Masukفتحت إيمان باب الشقة بهدوء، يسبقها أمل ضئيل في أن تجد صدرًا رحبًا يستمع إليها في نهاية هذا العام الدراسي الشاق. رأت والدتها تقف في الردهة، فألقت عليها التحية بنبرة حانية محبة، لكن الأم التفتت إليها بوجه متجهم وملامح جامدة لم تحمل أي دفء، وردت بتحية مقتضبة وجافة قبل أن توليها ظهرها وتدلف إلى المطبخ لإعداد طعام الغداء.
لم تيأس إيمان؛ كانت حاجة قلبها الصغير إلى "الإنصات" أكبر من خوفها. دلفت خلفها إلى المطبخ، ووقفت بجوارها تراقب حركتها الروتينية، ثم استجمعت شجاعتها وبدأت تتحدث. فضفضت لها عن أمور خاصة تؤرقها كفتاة تكبر وتتغير، وقصت لها بنبرة متهدجة عن تلك السخرية والتهكمات القاسية التي تتعرض لها من بنات المدرسة، وكيف أن كلماتها وتصرفاتها دائمًا ما تكون مادة لتندرهم. كانت تبحث عن حماية، عن نصيحة أمومة ترمم ثقتها المهتزة. لكن الأم لم تمهلها لتكمل. استدارت نحوها بعيون متسعة غاضبة، وقاطعتها بنهر حاد زلزل أركان المطبخ الصغير. صبت عليها لومًا لا تفتعله إلا مع المذنبين، وصاحبت في وجهها متهمة إياها بأنها تخطت حدود الأدب والحياء بمثل هذا الحديث، وأنها ما زالت طفلة لا يحق لها الخوض في هذه الأمور، واصفة تساؤلاتها بالجرأة غير المقبولة. وفي قمة ذهول إيمان، أدارت الأم ظهرها مرة أخرى، وتسابقت خطواتها خارج المطبخ، تاركة ابنتها وحيدة، تتخبط في حزنها وانكسارها. وقفت إيمان في مكانها متصلبة. شعرت باختناق شديد يجتاح صدرها، وكأن جدران المطبخ تضيق عليها حتى تمنع الهواء عن رئتيها. كان الوجع أعمق من أن تداويه الدموع؛ إذ أحست بغصة مريرة في حلقها، وحبست عيناها الدموع التي أبت أن تتحرر لتواسيها. في تلك اللحظة، تسلل إليها شعور مخيف بالغربة؛ شعرت وكأنها كائن فضائي مختلف تمامًا عن هذا المجتمع المحيط بها، وأنها تعيش في عالم معزول، حيث لا أحد يملك القدرة أو الرغبة في أن يفهم دقات قلبها أو يستمع لحديث روحها. ✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨ على النقيض تمامًا من بيوت زميلاتها، كان البيت في الطابق الخامس يضجّ بحياة من نوع آخر؛ حياة يغلفها الدفء، ويقودها صخب وتين المحبب. دلفت وتين من باب الشقة كعاصفة من البهجة، ولم تخلع حذاءها بعد حتى هتفت بأعلى صوتها، منادية على كل من في البيت وكأنها تعلن انتصارًا تاريخيًا - يا أهل البيت.. أنا جيت..... خلصت الامتحان لم يتأخر الرد؛ إذ أقبلت والدتها من الداخل والابتسامة تسبقها، وفتحت ذراعيها على مسعيهما لتستقبل ابنتها في حضنٍ دافئ، طويل، ينسي التعب. ضمتها بقوة وسألتها بلهفة الأمومة المعتادة - عملتي إيه يا قلب ماما؟ طمنيني، الأخبار إيه؟ أشارت وتين بخلجات وجهها وحركة يدها الواثقة، قائلة بنبرة متهللة - الحمد لله يا ماما.. كله تمام، الامتحان كان سهل اوى على صوت صخبها، خرج شقيقها من غرفته، والفضول يرتسم على ملامحه، وسألها هو الآخر باهتمام عن تفاصيل المادة وأسئلتها. وبحركة سريعة وعفوية، سحبت وتين ورقة الأسئلة المطوية من حقيبتها وألقتها إليه ليراجع معها الإجابات. وفي وسط الحديث، بينما كان شقيقها يقرأ الأسئلة بتركيز وهي تؤكد له صحة حلّها، وضعت وتين يدها على بطنها وقالت