LOGINعذرًا أيتها المرايا.. فقد تبدلت الملامح، واستيقظ في الجسد الغريب شابٌ غسلوه بماء الوجع. كانت الحكاية تفيض بالحب والنبل، حتى هبت عواصف الغيرة، وفتحت السماء أبواب الفراق. ما أصعب أن تولد من رحم الألم وحيدًا، لترى عيون من تحب تتوارى خلف الشرفات، وتدرك متأخرًا.. أن هناك عبرات كالمطر، لا تسقي الورد، بل دموع تُطفئ العشق
View Moreكانت الجدران العتيقة لحي الأميرية تحمل في طياتها دفء زمنٍ مضى، لكنها في تلك الليلة لم تفلح في حماية براءة سيليا. في غرفتها الصغيرة، انكمشت الطفلة ذات السنوات الخمس، واحتضنت دميتها القماشية المهترئة كأنها تلوذ بها من إعصار الكلمات القادمة من ردهة المنزل.
كان صوت زوجة أبيها يخترق الأبواب الخشبية، حادًا، باكيًا بزيف، ينسج اتهامات لا يستوعبها عقل سيليا الصغير. وفي المقابل، كان صوت أبيها خافتًا، مستسلمًا، يغلفه ضعفٌ مخزٍ أمام جبروت تلك المرأة. لم تكن شهقات زوجة الأب سوى شباكٍ تُحاك بدقة، تلمست سيليا خيوطها وهي تشعر بالخوف يتسلل إلى أطرافها. فجأة، تحول الخوف إلى فزع حقيقي. انفتح باب الغرفة بعنف أطاح بسكون المكان. دلف والدها، ولم يكن الرجل الذي تعرفه؛ تبدلت ملامحه، واكتست عيناه بقسوة غريبة، بدا لها في تلك اللحظة يشبه الوحوش التي تخافها في أفلام الرسوم المتحركة. انهالت عباراته القاسية كالمدي قبل أن تتبعها يداه. لم تصرخ سيليا، ولم تستغيث. كان صمتها غريبًا على طفلة في عمرها، صمتٌ ولد من رحم يقينٍ مبكر بأن البكاء لن يغير من الأمر شيئًا. حاولت بنظراتها، بحركات يديها الصغيرة أن تنفي التهمة، لكن والداها كان قد أعمى بصيرته قرارٌ مسبق بالتخلص منها؛ قرارٌ صاغته زوجته بذريعة الراحة حتى تضع مولودها. وقبل أن يترك غرفتها، ألقى بكلمته التي كانت تغرس في قلبها كلما تواجدا في مكان واحد - يا ريتك كنتي متي مع أمك وخلصت من قرفك سكنت العبارة روحها، لكنها لم تكسرها تمامًا. بملامح جامدة وعينين غائمتين، بدأت سيليا تلملم شتات نفسها. وضعت في حقيبتها الصغيرة بضع قطع من الملابس، وضمت إليها أغلى ما تملك: دميتها، وصورة أمها الراحلة التي كانت تنظر إليها بابتسامة دافئة من خلف زجاج الإطار. أمسك الأب بالحقيبة بفظاظة، وسحبها خلفه عبر شوارع الأميرية التي بدأت تظلم. لم يتحدثا طوال الطريق. وعند وصولهما إلى بناية الجدة، تركها أمام باب الشقة، التفت وولى دبره مسرعًا دون كلمة وداع واحدة، كمن يتخلص من عبء ثقيل. وقفت سيليا تراقب ظهره وهو يبتعد. للحظة خاطفة، تمنت أن تركض خلفه، أن تتشبث بطرف ثوبه وتتوسل إليه ألا يتركها، لكن شريط القسوة السريع الذي مر بها، وصوت زوجته الأفعى، جمد سيتد نيتها في مكانها. التفتت نحو الباب الخشبي المألوف، ورفعت كفها الصغيرة المرتعشة، وطرقته طرقات متوسلة. لم يطل الانتظار. انفتح الباب لتطل منه ملامح الجدة المستبشرة. وفور أن وقعت عيناها على الكتلة الصغيرة الواقفة في الظلام، تهلل وجهها بالفرحة، وضمتها إلى صدرها برائحة الأمهات الطيبة التي افتقدتها سيليا طويلًا. في الداخل، وحين هدأت الأنفاس، جلست سيليا تسرد لجدتها ما حدث، بنبرة هادئة لا تناسب طفولتها، نبرة تحمل مرار الخذلان. لمعت الدموع في عيني الجدة، وجذبت حفيدتها إلى أحضانها بقوة، هامسة بكلمات حاسمة قطعت بها حبال الماضي: لن تعود سيليا إلى ذلك البيت مجددًا، ستبقى هنا، حيث للطفولة حق في البراءة، وحيث