Mag-log inكانت ليلة الامتحان الأخير تحمل في هوائها مزيجًا غريبًا من الترقب والرهبة.
في تلك الغرفة الصغيرة أسفل الدرج، التفت الفتيات الخمس حول منضدة خشبية قديمة، تكدست عليها الكتب والمذكرات، وسادت أجواء الصمت إلا من حفيف تقليب الأوراق وصوت أنفاسهن المتلاحقة. غدًا ينتهي المارثون، غدًا يُسدل الستار على مرحلة الشهادة الإعدادية وتبدأ عتبات نضج جديدة. فجأة، أغلقت وتين كتابها بقوة أحدثت صوتًا مسموعًا، ثم سكنت مكانها وشردت عيناها نحو السقف، قبل أن تطلق تنهيدة طويلة ومحملة بالشغف، قائلة - إمتى بقى أخلص ثانوي وأحقق حلمي؟ نفسي أدخل كلية الإعلام وأبقى مذيعة كبيرة.. صوتي يوصل لكل الناس. أحدثت كلمات وتين شرخًا في جدار الصمت المحيط بهن. أغلقت سيليا كتابها هي الأخرى، لكن حركتها كانت بطيئة، هادئة، مشوبة بوجع قديم. تطلعت إلى الفراغ بملامح حزينة، وقالت بنبرة هامسة وكأنها تخاطب قدرها - أنا بقى نفسي أخلص وأدخل كلية الطب.. نفسي أبقى دكتورة قلب كبيرة، عشان أعالج تيتة لما النوبة تجيلها، وتفضل عايشة معايا كتير.. أنا ماليش غيرها في الدنيا دي بعد ربنا. كانت كلمات سيليا تلامس شغاف قلوبهن، فهن يعلمن أن الجدة هي حصنها الوحيد. في هذه الأثناء، كانت سندس تتنقل بنظراتها بين وتين وسيليا، وكتابها ما زال مفتوحًا أمامها. كان حلم سندس مغايرًا تمامًا، حلمًا ولد من رحم واقعها اليومي الضيق. شعرت فجأة بضوضاء عائلتها الصاخبة تطرق جدران الغرفة من بعيد، فقالت بأسى ظاهر - أنا بقى حلمي مختلف عنكم خالص.. أنا نفسي أخلص دراستي بسرعة وأشتغل عشان أجيب كل اللي نفسي فيه، وبعدين أتجوز فارس أحلامي وأبعد عن بيتنا ده بدوشته وزحمته.. نفسي يبقى ليا سرير لوحدي، ودولاب خصوصي أحط فيه هدومي، وأوضة لوحدي أعرف أقفل بابها عليا وقت ما أحب. التفتت الرؤوس نحو ريهام، التي كانت تتابعهن بصمت وجسد متصلب. تنهدت بحسرة لا تليق بسنوات عمرها الخمس عشرة، وتذكرت ملامح والدها الصارمة وأوامره التي لا تقبل الجدال. وحين شعرت بتركيز أنظارهن عليها، قالت بنبرة مستسلمة وجافة - أنا بقى واحدة ماليش أحلام.. مش من حقي أحلم أصلًا. بابا هو اللي من حقه يقرر ويخطط، وأنا عليا التنفيذ وبس، من غير أي مناقشة. ساد صمت ثقيل عقب كلمات ريهام، قطعه صوت تنهيدة عالية وعميقة انطلقت من صدر إيمان. نظر الجميع إليها، فبدت شاردة الذهن، وعيناها تلمعان بدموع محبوسة. قالت بصوت يرتجف خذلانًا - أنا بقى مش عاوزة أكتر من إن ماما تسمعني.. تسمعني بس من غير ما تقاطعني وتتهمني كل مرة إني قليلة الأدب. ونفسي صحابي في المدرسة يبطلوا يتريقوا عليا وعلى طريقتى وشكلى نظرت إليها وتين بحزن عميق؛ فهي الأكثر قربًا لإيمان، وتعلم تمامًا حجم الإيذاء النفسي والاضطهاد الذي تتعرض له في بيتها ومدرستها، لكنها كانت تقف عاجزة، لا تملك سوى نظرات التعاطف والمواساة. عادت الغرفة السري لتغرق في الصمت