بضحكة طفولية نابعة من جوع حقيقي بعد عناء التركيز - بس سيبك من المراجعة دلوقتي.. أنا واقعة من الجوع يا ماما، بطني بتصوّص ابتسمت الأم وحثت وجنتها بحنان قائلة - من عيوني يا حبيبتي، هدخل أجهز السفرة حالًا.. زمان بابا على وصول، مش فاضل غير دقايق ويرجع من الشركة وناكل كلنا سوا. طبعت وتين قبلة سريعة على وجنة والدتها تعبيرًا عن امتنانها، ثم التفتت نحو شقيقها، وسحبته من يده متجهة إلى الداخل لاستكمال حديثهما ومراجعتهما الضاحكة، تاركة خلفها ردهة المنزل ممتلئة برائحة الأمان والاستقرار، ذلك الأمان الذي جعل منها "قائدة" بالفطرة، وسندًا تستند إليه رفيقاتها الأربع كلما ضاقت بهن دروب الحياة. ✨✨✨✨✨✨✨✨ مرت الأيام حبلى بالقلق، حتى أطلت النتيجة أخيرًا حاسمةً ومفاجئة. جاءت درجات الفتيات الخمس متشابهة إلى حد كبير، متقاربة في تميزها وكأن عقولهن قد صُبت في قالب واحد خلال تلك الليالي الطويلة أسفل الدرج. لكن، مع ظهور هذه الدرجات، انفتحت أمام كل منهن أبواب واقع جديد، واصطدمت الطموحات بجدران الرغبات العائلية المتباينة. كانت وتين تتحرك كعادتها في مساحة من الثقة المطلقة؛ فوالداها اللذان اعتادا منحها حرية الاختيار وبناء شخصيتها المستقلة، لم يترددا لحظة في مباركة قرارها. تقدمت بخطى ثابتة لتلتحق بالثانوية العامة، واضعةً عينيها على شاشة التلفاز التي تحلم أن تطل منها يومًا ما كمذيعة لامعة. وفي شقة الجدة، كان المشهد مغلفًا بدموع الإصرار. بالرغم من وهن جسدها، وحالة الإعياء الشديدة ونوبات المرض التي باتت تهاجمها بضراوة، صمدت الجدة في وجه العواصف. رفضت كل التوسلات وقررت بشكل قاطع إلحاق سيليا بالثانوية العامة. كانت الجدة ترى في حلم سيليا بأن تصبح طبيبة قلب ليس مجرد رغبة طفلة، بل طوق نجاة وأملًا يتحديان الموت، فدامت لها السند والدرع. أما في بيت سندس، فقد تحطمت الأحلام على صخرة الواقع المادي المرير. لم يكن هناك مجال للنقاش أو إبداء الرأي؛ إذ أصدر والدها قراره الحاسم بإلحاقها بالثانوية الفنية التجارية، لتوفر العائلة مصاريف دراستها لصالح أشقائها الستة. بكت سندس بحرقة وهي ترى حلم الوظيفة السريعة، والبيت المستقل، والغرفة التي تغلق بابها على نفسها، يتبخر كسراب، لتشعر بأن جدران بيتهم المزدحم قد أطبقت على أنفاسها إلى الأبد. ولم يكن حال ريهام بأفضل منها، بل ربما كان أشد قسوة. أصدر والدها "فرمانًا" سلطويًا لا رجعة فيه بإلحاقها بالثانوية الفنية أيضًا. لم يكن الدافع لديه ماديًا بقدر ما كان فكريًا متصلبًا؛ ففلسفته الثابتة في الحياة تتركز حول أن الأنثى ليس من حقها التعليم، ونهايتها المحتومة هي بيت زوجها. وقفت ريهام صامتة كعادتها، ابتلعت غصتها، ودفنت طموحاتها في مقبرة أوامر والدها دون أن تجرؤ على نطق حرف واحد وفي زاوية أخرى من الحي، كانت إيمان تعيش أسوأ أنواع الفقد.. فقد الاهتمام. لم يهمهم أحد بأمر نتيجتها، ولم تكلف والدتها نفسها عناء السؤال عن درجاتها المتفوقة. ساد المنزل برود تام تجاهها، فالأولوية المطلقة، والدعم النفسي والمادي، والخطط المستقبلية كانت تُصنع وتُسخر لأخيها فقط. شعرت إيمان بنبذ أعمق، وتأكد لها ظنها القديم بأنها مجرد