لن تطالها يد القسوة مرة أخرى. ✨✨✨✨✨✨✨✨ على ناصية الشارع، كانت تلك البناية تقف شامخة كحارسٍ عتيق، مستحوذةً على المجد بمفردها، وكأنها تترفع عن جاراتها وترفض أن يشاركها أحدٌ في صياغة حكايات قاطنيها. أمام مدخلها الرحب، كان الصخب البريء يملأ الأرجاء؛ أربع فتيات في عمر الخامسة، يجلسن في حلقة مستديرة، تشتعل بينهن مناظرة طفولية حامية حول نوع الحلوى التي سيشترينها من دكان الحي. وفي غمرة هذا الجدال، لمحت عيون إحداهن كتلًة صغيرة منزوية، فتاة تجلس بمفردها على درجات السلم، تراقب حركتهن بعينين يملأهما حزن دفين وشوق جارف للمشاركة. تحركت وتين تلك الطفلة القاطنة في الطابق الخامس، ابنة موظف شركة الأدوية بدافع من فضولها الفطري وقلبها النقي. اقتربت من الغريبة والابتسامة ترتسم على وجهها، ظنًا منها أن الصغيرة قد ضلت طريقها عن أهلها في دروب الأميرية. وقفت وتين أمامها وسألتها بنبرة حانية - أنتِ قاعدة لوحدك ليه هنا؟ وفين بابا وماما؟ نظرت إليها سيليا، وبلسانٍ ينطق بحزن طفولي حاد، أجابت - أنا لسه جاية هنا من يومين بس.. ومفيش حد أعرفه ألعب معاه. لم تتردد وتين؛ مدت يدها الصغيرة البيضاء نحو سيليا كطوق نجاة، ودعتها بكلمات بسيطة لتنضم إلى عالمهم. وفي لمح البصر، تبدد الحزن عن وجه سيليا، وقفزت واقفة متهللة، والبهجة تقفز من عينيها، لتسير بجرأة وليدة اللحظة خلف وتين التي كانت تمشي بخطوات واثقة، تليق بـ "قائدة" تلك المجموعة الصغيرة. عادت وتين إلى رفيقاتها اللواتي كن يرقبن المشهد بفضول وتساؤل، وبادرت بتعريف العضوة الجديدة بالترتيب ريهام، جارتهم من الطابق الثالث. إيمان، التي تقطن الطابق الرابع. و سندس، الصديقة القريبة من الأرض في الطابق الأول. وقفت سيليا بخجل محبب وعرّفت عن نفسها، لتعلن وتين بحسم طفولي مهيب: "من النهارده سيليا بقت معانا.. وبقينا خمسة زي كف الإيد الواحدة كان تشبيه وتين بليغًا وعفويًا؛ فكف اليد الواحدة يجمع أصابع مختلفة الطول والشكل، لكنها لا تتحرك إلا معًا، وهكذا كنّ هنّ، جميعهن في عمر واحد، لكن لكل منهن طباعها وأسلوب حياتها الذي يميزها. التفتت سيليا إليهن وقالت بنبرة تملؤها السعادة - أنا مبسوطة أوي إني لقيت أصحاب جداد ليا ألعب معاهم. انطلقت الفتيات الخمس يركضن نحو الدكان، تعلو ضحكاتهن لتملأ الفضاء، وعدن بعد قليل محملات بالحلوى. اصطحبن سيليا إلى الطابق السفلي، لتفتح وتين باب غرفة صغيرة تقع أسفل الدرج. انبهرت سيليا؛ فالغرفة كانت أشبه بمملكة سرية مكدسة بالألعاب من كل صنف ولون، مقرٌ سري اتخذنه لممارسة طقوس طفولتهن. لكن غيمة من الحزن عبرت وجه سيليا مجددًا، ونكست رأسها وهي تتذكر أنها لا تملك ألعابًا تشارك بها في هذه المملكة. شعرت وتين بانكسار صديقتها الجديدة، فلم تتكلم، بل سارعت باحتضانها بقوة، لتفهم سيليا دون كلمات أن الصداقة هنا لا تُقاس بما تملكه في حقيبتك، بل بما تحمله في قلبك. اندفعت سيليا سريعًا في لعبهن، وخلال لحظات حماسية، اقترحت عليهن أن يضعن أيديهن فوق بعضها البعض، مشكلات دائرة بشرية، ثم بدأن بالدوران والالتفاف حول أنفسهن، وهن يضحكن بملء أشداقهن. ودارت معهن الأيام... دارت سريعًا كعجلة لا تتوقف. تعاقبت الفصول، وتبدلت ملامحهن الصغيرة، وكبرت أجسادهن، لكن الأيدي التي تشابكت في تلك الليلة أسفل الدرج بقيت متماسكة، رافضة للتفكك أمام أي ظرف. مرت السنوات