مجددًا، لكنه لم يكن صمت المذاكرة هذه المرة، بل كان صمت الأحلام المبعثرة والهموم الكبيرة التي نبتت في قلوبهن الصغيرة. وبحركة تلقائية، سحبت كل فتاة كتابها، وعاودن الاستذكار، وكأنهن يحتمين بالسطور والكلمات من واقع ينتظرهن في الخارج. ✨✨✨✨✨✨✨ دلفت ريهام من باب الشقة والبهجة تسبق خطواتها؛ فقد انزاح عن كاهلها ثقل الامتحان الأخير، وباتت الحرية تداعب خيالها. بدأت تدور حول نفسها في ردهة المنزل بخفة، تدندن بلحنٍ عذب وصوتٍ خفيض، معبرةً عن فرحة طفولية لم تغادر روحها بعد. لكن عالمها الوردي تحطم في ثانية واحدة. اصطدم جسدها النحيل بجدارٍ بشري صلب. رفعت رأسها بذعر لتلتقي عيناها بنظرات والدها الحادة والصارمة. انقض عليها صوته الجهوري كصاعقة، ينههرها بشدة ويزجر حركتها العفوية. تراجع الفرح إلى أبعد نقطة في قلبها، وحل مكانه رعبٌ مألوف، وهي تستمع إليه يلقي على مسامعها تلك المحاضرة اليومية المكررة في الأخلاق والتقاليد، محولًا عفوية عمرها إلى خطيئة تستوجب العقاب. ارتفع صوته الخشن يملأ جدران البيت - إيه اللي إنتي بتعمليه ده؟ إنتي فاكرة نفسك لسه صغيرة على المياعة دي؟ إنتي كبرتي ولازم تعقلي وتوزني تصرفاتك.. البنت المحترمة متمشيش تتنطط في الرايحة والجاية..... لازم تبقي محترمة. تدفقت الكلمات من فمه كسيلٍ من القيود والمحرمات، وكانت ريهام في المقابل تتقلص، يصغر حجمها أمام جبروته حتى تمنت لو تبتلعها الأرض. في تلك اللحظات، خانها صوتها تمامًا؛ تراجع هاربًا إلى أعماق حنجرتها، واختفى وراء غصة مريرة وقفت حجر عثرة في حلقها، غصة مؤلمة لدرجة أنها لم تستطع حتى ابتلاعها. لم تكن تملك من أسلحة الدفاع سوى الصمت. هزت رأسها إيجابًا بحركات آلية منكسرة، وعيناها مثبتتان في الأرض، عاجزة عن رفع نظرتها لتواجه ملامحه التي كانت تبث الرعب في أوصالها، مستسلمةً لواقعها المرير الذي يحرم عليها حتى مجرد الفرح بنهاية عامها الدراسي. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨ فتحت سندس باب الشقة والدعوات تتسابق في صدرها بأن تحظى بنصف ساعة من الهدوء، لكن الواقع صدمها فور تخطيها العتبة. تعثرت بأختها الصغرى التي كانت تركض باكية، وجاءتها صرخات أخيها تنبئ بمعركة درامية جديدة وهو يتلقى نصيبه اليومي من الضرب على يد والدتهما. ولم تكد تخطو خطوتين، حتى طارت في الهواء دمية بلاستيكية مشوهة لتصطدم بوجهها مباشرة. تراجعت سندس بخيبتها، وألقت بجسدها المنهك على أول مقعد خشبي قابلها، ورفعت كفيها تضغط بهما بقوة فوق أذنيها، محاولةً عزل نفسها عن هذا الجحيم الصوتي. كانت هذه هي حياتها اليومية؛ فهي الأخت الكبرى لستة أشقاء، يتكدسون جميعًا في مساحة ضيقة لا تتسع لأنفاسهم، في حين يقف والدهم الموظف البسيط عاجزًا، يطحن نفسه طوال الشهر ليعود بفتات لا يكاد يسد رمق العائلة أو يلبي أبسط احتياجاتها الأساسية. ضاقت الجدران في عينيها، فنهضت