Share

البارت الرابع

Author: Faten Aly
last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-10 04:45:19

داخل جدران الفصل الدراسي، كانت الهمهمات والضحكات المكتومة تتصاعد من المقاعد الخلفية، بينما تجلس إيمان في المقعد الأوسط، تتوسط سيليا ووتين كمن يحتمي بجدارين من الأمان. كان صوت المعلمة يتردد في أرجاء القاعة وهي تشرح تفاصيل "الجهاز التناسلي للأنثى"، لكن الكلمات لم تكن لتمر على مسامع إيمان كدرس عادي. كانت كل جملة، وكل رسم توضيحي على السبورة، يرتد إلى صدرها كخنجر يثير داخلها تساؤلات قديمة، مرعبة، ومخفية.

تطلعت حولها بشرود وحزن غامر؛ راقبت ملامح زميلاتها، وتفاصيل نموهن الأنثوي الطبيعي، لتتأكد من ذلك الإحساس الصامت الذي لازمها لسنوات: إنها ليست مثلهن، هناك خطأ ما في جسدها، ثمة اختلاف عميق وغامض يفصلها عن عالم البنات المحيط بها. في تلك اللحظة، وسط شرودها، وُلد داخلها قرار انتحاري؛ لن تصمت بعد اليوم. ستتحدث مع عائلتها مهما كلفها الأمر، ومهما حاولوا قمعها أو نعتها بقلة الأدب، سيعلو صوتها هذه المرة ليخترق جدار الصمت والإنكار.

دبّت في جسدها قوة غريبة وهي تطأ عتبة المنزل. دلفت مباشرة إلى المطبخ حيث تقف والدتها، ووقفت أمامها بجسد يرتجف، لكن عينيها كانتا تشعان بجرأة غير معهودة. وقبل أن تنطق الأم بكلمة تقريع واحدة، انفجرت إيمان بانهيار عاصف، سيل من الكلمات والدموع والصرخات المكتومة منذ سنوات. صرخت بوجعها، بخوفها من جسدها، وبحاجتها الماسة لجواب.

ارتجت جدران الشقة على أثر هذا الانهيار غير المتوقع، ليتجمع أفراد المنزل بذهول وصدمة. وفي وسط المشهد، تقدمت أختها الكبرى، وبدافع من غريزة أنثوية شعرت بصدق وجدية الوجع، وقفت سنديًا صلبًا لإيمان، وتصدت للأم قائلة بحسم

- البنت بتموت.. لازم تتعرض على دكتور حالا

بآلية عمياء، أبدلت إيمان ملابسها سريعا، وخرجت بصحبة والدتها التي كانت تقودها بذهول وصمت ثقيل نحو المستشفى القريب الذي لا يبعد عن بنايتهم سوى أمتار قليلة.

داخل غرفة الكشف، كان الصمت يطبق على الأنفاس. استلقت إيمان على سرير الفحص، وعيناها معلقتان بالسقف. وبمجرد أن أجرت الطبيبة الفحص المبدئي، تبدلت ملامحها تمامًا؛ شحب وجهها، ونهضت من فورها دون أن تنطق بكلمة، واتجهت نحو الهاتف ب حركات متوترة، لتجري اتصالًا سريعًا بطبيب أخصائي، مطالبة بحضوره فورًا لأمر غاية في الأهمية والخطورة. كل هذا تم تحت نظرات إيمان المثبتة عليها، والتي كانت تقرأ في عيني الطبيبة ملامح حقيقة مرعبة تقترب.

لم تمضِ دقائق حتى دلف الطبيب المستدعى. سادت الغرفة حالة من الجدال الخافت والضجة المكتومة بين الطبيبين، قبل أن يطلب من الأم الخروج، ويعيد فحص إيمان بدقة متناهية. كانت دقات قلب إيمان تتسارع كطبول الحرب، والغموض يلتف حولها ككفن.

أنهى الطبيب فحصه، وخرج بخطوات ثقيلة ومترددة إلى ردهة المستشفى حيث كان الوالد قد حضر على عجل. وما هي إلا لحظات حتى شق صراخ الأب المذعور هدوء الممرات، عقب كلمات الطبيب التي نزلت عليه كالصاعقة

- كان لازم تيجي هنا من سنين.. الجراحة دي كان يتحتم إجرائها من وهي طفلة صغيرة

تراجع الأب خطوة للخلف، وعيناه متسعتان بجنون، وسأل بنبرة متحشرجة ومذعورة

- عملية إيه يا دكتور؟ بنت إيه اللي تعمل عملية دلوقتي؟

نظر إليه الطبيب بأسف وعمق، وصمت لثانية بدت كالعمر، قبل أن ينطق بالحقيقة العارية التي قلبت الكون رأسًا على عقب

- بنتك مش بنت يا حاج... دى ولد.