حتى وجدن أنفسهن في الصف الثالث الإعدادي. وتلك الغرفة الصغيرة أسفل الدرج، التي كانت يومًا تمتلئ بالدمى والقطارات البلاستيكية، تحولت جدرانها لتستوعب رفوفًا من الكتب والمذكرات الدراسية. هناك، في ذات المقر السري، جلسن يسترجعن دروسهن، يتبادلن الأحلام والطموحات كما تبادلن الحلوى سابًقا، مؤكدات أن براءة الطفولة التي بدأت بها حكايتهن، لم تزدها الأيام إلا عمقًا وثباتًا.54 سيطرت المخاوف والظنون على عقيلة رقية؛ فباتت تخشى إنكشاف أمرها ووقوع عين جمال أو أحد الأطباء على غايتها الملعونة. وأمام هذا التوجس، قررت بمرونة الأفاعي أن تؤجل نيتها في التخلص من جنين سندس قليلاً، حتى تهدأ الأجواء وتنسج خيوط مكرها بإحكام أشد. تطلّب مخططها الجديد أن تصلح أمرها مع الطبيبة المتابعة لحالة سندس، لتبعد عن نفسها أي شبهة قد تحوم حولها في المستقبل. بالفعل، توجهت رقية لزيارة الطبيبة في عيادتها، وجلست معها متقمصة دور الخالة الحريصة والقلب النابض بالرحمة. بدأت تسرد عليها بقالب من الأسى المصطنع قصصًا مزعومة، وروايات معقدة وحكايات واهية عن فتاة وهمية من صنع خيالها الخصب؛ ادعت أنها قريبة لها تعاني أزمات صحية وظروفًا معيشية قاسية تشبه حالة سندس. كانت تلك الروايات في الحقيقة مجرد غطاء خبيث، واستدراج ذكي ومدروس لجر لسان الطبيبة، بهدف انتزاع أكبر كمية ممكنة من المعلومات الدقيقة حول ماهية تلك الحبوب المجهضة، وطريقة استخدامها، وجرعاتها الفتاكة، وآثارها على الرحم دون ترك أي دليل طبي يشير لفعل فاعل. ببراعة شديدة، نالت رقية بغيتها واستقت من الطبيبة كل التفاصيل التي تحتاجها لطبخ جريمتها.
53 تتمدد سندس على الفراش بجسدها المنهك، تقلب في هاتفها بآلية وعيناها تائهتان بين السطور، حين دلفت إليها والدتها منال وهي تجفف كفيها بمنديل قطني، لتردد بنبرة يغلفها التعب والحرص - أنا كدة خلصت كل حاجة ورايا يا سندس، وعملتلك كام أكلة حطيتهم في الثلاجة عشان مش هعرف أجيلك كل يوم الفترة الجاية.. أنتِ عارفة المدارس والدراسة بدأت والبيت هناك محتاجني. أومأت لها سندس برأسها بقلة حيلة تفهمًا لظروفها، لتستأنف منال حديثها وهي تقترب من الفراش وتدثر أطرافها بحنان - خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وخلي بالك بقى من اللي في بطنك.. أنتِ خلاص هتبدئي في الشهر الخامس أهو، يا مسهل الحال يا رب.. نفسي أشوف عيالك كدة ستة حواليكي يملوا عليكي الدنيا يا سوسو. أطلقت سندس ضحكات مكتومة متألمة خرجت من بين شفتيها كآهات مجروحة على حديث والدتها، ورددت بتهكم مرير - ياه يا ماما.. ستة؟ إحنا كدة هنعيد المأساة من تاني بقى تطلعت إليها منال بدهشة واستنكار ارتسما على ملامحها، وطالبتها بتفسير لجمتها الصادمة تلك، لكن سندس آثرت الصمت لثوانٍ؛ فهي تعلم يقينًا أنه لا فائدة من الحديث مع والدتها التي تتبنى الفكر القديم، ومقتنعة تما