مسرعة نحو الشرفة، هرباً من هذا الاختناق، وبحثاً عن نسمة هواء نقي واحدة في سماء الأميرية علّها تطفيء غليان صدرها. أطلت برأسها، أغمضت عينيها واستنشقت الهواء بعمق، لكن ملاذها لم يدم لأكثر من دقيقة. اخترق هدوء الشرفة صوت الأم الحاد والمجهد وهي تصرخ باسمها من داخل المطبخ، آمرة إياها بترك ما في يدها فورًا والمساعدة في غسيل الأطباق وأعمال المنزل المتراكمة. أطلقت سندس زفيرًا حارًا محملًا بالحنق والاعتراض المكبوت، وتأهبت للدخول، لكن الأم لم تنتظر؛ إذ عاجلتها بوصلة مألوفة من التقريع والسباب بتهمة الكسل والبرود. دلفت سندس وهي تحرك شفتيها بتمتمات مبهمة، كلمات عاتبة وساخطة لم تجرؤ على إخراجها للعلن، متجهة نحو المطبخ وهي تشعر بأن حلمها بالهروب إلى بيت مستقل، ودولاب خاص، وسرير منفرد، لم يعد مجرد رفاهية، بل بات مسألة حياة أو موت. ✨✨✨✨✨✨✨✨ صعدت سيليا درجات السلم بخطوات راقصة، وقلبها الصغير يفيض بالسعادة؛ فقد أدت امتحانها الأخير بشكل جيد، وبات حلم كلية الطب يقترب خطوة في مخيلتها. وقفت أمام باب شقة جدتها، الحصن الدافئ الذي آواها، وطرقت الباب بطريقتها المألوفة وهي تتوقع رؤية وجه جدتها الباسم. لكن الباب انفتح لتتبدد سعادتها في لحظة. وقفت خالتها الكبرى على العتبة، وبدلاً من الترحيب، رمتها بنظرات حادة، باردة ومحملة بالاشمئزاز، نظرات صامتة لكنها كانت كفيلة بأن تغرس غصة حزن مألوفة في قلب سيليا. كانت سيليا، رغم حداثة سنها، تدرك جيدًا أن هذه الخالة تكنّ لها كرهًا غريبًا غير مبرر، وكأنها ترى فيها عبئًا أو ذنبًا لا ذنب لها فيه. بلعت سيليا ريقها، وتراجعت خطوة للخلف، ثم ألقت تحية الصباح بنبرة خافتة حذرة، تتملق بها السلامة. وفجأة، تبدل المشهد تمامًا حين ظهرت خالتها الصغرى من خلف شقيقتها. اندفعت نحو سيليا بوجه مشرق، وجذبتها إلى أحضانها بحب حقيقي دافئ، الحب الذي تعوضها به الأيام دائمًا عن قسوة الآخرين. طوقتها بذراعيها وسألتها بلهفة واهتمام عن امتحانها الأخير وكيف كان أداؤها. أجابتها سيليا بنبرة عادت إليها الروح مجددًا - الحمد لله يا خالتو.. الامتحان كان حلو جدًا. تجاوزت سيليا جسد خالتها الكبرى المتصلب، وأسرعت بخطواتها نحو غرفتها الداخلية حيث تجلس الجدة. ارتمت في أحضانها، وقبلت يديها ووجنتيها بحب جارف، وكأنها تستمد من حضنها الأمان الذي يقيها نظرات الخالة الكبرى الواقفة بالخارج. لكن، حتى في هذا الحضن الدافئ، لم تسلم؛ إذ تلاقت عيناها بنظرات خالتها الكبرى التي لحقت بها إلى الغرفة، ووقفت عند الباب عاقدة ذراعيها، تتبعها ببعض الهمهمات والكلمات المبتورة الخفيطة التي تحمل طابع التهكم والضيق، كلمات لم تفهم سيليا تفاصيلها، لكنها شعرت بوخزها في قلبها، لتدرك أن سلامها في هذا البيت سيظل دائمًا مهددًا بوجود تلك المرأة.54 سيطرت المخاوف والظنون على عقيلة رقية؛ فباتت تخشى إنكشاف أمرها ووقوع عين جمال أو