ناضجة، بعيون زرقاوان تلمعان بالذكاء والحكمة، وشعر بني منسدل على كتفيها، وثقة تملأ خطواتها. "ماما، لقد انتهت اللجنة من تقييم جميع الترشيحات." قالت آية، ووضعت الملف على المكتب أمام ليلى. "لقد اخترنا ثلاثة فائزين من ثلاث قارات مختل
مرت ثلاثة أشهر على تسليم رشاد الفاروقي نفسه للسلطات. ثلاثة أشهر من الهدوء، من السلام، من الحياة التي بدأت تعود إلى طبيعتها بعد سنوات من التوتر والصراع. كانت العائلة تتنفس الصعداء، وتستمتع بكل لحظة من هذا الهدوء الذي نادراً ما عرفوه. في صباح يوم ربيعي مشرق، كانت ليلى واقفة في حديقة الفيلا، تشاهد أزهار الربيع تتفتح بألوانها الزاهية. كانت الشمس دافئة، والهواء منعش، والطيور تغرد على أغصان الأشجار. كانت تبتسم وهي تشاهد هذا الجمال، وقلبها يفيض بالامتنان. دخل كريم الحديقة، وكان يحمل صينية الإفطار، ووجهه يشرق بالحب والرضا. وضع الصينية على الطاولة، وجلس بجانبها على المقعد الخشبي. "صباح الخير، يا حبيبتي." قال، وقبل خدها. "كيف كان نومكِ؟" "صباح الخير، يا حبيبي." قالت، ووضعت رأسها على كتفه. "نمتُ بشكل جيد. ربما لأنني شعرت أخيراً بأن الخطر قد انتهى." "لقد انتهى." قال كريم، وقبل رأسها. "رشاد في السجن، ورجاله إما مسجونون أو فروا. لا يوجد أي تهديد آخر. يمكننا أخيراً أن نعيش في سلام." "هل تعتقد أن هذا حقيقي؟" سألت ليلى، ورفعت رأسها لتنظر في عينيه. "هل تعتقد أننا سنعيش بقية حياتنا دون خوف؟" "نع
مرت ثلاثة أيام على اكتشافهم وجود ابنة لرشاد الفاروقي تعيش في أوروبا. ثلاثة أيام من البحث المكثف، من جمع المعلومات، من التخطيط لكيفية التواصل معها دون إثارة شكوك والدها. كانت العائلة بأكملها تعمل كخلية نحل، كل فرد يؤدي دوره بدقة، وكلهم يعرفون أن هذه قد تكون المفتاح لإنهاء الحرب مع رشاد قبل أن تتفاقم. في صباح يوم بارد، كانت ليلى جالسة في مكتبها في الفيلا، تراجع الملف الذي جمعه فريقها عن نادية الفاروقي. كانت الفتاة في الثامنة والعشرين من عمرها، تعيش في باريس، وتعمل كمهندسة معمارية في شركة تصميم مرموقة. كانت تعيش حياة هادئة، بعيدة كل البعد عن عالم المافيا والعنف الذي كان والدها جزءاً منه. كانت تمتلك شقة صغيرة في حي راقٍ، ولديها صديقان مقربان، ولا يبدو أنها تعرف أي شيء عن ماضي والدها المظلم. دخل كريم الغرفة، وكان يحمل فنجاناً من القهوة الساخنة، ووجهه يشرق بالحماس والترقب. "لقد وجدنا كل شيء عنها." قال كريم، ووضع الفنجان أمام ليلى، وجلس على الكرسي المقابل. "نادية الفاروقي. ابنة رشاد الوحيدة. والدتها توفيت عندما كانت في الخامسة من عمرها، وتم إرسالها إلى أوروبا لتعيش مع خالتها. لا يبدو أن
مرت ثلاثة أسابيع على تهديد رشاد الفاروقي. ثلاثة أسابيع من التوتر، من الاستعدادات، من الليالي التي قضتها العائلة في التخطيط والتحضير لمواجهة العدو القديم. لكن رشاد كان صامتاً، وكأنه يختبر صبرهم، ويدفعهم إلى حافة الجنون بانتظاره. في صباح يوم جمعة مشمس، كانت ليلى جالسة في مكتبها في المركز الرئيسي، تراجع التقارير الأسبوعية، وتحاول أن تركز على العمل رغم القلق الذي كان يملأ قلبها. كانت تحاول أن تثبت لنفسها أن الحياة