مدّ والد إيمان يديه في الهواء يضرب صفحة بأخرى، وصوته يمزق سكون المستشفى برنينٍ هستيري، هازيًا بكلمات مبعثرة جرفتها أمواج الصدمة، قبل أن ينفجر ببكاءٍ مرير ذليل

- ولد؟ البت بقت ولد؟ إيه الفضيحة دي؟ إزاي تقلب ولد بعد العمر ده كله؟ يا فضحتي وسط الناس.. أنا مش هعرف أوري وشي لحد خالص.. يا دي الفضيحة

ارتفع عويل زوجته في الممر كجنازة شقّت صدر الصمت، ليزيد من ثورته وجنونه. وما هي إلا دقائق معدودة، حتى بدأت طيور الظلام الكاسرة في التوافد؛ تسرب الخبر كالنار في الهشيم، وتزاحم رجال الصحافة ومراسلو القنوات في ردهات المستشفى، يشهرون كاميراتهم وميكروفوناتهم بنهم جائع لا يرى في مأساة هذه الأسرة الممزقة سوى سبق صحفي مثير، ومادة دسمة لحدثٍ نادر لا يتكرر كثيرًا.

وسط هذا الصخب والوميض المتتابع، تقدم الطبيب من الوالد المنهار، وتحدث بنبرة عملية جافة ليقطع الدائرة المفرغة

- يا حاج.. التأخير كان من عندكم من البداية. بس دلوقتي مفيش وقت للكلام ده، لازم تتحركوا فورًا لمستشفى عين شمس.. فيه فريق طبي كامل مستنيكم هناك، وهما اللي هيخلصوا الإجراءات والجراحة.

تلفّت الأب حوله بذعر كطريد يحاصره الصيادون، متسائلًا في سرّه بكيفية الخروج بابنته أو ابنه. وسط هذه المقصلة الإعلامية المنصوبة على الباب. تدخل الطبيب طالبًا سيارة إسعاف مجهزة لتأمين خروج هذا الحدث الفريد، الذي بات محط أنظار الأطباء، وساحة لتنافس كبار الجراحين على مستوى البلاد للحضور والمشاركة في الجراحة.

انتقلت العائلة تحت حراسة مشددة إلى مستشفى عين شمس، وهناك كانت التروس تدور بسرعة فائقة؛ فُتحت الأبواب المغلقة، وبدأت التحاليل الطبية الدقيقة، والأشعات المقطعية، والفحوصات الهرمونية المكثفة تمهيدًا للجراحة التصحيحية الفريدة. وفي وسط تلك الغرفة البيضاء الباردة، كانت إيمان تشعر بضياع مطلق.. ضياع يبتلع ماضيها، ويترك مستقبلها الغامض لوحة سوداء لا ملامح لها.

في تلك الفترة العصيبة، تجلت قسوة المجتمع في أبشع صورها؛ إذ انفض الجميع من حولهم، ورفعت عائلات الفتيات الأربع جدرانًا من المنع، رافضين تمامًا السماح لبناتهم بزيارة إيمان أو الاتصال بها، كأن مرضها وصمة تعدي. وحده والد وتين شق هذا الحصار؛ كان رجلاً يزن الأمور بميزان الإنسانية، ورأى أن زيارة ابنتها في هذه المحنة واجب أخلاقي وصوت حق لصديقة عمرها.

طوال أيام الاحتجاز، كانت الجدران تضيق على إيمان حتى لتكاد تسحق عظامها، وشعرت بأن الأوكسجين ينفد من الغرفة، مخلفًا اختناقًا يطبق على أنفاسها. كانت الأسئلة تنهش عقلها من أنا؟ ما هي هويتي؟ ولماذا يحملني أهلي والمجتمع ذنب خلقة لم أخترها؟ لماذا يصرخ أبي بأنني عار العائلة؟ تذكرت بنحيب مكتوم كيف كانت ترجو والدتها منذ سنوات لتعرضها على طبيب، وكيف كانت الأخرى تنهرها وتتهمها بقلة الأدب والجرأة.. والآن، ذات الأم تنهرها وتوجه إليها أصابع الاتهام والخطيئة

لم تجد إيمان إجابة من أحد، ولا صدرًا يتقبل وضعها الجديد؛ فحتى الأم تنكرت لجسدها الجديد، ولم يبقَ لها في هذا العالم سوى وتين التي كانت تزورها، وبعض المكالمات الهاتفية المرتجفة الخاطفة التي كانت تأتيها من ريهام وسندس وسيليا خلسة من وراء عائلاتهم.

وجاء يوم الخروج..