أحد الأطباء على غايتها الملعونة. وأمام هذا التوجس، قررت بمرونة الأفاعي أن تؤجل نيتها في التخلص من جنين سندس قليلاً، حتى تهدأ الأجواء وتنسج خيوط مكرها بإحكام أشد. تطلّب مخططها الجديد أن تصلح أمرها مع الطبيبة المتابعة لحالة سندس، لتبعد عن نفسها أي شبهة قد تحوم حولها في المستقبل. بالفعل، توجهت رقية لزيارة الطبيبة في عيادتها، وجلست معها متقمصة دور الخالة الحريصة والقلب النابض بالرحمة. بدأت تسرد عليها بقالب من الأسى المصطنع قصصًا مزعومة، وروايات معقدة وحكايات واهية عن فتاة وهمية من صنع خيالها الخصب؛ ادعت أنها قريبة لها تعاني أزمات صحية وظروفًا معيشية قاسية تشبه حالة سندس. كانت تلك الروايات في الحقيقة مجرد غطاء خبيث، واستدراج ذكي ومدروس لجر لسان الطبيبة، بهدف انتزاع أكبر كمية ممكنة من المعلومات الدقيقة حول ماهية تلك الحبوب المجهضة، وطريقة استخدامها، وجرعاتها الفتاكة، وآثارها على الرحم دون ترك أي دليل طبي يشير لفعل فاعل. ببراعة شديدة، نالت رقية بغيتها واستقت من الطبيبة كل التفاصيل التي تحتاجها لطبخ جريمتها.
53 تتمدد سندس على الفراش بجسدها المنهك، تقلب في هاتفها بآلية وعيناها تائهتان بين السطور، حين دلفت إليها والدتها منال وهي تجفف كفيها بمنديل قطني، لتردد بنبرة يغلفها التعب والحرص - أنا كدة خلصت كل حاجة ورايا يا سندس، وعملتلك كام أكلة حطيتهم في الثلاجة عشان مش هعرف أجيلك كل يوم الفترة الجاية.. أنتِ عارفة المدارس والدراسة بدأت والبيت هناك محتاجني. أومأت لها سندس برأسها بقلة حيلة تفهمًا لظروفها، لتستأنف منال حديثها وهي تقترب من الفراش وتدثر أطرافها بحنان - خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وخلي بالك بقى من اللي في بطنك.. أنتِ خلاص هتبدئي في الشهر الخامس أهو، يا مسهل الحال يا رب.. نفسي أشوف عيالك كدة ستة حواليكي يملوا عليكي الدنيا يا سوسو. أطلقت سندس ضحكات مكتومة متألمة خرجت من بين شفتيها كآهات مجروحة على حديث والدتها، ورددت بتهكم مرير - ياه يا ماما.. ستة؟ إحنا كدة هنعيد المأساة من تاني بقى تطلعت إليها منال بدهشة واستنكار ارتسما على ملامحها، وطالبتها بتفسير لجمتها الصادمة تلك، لكن سندس آثرت الصمت لثوانٍ؛ فهي تعلم يقينًا أنه لا فائدة من الحديث مع والدتها التي تتبنى الفكر القديم، ومقتنعة تما
52 دلف الأستاذ الجامعي وقور الهيئة بخطوات ثابتة وئيدة نحو المنصة في مقدمة المدرج، وما إن استقر في موضعه حتى خيّم صمت مطبق على الأرجاء، وتلاشت همهمات الطلاب تمامًا. تنحنح بوقار وبدأ حديثه بجدية حازمة مغلفة بنبرة ترحيبية - أهلاً بيكم جميعاً في سنة دراسية جديدة، أتمنى التوفيق والتميز فيها للجميع بإذن الله. أنا دكتور صفوت، اللي هكون معاكم ومسؤول عن المادة السنة دي، وأتمنى نكون متعاونين ولينين مع بعض لأقصى درجة. أول حاجة مطلوبة منكم عشان تقييم العملى هي عمل