هامش في كتاب عائلتها. بالرغم من هذا الشرخ الكبير الذي أحدثته الأقدار في مساراتهن التعليمية، وبالرغم من أن الزي المدرسي سيتغير، إلا أن الميثاق القديم الذي كُتب بـ "كف اليد الواحدة" لم ينفرط. رفضت الفتيات الاستسلام للتفرق؛ وظلت تلك الغرفة الصغيرة أسفل الدرج مقرًا مقدسًا وملاذًا يوميًا لهن. هناك، عند المساء، كنّ يتجمعن ليغسلن هموم الواقع؛ وتين وسيليا يفتحن كتب الثانوية العامة بأمل مشوب بالتحدي، وسندس وريهام يهربن من واقع التعليم الفني إلى أحضان الصديقات، بينما تجد إيمان في وسط القلوب الأربعة الدفء والإنصات الذي حُرمت منه في بيتها. دارت الأيام وتغيرت الدروب، لكن الأيدي ظلت متماسكة، رافضةً بديكتاتورية الحب أن تفترق.54 سيطرت المخاوف والظنون على عقيلة رقية؛ فباتت تخشى إنكشاف أمرها ووقوع عين جمال أو أحد الأطباء على غايتها الملعونة. وأمام هذا التوجس، قررت بمرونة الأفاعي أن تؤجل نيتها في التخلص من جنين سندس قليلاً، حتى تهدأ الأجواء وتنسج خيوط مكرها بإحكام أشد. تطلّب مخططها الجديد أن تصلح أمرها مع الطبيبة المتابعة لحالة سندس، لتبعد عن نفسها أي شبهة قد تحوم حولها في المستقبل. بالفعل، توجهت رقية لزيارة الطبيبة في عيادتها، وجلست معها متقمصة دور الخالة الحريصة والقلب النابض بالرحمة. بدأت تسرد عليها بقالب من الأسى المصطنع قصصًا مزعومة، وروايات معقدة وحكايات واهية عن فتاة وهمية من صنع خيالها الخصب؛ ادعت أنها قريبة لها تعاني أزمات صحية وظروفًا معيشية قاسية تشبه حالة سندس. كانت تلك الروايات في الحقيقة مجرد غطاء خبيث، واستدراج ذكي ومدروس لجر لسان الطبيبة، بهدف انتزاع أكبر كمية ممكنة من المعلومات الدقيقة حول ماهية تلك الحبوب المجهضة، وطريقة استخدامها، وجرعاتها الفتاكة، وآثارها على الرحم دون ترك أي دليل طبي يشير لفعل فاعل. ببراعة شديدة، نالت رقية بغيتها واستقت من الطبيبة كل التفاصيل التي تحتاجها لطبخ جريمتها.
53 تتمدد سندس على الفراش بجسدها المنهك، تقلب في هاتفها بآلية وعيناها تائهتان بين السطور، حين دلفت إليها والدتها منال وهي تجفف كفيها بمنديل قطني، لتردد بنبرة يغلفها التعب والحرص - أنا كدة خلصت كل حاجة ورايا يا سندس، وعملتلك كام أكلة حطيتهم في الثلاجة عشان مش هعرف أجيلك كل يوم الفترة الجاية.. أنتِ عارفة المدارس والدراسة بدأت والبيت هناك محتاجني. أومأت لها سندس برأسها بقلة حيلة تفهمًا لظروفها، لتستأنف منال حديثها وهي تقترب من الفراش وتدثر أطرافها بحنان - خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وخلي بالك بقى من اللي في بطنك.. أنتِ خلاص هتبدئي في الشهر الخامس أهو، يا مسهل الحال يا رب.. نفسي أشوف عيالك كدة ستة حواليكي يملوا عليكي الدنيا يا سوسو. أطلقت سندس ضحكات مكتومة متألمة خرجت من بين شفتيها كآهات مجروحة على حديث والدتها، ورددت بتهكم مرير - ياه يا ماما.. ستة؟ إحنا كدة هنعيد المأساة من تاني بقى تطلعت إليها منال بدهشة واستنكار ارتسما على ملامحها، وطالبتها بتفسير لجمتها الصادمة تلك، لكن سندس آثرت الصمت لثوانٍ؛ فهي تعلم يقينًا أنه لا فائدة من الحديث مع والدتها التي تتبنى الفكر القديم، ومقتنعة تما