عفوًا، لقد انتهى زمن إيمان؛ فلتنتبهوا جميعًا.. لقد وُلد أيمن

تحولت تلك الفتاة ذات الملامح الحادة والمبهمة إلى شاب يتسم بوسامة طاغية وجسد مفتول. ارتدى أيمن الملابس الرجالية الأولى التي جلبها والده بامتتعاض، ووضع على عينيه نظارة شمسية سوداء قاتمة؛ لم تكن للأناقة أبدًا، بل كانت درعًا وساترًا يخفي خلفه عينين محتقنتين بالدموع والخذلان، هربًا من نظرات المجتمع التي تترصد عيوبه.

سار أيمن في ممرات المستشفى مطأطأ الرأس، عاقدًا حاجبيه، متجاهلاً ترسانة الأسئلة التي قذفها نحو الصحفيون؛ فقد كان رافضًا لأي حديث صحفي طوال فترة علاجه، وما زال متمسكًا بصمته كخط دفاع أخير.

ركب السيارة متوجهًا إلى الحي العتيق، ولم يكن الطريق سوى امتداد للمأساة؛ زفرات والده المتأففة الغاضبة تكتم الأنفاس، وهمهمات والدته الباكية الحزينة تزيد الموقف مرارة. وحين وصلت السيارة إلى ناصية البناية الشامخة في الأميرية، تجسد الكابوس الحقيقي.

كانت الشرفات كلها محتشدة، والنوافذ مشرعة على مسراعيها؛ وقف الجيران، الكبار والصغار، يتطلعون بأعناق مشرئبة وعيون جائعة لرؤية المسخ أو الأضحوكة الجديدة التي حلت بالحي، بدلاً من أن يكونوا سندًا وجدارًا يحمي عائلتهم المفجوعة.

ترجل أيمن من السيارة بخطوات سريعة متلاحقة، ودلف إلى مدخل البناية وعيناه مثبتتان في الأرض، مستمعًا إلى حفيف الأبواب الخشبية للشقق وهي تفتح مواربة، والعيون من خلفها تتلصص بنهم على حركته وجسده الجديد.

صعد الدرج كمن يهرب من حبل المشنقة، وفور أن وطأت قدماه الشقة، اندفع نحو غرفته وأغلق الباب بعنف، ثم أسدل الستائر ليغرق المكان في ظلام دامس يشبه السواد الذي يلف حياته. تمدد على فراشه، ومن خلف الباب الخشبي، كان صوت والده ووالدته يأتيه بوضوح وهما يندبان حظهما العاثر، ويتباكيان على الفضيحة التي لحقت باسمهما بين العائلات.

بيدين مرتعشتين وعقل يوشك على الانفجار، سحب أيمن الوسادة ووضعها فوق رأسه وضغط بكل قوته، محاولاً كتم الأصوات، والهروب من واقع مرير قذف به في أتون حياة جديدة لم يطلبها، ومجتمع لا يرحم الاختلاف.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • دموع تطفئ العشق    54

    54 سيطرت المخاوف والظنون على عقيلة رقية؛ فباتت تخشى إنكشاف أمرها ووقوع عين جمال أو أحد الأطباء على غايتها الملعونة. وأمام هذا التوجس، قررت بمرونة الأفاعي أن تؤجل نيتها في التخلص من جنين سندس قليلاً، حتى تهدأ الأجواء وتنسج خيوط مكرها بإحكام أشد. تطلّب مخططها الجديد أن تصلح أمرها مع الطبيبة المتابعة لحالة سندس، لتبعد عن نفسها أي شبهة قد تحوم حولها في المستقبل. بالفعل، توجهت رقية لزيارة الطبيبة في عيادتها، وجلست معها متقمصة دور الخالة الحريصة والقلب النابض بالرحمة. بدأت تسرد عليها بقالب من الأسى المصطنع قصصًا مزعومة، وروايات معقدة وحكايات واهية عن فتاة وهمية من صنع خيالها الخصب؛ ادعت أنها قريبة لها تعاني أزمات صحية وظروفًا معيشية قاسية تشبه حالة سندس. كانت تلك الروايات في الحقيقة مجرد غطاء خبيث، واستدراج ذكي ومدروس لجر لسان الطبيبة، بهدف انتزاع أكبر كمية ممكنة من المعلومات الدقيقة حول ماهية تلك الحبوب المجهضة، وطريقة استخدامها، وجرعاتها الفتاكة، وآثارها على الرحم دون ترك أي دليل طبي يشير لفعل فاعل. ببراعة شديدة، نالت رقية بغيتها واستقت من الطبيبة كل التفاصيل التي تحتاجها لطبخ جريمتها.