تستمر، وأنها لن تسمح للخوف بالسيطرة عليها. وفجأة، دوى انفجار هائل من الخارج. اهتزت الأرض تحت قدميها، وتناثر الزجاج من النوافذ، وسقطت الأوراق من على المكتب. شعرت ليلى بالدوار، وسمعت صراخاً من الأسفل، وصوت أقدام تركض في كل اتجاه. وقفت بسرعة، وركضت نحو النافذة المكسورة، ونظرت إلى الأسفل. كانت ترى دخاناً أسود كثيفاً يتصاعد من الحديقة الخلفية للمركز، حيث كانت توجد إحدى الفصول الدراسية التي كان يرتادها الأطفال. شعرت بقلبها يتوقف للحظة. "لا... لا..." همست، وركضت نحو الباب، ونزلت الدرج بسرعة الجنون. وصلت إلى الحديقة، ورأت المشهد المرعب. كانت الفصل الدراسي قد تحول إلى كومة من الأن
مر شهر على كشف مؤامرة سمير عبد الرحمن وإسقاطها. شهر من العودة إلى الحياة الطبيعية، من الهدوء الذي بدأ يعيد التوازن إلى قلوب العائلة. لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً، لأن القدر كان يخبئ لهم مفاجأة أكبر، وأكثر خطورة. في صباح يوم شديد البرودة، كانت ليلى جالسة في مكتبها في الفيلا، تراجع التقرير الشهري لمراكز الأمل، عندما دخل عليها سامي بوجه شاحب، وفي يده ظرف قديم، مختوم بختم لم ترَه من قبل. "ليلى..." قال سامي، وصوته كان مرتجفاً. "لدي شيء مهم لأخبركِ به." رفعت ليلى رأسها، وشعرت بقلبها يدق بسرعة. "ماذا حدث، سامي؟ أنت تبدو منزعجاً." جلس سامي على الكرسي المقابل لها، ووضع الظرف على المكتب أمامها. "تلقيت هذا اليوم. كان موضوعاً تحت باب الفيلا. لا أعرف من وضعه، لكنني أعرف الختم." نظرت ليلى إلى الختم، وكانت ترى نقشاً قديماً، على شكل نسر يحمل سيفاً في مخالبه، وتحته كلمات مكتوبة بخط عربي قديم: "الانتقام حقي مقدس". "ما هذا، سامي؟" سألت ليلى، وصوتها كان خائفاً. "هذا ختم عائلة الفاروقي." قال سامي، وعيناه حزينتان. "عائلة منافسة لعائلة المنصوري منذ أجيال. كنا نظن أنهم انقرضوا، لكن يبدو أن أحداً منهم
مرت ثلاثة أشهر على زيارتهما لمقهى "Distant". ثلاثة أشهر من الهدوء النسبي، من الحياة التي استقرت في إيقاعها الجميل، من الأيام التي كانت تطير كالفراشات بين أزهار الحديقة. كانت ليلى وكريم يعيشان حياة هادئة، مليئة بالرضا والامتنان، يشاهدان أطفالهما يكبرون ويحققون أحلامهم، ويخططان لمستقبل مليء بالأمل. لكن في صباح يوم خريفي بارد، جاءت الصدمة. كانت ليلى جالسة في مكتبها في المركز الرئيسي، ترتب الأوراق وتخطط للفصل الدراسي الجديد، عندما دخل عليها رامي بوجه شاحب، وفي يده هاتف يرتجف. "سيدتي ليلى..." قال رامي، وصوته كان مرتجفاً. "لدي خبر سيء." رفعت ليلى رأسها، وشعرت بقلبها يتوقف للحظة. "ماذا حدث، يا رامي؟" "لقد تلقيت اتصالاً من وزارة التربية والتعليم." قال رامي، وجلس على الكرسي المقابل لها، ووجهه متعب. "هناك تحقيق جارٍ في مراكز الأمل. هناك اتهامات بالفساد المالي، وسوء استخدام التبرعات، ومخالفات إدارية." شعرت ليلى وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. "ماذا؟ هذا مستحيل! نحن ندير المراكز بشفافية تامة. كل شيء موثق، كل شيء مراجع." "أعرف، سيدتي." قال رامي، وعيناه حزينتان. "لكن شخصاً ما قدم بلاغاً ضدنا. و