بحث علمي وافٍ في موضوع معين؛ المساعد بتاعي بيوزع عليكم أرقام دلوقتي، وبناءً عليها هختار رقمين عشوائيين، ودول اللي هيبقوا مشتركين مع بعض كفريق في إعداد البحث. تحرك المساعد بهدوء بين الصفوف يوزع قصاصات الأرقام، وما إن انتهى وعاد مكانه، حتى بدأ الدكتور في سحب الأرقام وإعلانها بصوته الجهوري. في تلك الأثناء، كانت وتين تجلس في مقعدها في حالة ترقب وتوتر، وتدعو الله في سرها باهتياج أن تكون صاحبة الرقم الآخر فتاة، وتمنت أكثر أن تكون صديقة تعرفها جيدًا لتبتعد عن حرج التعامل مع الغرباء. تطلعت إلى القصاصة التي بين يديها لتجد الرقم ثلاثة وثلاثون،
51 بينما كان خالد يجلس وسط دائرة من أصدقائه في مقهى يضج بصخب الأحاديث وضحكات الرجال، كان عقله كالعادة غائبًا، هائمًا في وادٍ آخر من الهموم والظنون التي تنهش رجولته وكبرياءه. فجأة، اخترق مسامعه صوت أحد الأصدقاء الجالسين وهو يرتشف من كوب شايّه، ويبدأ في سرد قصة شخصية بنبرة يملؤها الزهو - أنا يوم فرحي، البت اللي كنت مصاحبها وبحبها زمان قبل ما أتجوز، عملتلي عمل وربطتني؛ عشان تثبت لمراتي ليلة الدخلة إني مش راجل وأتفضّح قدام أهلها بس على مين؟.. تاني يوم الصبح أمي الله يكرمها قفشت الفولة، وجابتلي شيخ من بتوع ربنا، وفي قعدة واحدة فك العمل والربط، وتسع شهور بالتمام والكمال وكنت شايل ابني الكبير على إيدي والحمد لله نزلت الكلمات على مسامع خالد كالصاعقة، واهتزت لها أركان روحه الوجلة. انشدّ انتباهه بالكامل، وتسمرت عيناه على فم صديقه؛ وفي تلك اللحظة بالذات، ومضت في عقله صورة خالته نجلاء.... تذكر نظراتها الخبيثة، وكلماتها المسمومة التي لا تتوقف عن ترديدها في كل محفل، وتذكر كيف دبت المشاكل في حياته فجأة بعد زواجه. اندفع خالد يطرق الحديد وهو ساخن، وبدأ يطرح على صديقه أسئلة متلاحقة بلهفة وتوتر مفض
50 استيقظ أشرف في الصباح الباكر وثقل غريب يكبّل رأسه؛ جاهد طويلاً لفتح عينيه المنتفختين اللتين غزتهما حمرة التعاطي، وشعر بجفاف شديد في حلقه كأنه يتنفس رمادًا. حرك يده بآلية فوق الفراش ليمط جسده، فارتطمت كفه بجسد يرقد الغرفة إلى جواره. تطلع حوله بتعجب وذهول، والحطام المتبقي من ذاكرة الليلة الماضية لا يسعفه، ليتساءل بملامح متصلبة وهو يهتف باسمها بنبرة حادة - ريهام؟ انتفضت ريهام مفزوعة من نومها، وجلس بجسد يرتعش كعصفور بلله المطر. تطلعت إليه برعب حقيقي، متأملة هيئته الغاضبة العابثة وعينيه اللتين تطاير منهما الشرر، وأجابته بصوت متقطع وخوف لجم حنجرتها - نـ.. نعم يا أشرف؟ لم تلبث أن تستوعب ملامحه حتى تفاجأت به يزجرها بغضب وتشنج، ملقيًا بكلماته كالسياط - أنتِ مش كنتِ غُرتي وسبتِ البيت إمبارح؟ إيه اللي رجعك هنا تاني؟ ومين جابك؟ صمتت ريهام لثوانٍ ثقيلة، وتفرست في ملامحه المتبلدة لتعلم بيقين يمزق أمعاءها أنه في اليوم السابق لم يكن يعي من أمره شيئًا؛ كان مجرد جثة تحركها السموم والخمور التي تجرعها، ولا يتذكر من تنازله وهمجيته أو ضربه لها حرفًا واحدًا. ابتلعت ريقتها في ارتباك وخوف من نوبات ج