52 دلف الأستاذ الجامعي وقور الهيئة بخطوات ثابتة وئيدة نحو المنصة في مقدمة المدرج، وما إن استقر في موضعه حتى خيّم صمت مطبق على الأرجاء، وتلاشت همهمات الطلاب تمامًا. تنحنح بوقار وبدأ حديثه بجدية حازمة مغلفة بنبرة ترحيبية - أهلاً بيكم جميعاً في سنة دراسية جديدة، أتمنى التوفيق والتميز فيها للجميع بإذن الله. أنا دكتور صفوت، اللي هكون معاكم ومسؤول عن المادة السنة دي، وأتمنى نكون متعاونين ولينين مع بعض لأقصى درجة. أول حاجة مطلوبة منكم عشان تقييم العملى هي عمل بحث علمي وافٍ في موضوع معين؛ المساعد بتاعي بيوزع عليكم أرقام دلوقتي، وبناءً عليها هختار رقمين عشوائيين، ودول اللي هيبقوا مشتركين مع بعض كفريق في إعداد البحث. تحرك المساعد بهدوء بين الصفوف يوزع قصاصات الأرقام، وما إن انتهى وعاد مكانه، حتى بدأ الدكتور في سحب الأرقام وإعلانها بصوته الجهوري. في تلك الأثناء، كانت وتين تجلس في مقعدها في حالة ترقب وتوتر، وتدعو الله في سرها باهتياج أن تكون صاحبة الرقم الآخر فتاة، وتمنت أكثر أن تكون صديقة تعرفها جيدًا لتبتعد عن حرج التعامل مع الغرباء. تطلعت إلى القصاصة التي بين يديها لتجد الرقم ثلاثة وثلاثون،
51 بينما كان خالد يجلس وسط دائرة من أصدقائه في مقهى يضج بصخب الأحاديث وضحكات الرجال، كان عقله كالعادة غائبًا، هائمًا في وادٍ آخر من الهموم والظنون التي تنهش رجولته وكبرياءه. فجأة، اخترق مسامعه صوت أحد الأصدقاء الجالسين وهو يرتشف من كوب شايّه، ويبدأ في سرد قصة شخصية بنبرة يملؤها الزهو - أنا يوم فرحي، البت اللي كنت مصاحبها وبحبها زمان قبل ما أتجوز، عملتلي عمل وربطتني؛ عشان تثبت لمراتي ليلة الدخلة إني مش راجل وأتفضّح قدام أهلها بس على مين؟.. تاني يوم الصبح أمي الله يكرمها قفشت الفولة، وجابتلي شيخ من بتوع ربنا، وفي قعدة واحدة فك العمل والربط، وتسع شهور بالتمام والكمال وكنت شايل ابني الكبير على إيدي والحمد لله نزلت الكلمات على مسامع خالد كالصاعقة، واهتزت لها أركان روحه الوجلة. انشدّ انتباهه بالكامل، وتسمرت عيناه على فم صديقه؛ وفي تلك اللحظة بالذات، ومضت في عقله صورة خالته نجلاء.... تذكر نظراتها الخبيثة، وكلماتها المسمومة التي لا تتوقف عن ترديدها في كل محفل، وتذكر كيف دبت المشاكل في حياته فجأة بعد زواجه. اندفع خالد يطرق الحديد وهو ساخن، وبدأ يطرح على صديقه أسئلة متلاحقة بلهفة وتوتر مفض
50 استيقظ أشرف في الصباح الباكر وثقل غريب يكبّل رأسه؛ جاهد طويلاً لفتح عينيه المنتفختين اللتين غزتهما حمرة التعاطي، وشعر بجفاف شديد في حلقه كأنه يتنفس رمادًا. حرك يده بآلية فوق الفراش ليمط جسده، فارتطمت كفه بجسد يرقد الغرفة إلى جواره. تطلع حوله بتعجب وذهول، والحطام المتبقي من ذاكرة الليلة الماضية لا يسعفه، ليتساءل بملامح متصلبة وهو يهتف باسمها بنبرة حادة - ريهام؟ انتفضت ريهام مفزوعة من نومها، وجلس بجسد يرتعش كعصفور بلله المطر. تطلعت إليه برعب حقيقي، متأملة هيئته الغاضبة العابثة وعينيه اللتين تطاير منهما الشرر، وأجابته بصوت متقطع وخوف لجم حنجرتها - نـ.. نعم يا أشرف؟ لم تلبث أن تستوعب ملامحه حتى تفاجأت به يزجرها بغضب وتشنج، ملقيًا بكلماته كالسياط - أنتِ مش كنتِ غُرتي وسبتِ البيت إمبارح؟ إيه اللي رجعك هنا تاني؟ ومين جابك؟ صمتت ريهام لثوانٍ ثقيلة، وتفرست في ملامحه المتبلدة لتعلم بيقين يمزق أمعاءها أنه في اليوم السابق لم يكن يعي من أمره شيئًا؛ كان مجرد جثة تحركها السموم والخمور التي تجرعها، ولا يتذكر من تنازله وهمجيته أو ضربه لها حرفًا واحدًا. ابتلعت ريقتها في ارتباك وخوف من نوبات ج