52 دلف الأستاذ الجامعي وقور الهيئة بخطوات ثابتة وئيدة نحو المنصة في مقدمة المدرج، وما إن استقر في موضعه حتى خيّم صمت مطبق على الأرجاء، وتلاشت همهمات الطلاب تمامًا. تنحنح بوقار وبدأ حديثه بجدية حازمة مغلفة بنبرة ترحيبية - أهلاً بيكم جميعاً في سنة دراسية جديدة، أتمنى التوفيق والتميز فيها للجميع بإذن الله. أنا دكتور صفوت، اللي هكون معاكم ومسؤول عن المادة السنة دي، وأتمنى نكون متعاونين ولينين مع بعض لأقصى درجة. أول حاجة مطلوبة منكم عشان تقييم العملى هي عمل بحث علمي وافٍ في موضوع معين؛ المساعد بتاعي بيوزع عليكم أرقام دلوقتي، وبناءً عليها هختار رقمين عشوائيين، ودول اللي هيبقوا مشتركين مع بعض كفريق في إعداد البحث. تحرك المساعد بهدوء بين الصفوف يوزع قصاصات الأرقام، وما إن انتهى وعاد مكانه، حتى بدأ الدكتور في سحب الأرقام وإعلانها بصوته الجهوري. في تلك الأثناء، كانت وتين تجلس في مقعدها في حالة ترقب وتوتر، وتدعو الله في سرها باهتياج أن تكون صاحبة الرقم الآخر فتاة، وتمنت أكثر أن تكون صديقة تعرفها جيدًا لتبتعد عن حرج التعامل مع الغرباء. تطلعت إلى القصاصة التي بين يديها لتجد الرقم ثلاثة وثلاثون،
51 بينما كان خالد يجلس وسط دائرة من أصدقائه في مقهى يضج بصخب الأحاديث وضحكات الرجال، كان عقله كالعادة غائبًا، هائمًا في وادٍ آخر من الهموم والظنون التي تنهش رجولته وكبرياءه. فجأة، اخترق مسامعه صوت أحد الأصدقاء الجالسين وهو يرتشف من كوب شايّه، ويبدأ في سرد قصة شخصية بنبرة يملؤها الزهو - أنا يوم فرحي، البت اللي كنت مصاحبها وبحبها زمان قبل ما أتجوز، عملتلي عمل وربطتني؛ عشان تثبت لمراتي ليلة الدخلة إني مش راجل وأتفضّح قدام أهلها بس على مين؟.. تاني يوم الصبح أمي الله يكرمها قفشت الفولة، وجابتلي شيخ من بتوع ربنا، وفي قعدة واحدة فك العمل والربط، وتسع شهور بالتمام والكمال وكنت شايل ابني الكبير على إيدي والحمد لله نزلت الكلمات على مسامع خالد كالصاعقة، واهتزت لها أركان روحه الوجلة. انشدّ انتباهه بالكامل، وتسمرت عيناه على فم صديقه؛ وفي تلك اللحظة بالذات، ومضت في عقله صورة خالته نجلاء.... تذكر نظراتها الخبيثة، وكلماتها المسمومة التي لا تتوقف عن ترديدها في كل محفل، وتذكر كيف دبت المشاكل في حياته فجأة بعد زواجه. اندفع خالد يطرق الحديد وهو ساخن، وبدأ يطرح على صديقه أسئلة متلاحقة بلهفة وتوتر مفض
عند وتين، كان الصمت يلف أرجاء الغرفة، خرقته نبرة صوت أيمن القادمة عبر مكبر الصوت في الهاتف، بينما جلست وتين بجوار شقيقها الأصغر تيم تتابع الحوار بملامح يكسوها الإحباط.كانوا يتناقشون حول المصير البائس الذي انتهت إليه سندس مؤخراً، وجاء رأي أيمن قاطعاً ومفعماً بالمرارة- سندس مجرد ضحية تانية لعائلتها
تجمعت الصديقات حول سندس في حلقة دافئة، يحاولن انتشالها من تلك الحالة الهامدة التي تملكتها منذ أن جرتها قدماها إليهن.دثرتها ريهام بين ذراعيها، واحتوتها في عناق صامت طويل علّه يرمم بعضاً من شتاتها. أما سندس، فكانت غارقة في بحر من الأسئلة المريرة.... كيف يملك الآباء هذه القدرة على تفصيل مصائرنا وفق م
عند أيمن، كانت الأسرة تجتمع في الصالة بالخارج، يتقاسمون الضحكات والأحاديث والأطباق الدافئة، ولكن بدون أيمن.. كعادتهم المقيتة التي استمرت طوال السنوات الثلاث الماضية. حتى وجبات الطعام غدت طقسًا يمارسه وحيدًا خلف بابه المغلق؛ فقد رسخ في أعماقه يقين مرير بأنه كائن منبوذ، غريب عن نسلهم، ومطرود من جنة ق
تمر السنوات سريعة كخطى الغرباء، تتبدل ملامح الوجوه، وتتسع الفجوات بين البيوت، لكنها لم تزد تلك الرابطة التي جمعت الفتيات الأربع إلا رسوخًا ومتانة؛ بقين كفًا واحدة تأبى أن تنفرط أصابعها رغم تبدل الفصول وقسوة الظروف.أما عن أيمن، فقد كان يواجه معركته الخاصة ليرمم أنقاض روحه، ولم تنقطع طوال تلك السنين