49 نهضت سيليا سريعًا من على الفراش، وكأن روحًا جديدة دُبّت في جسدها المنهك عقب سماعها تلك الجملة المباغتة من خالد. امتدت كفها المرتعشة تمسح بقايا الدموع عن وجنتيها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لكنها حقيقية؛ لقد استجاب الله لدعائها، وبعث لها بوالدها في أحلك لحظات انكسارها ليكون طوق النجاة. التفتت إلى خالد وأخبرته بنبرة متلهفة تحاول تجميع شتات نفسها أنها تحتاج دقائق معدودة وستكون جاهزة، فأومأ لها خالد برأسه في صمت كئيب، ثم خرج من الغرفة دون أي تعليق. توجهت سيليا نحو الحمام بخطى حثيثة، غسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ لهيب وجعها، ثم أسرعت تبدل ملابسها وتصفف شعرها المبعثر. وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها، وبأنامل مرتعشة وضعت بعض مساحيق التجميل، محاولةً باستماتة أن تواري بها الآثار الزرقاء والانتفاخ الشاحب الذي خلفه ضرب خالد الوحشي ليلة أمس؛ حتى لا يرى والدها انكسارها من اللحظة الأولى. بعد قليل، خرجت سيليا إلى الصالة والنبض يتسارع في صدرها، تقدمت لتلقي التحية على والدها واشتهت روحه ارتماءة كاملة بين أحضانه تعوضها عن جحيمها. لكنها ما إن اقتربت منه، حتى تجمدت أطرافها؛ إذ مدّ يد
عند وتين، كان الصمت يلف أرجاء الغرفة، خرقته نبرة صوت أيمن القادمة عبر مكبر الصوت في الهاتف، بينما جلست وتين بجوار شقيقها الأصغر تيم تتابع الحوار بملامح يكسوها الإحباط.كانوا يتناقشون حول المصير البائس الذي انتهت إليه سندس مؤخراً، وجاء رأي أيمن قاطعاً ومفعماً بالمرارة- سندس مجرد ضحية تانية لعائلتها
داخل جدران الفصل الدراسي، كانت الهمهمات والضحكات المكتومة تتصاعد من المقاعد الخلفية، بينما تجلس إيمان في المقعد الأوسط، تتوسط سيليا ووتين كمن يحتمي بجدارين من الأمان. كان صوت المعلمة يتردد في أرجاء القاعة وهي تشرح تفاصيل "الجهاز التناسلي للأنثى"، لكن الكلمات لم تكن لتمر على مسامع إيمان كدرس عادي. ك
فتحت إيمان باب الشقة بهدوء، يسبقها أمل ضئيل في أن تجد صدرًا رحبًا يستمع إليها في نهاية هذا العام الدراسي الشاق. رأت والدتها تقف في الردهة، فألقت عليها التحية بنبرة حانية محبة، لكن الأم التفتت إليها بوجه متجهم وملامح جامدة لم تحمل أي دفء، وردت بتحية مقتضبة وجافة قبل أن توليها ظهرها وتدلف إلى المطبخ
كانت الجدران العتيقة لحي الأميرية تحمل في طياتها دفء زمنٍ مضى، لكنها في تلك الليلة لم تفلح في حماية براءة سيليا. في غرفتها الصغيرة، انكمشت الطفلة ذات السنوات الخمس، واحتضنت دميتها القماشية المهترئة كأنها تلوذ بها من إعصار الكلمات القادمة من ردهة المنزل.كان صوت زوجة أبيها يخترق الأبواب الخشبية، حاد