49 نهضت سيليا سريعًا من على الفراش، وكأن روحًا جديدة دُبّت في جسدها المنهك عقب سماعها تلك الجملة المباغتة من خالد. امتدت كفها المرتعشة تمسح بقايا الدموع عن وجنتيها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لكنها حقيقية؛ لقد استجاب الله لدعائها، وبعث لها بوالدها في أحلك لحظات انكسارها ليكون طوق النجاة. التفتت إلى خالد وأخبرته بنبرة متلهفة تحاول تجميع شتات نفسها أنها تحتاج دقائق معدودة وستكون جاهزة، فأومأ لها خالد برأسه في صمت كئيب، ثم خرج من الغرفة دون أي تعليق. توجهت سيليا نحو الحمام بخطى حثيثة، غسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ لهيب وجعها، ثم أسرعت تبدل ملابسها وتصفف شعرها المبعثر. وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها، وبأنامل مرتعشة وضعت بعض مساحيق التجميل، محاولةً باستماتة أن تواري بها الآثار الزرقاء والانتفاخ الشاحب الذي خلفه ضرب خالد الوحشي ليلة أمس؛ حتى لا يرى والدها انكسارها من اللحظة الأولى. بعد قليل، خرجت سيليا إلى الصالة والنبض يتسارع في صدرها، تقدمت لتلقي التحية على والدها واشتهت روحه ارتماءة كاملة بين أحضانه تعوضها عن جحيمها. لكنها ما إن اقتربت منه، حتى تجمدت أطرافها؛ إذ مدّ يد
عند وتين، كان الصمت يلف أرجاء الغرفة، خرقته نبرة صوت أيمن القادمة عبر مكبر الصوت في الهاتف، بينما جلست وتين بجوار شقيقها الأصغر تيم تتابع الحوار بملامح يكسوها الإحباط.كانوا يتناقشون حول المصير البائس الذي انتهت إليه سندس مؤخراً، وجاء رأي أيمن قاطعاً ومفعماً بالمرارة- سندس مجرد ضحية تانية لعائلتها
تجمعت الصديقات حول سندس في حلقة دافئة، يحاولن انتشالها من تلك الحالة الهامدة التي تملكتها منذ أن جرتها قدماها إليهن.دثرتها ريهام بين ذراعيها، واحتوتها في عناق صامت طويل علّه يرمم بعضاً من شتاتها. أما سندس، فكانت غارقة في بحر من الأسئلة المريرة.... كيف يملك الآباء هذه القدرة على تفصيل مصائرنا وفق م
كانت ليلة الامتحان الأخير تحمل في هوائها مزيجًا غريبًا من الترقب والرهبة.في تلك الغرفة الصغيرة أسفل الدرج، التفت الفتيات الخمس حول منضدة خشبية قديمة، تكدست عليها الكتب والمذكرات، وسادت أجواء الصمت إلا من حفيف تقليب الأوراق وصوت أنفاسهن المتلاحقة. غدًا ينتهي المارثون، غدًا يُسدل الستار على مرحلة ال
كانت الجدران العتيقة لحي الأميرية تحمل في طياتها دفء زمنٍ مضى، لكنها في تلك الليلة لم تفلح في حماية براءة سيليا. في غرفتها الصغيرة، انكمشت الطفلة ذات السنوات الخمس، واحتضنت دميتها القماشية المهترئة كأنها تلوذ بها من إعصار الكلمات القادمة من ردهة المنزل.كان صوت زوجة أبيها يخترق الأبواب الخشبية، حاد