  • دموع تطفئ العشق    53

    53 تتمدد سندس على الفراش بجسدها المنهك، تقلب في هاتفها بآلية وعيناها تائهتان بين السطور، حين دلفت إليها والدتها منال وهي تجفف كفيها بمنديل قطني، لتردد بنبرة يغلفها التعب والحرص - أنا كدة خلصت كل حاجة ورايا يا سندس، وعملتلك كام أكلة حطيتهم في الثلاجة عشان مش هعرف أجيلك كل يوم الفترة الجاية.. أنتِ عارفة المدارس والدراسة بدأت والبيت هناك محتاجني. أومأت لها سندس برأسها بقلة حيلة تفهمًا لظروفها، لتستأنف منال حديثها وهي تقترب من الفراش وتدثر أطرافها بحنان - خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، وخلي بالك بقى من اللي في بطنك.. أنتِ خلاص هتبدئي في الشهر الخامس أهو، يا مسهل الحال يا رب.. نفسي أشوف عيالك كدة ستة حواليكي يملوا عليكي الدنيا يا سوسو. أطلقت سندس ضحكات مكتومة متألمة خرجت من بين شفتيها كآهات مجروحة على حديث والدتها، ورددت بتهكم مرير - ياه يا ماما.. ستة؟ إحنا كدة هنعيد المأساة من تاني بقى تطلعت إليها منال بدهشة واستنكار ارتسما على ملامحها، وطالبتها بتفسير لجمتها الصادمة تلك، لكن سندس آثرت الصمت لثوانٍ؛ فهي تعلم يقينًا أنه لا فائدة من الحديث مع والدتها التي تتبنى الفكر القديم، ومقتنعة تما

  • دموع تطفئ العشق    52

    52 دلف الأستاذ الجامعي وقور الهيئة بخطوات ثابتة وئيدة نحو المنصة في مقدمة المدرج، وما إن استقر في موضعه حتى خيّم صمت مطبق على الأرجاء، وتلاشت همهمات الطلاب تمامًا. تنحنح بوقار وبدأ حديثه بجدية حازمة مغلفة بنبرة ترحيبية - أهلاً بيكم جميعاً في سنة دراسية جديدة، أتمنى التوفيق والتميز فيها للجميع بإذن الله. أنا دكتور صفوت، اللي هكون معاكم ومسؤول عن المادة السنة دي، وأتمنى نكون متعاونين ولينين مع بعض لأقصى درجة. أول حاجة مطلوبة منكم عشان تقييم العملى هي عمل بحث علمي وافٍ في موضوع معين؛ المساعد بتاعي بيوزع عليكم أرقام دلوقتي، وبناءً عليها هختار رقمين عشوائيين، ودول اللي هيبقوا مشتركين مع بعض كفريق في إعداد البحث. تحرك المساعد بهدوء بين الصفوف يوزع قصاصات الأرقام، وما إن انتهى وعاد مكانه، حتى بدأ الدكتور في سحب الأرقام وإعلانها بصوته الجهوري. في تلك الأثناء، كانت وتين تجلس في مقعدها في حالة ترقب وتوتر، وتدعو الله في سرها باهتياج أن تكون صاحبة الرقم الآخر فتاة، وتمنت أكثر أن تكون صديقة تعرفها جيدًا لتبتعد عن حرج التعامل مع الغرباء. تطلعت إلى القصاصة التي بين يديها لتجد الرقم ثلاثة وثلاثون،

  • دموع تطفئ العشق    51

    51 بينما كان خالد يجلس وسط دائرة من أصدقائه في مقهى يضج بصخب الأحاديث وضحكات الرجال، كان عقله كالعادة غائبًا، هائمًا في وادٍ آخر من الهموم والظنون التي تنهش رجولته وكبرياءه. فجأة، اخترق مسامعه صوت أحد الأصدقاء الجالسين وهو يرتشف من كوب شايّه، ويبدأ في سرد قصة شخصية بنبرة يملؤها الزهو - أنا يوم فرحي، البت اللي كنت مصاحبها وبحبها زمان قبل ما أتجوز، عملتلي عمل وربطتني؛ عشان تثبت لمراتي ليلة الدخلة إني مش راجل وأتفضّح قدام أهلها بس على مين؟.. تاني يوم الصبح أمي الله يكرمها قفشت الفولة، وجابتلي شيخ من بتوع ربنا، وفي قعدة واحدة فك العمل والربط، وتسع شهور بالتمام والكمال وكنت شايل ابني الكبير على إيدي والحمد لله نزلت الكلمات على مسامع خالد كالصاعقة، واهتزت لها أركان روحه الوجلة. انشدّ انتباهه بالكامل، وتسمرت عيناه على فم صديقه؛ وفي تلك اللحظة بالذات، ومضت في عقله صورة خالته نجلاء.... تذكر نظراتها الخبيثة، وكلماتها المسمومة التي لا تتوقف عن ترديدها في كل محفل، وتذكر كيف دبت المشاكل في حياته فجأة بعد زواجه. اندفع خالد يطرق الحديد وهو ساخن، وبدأ يطرح على صديقه أسئلة متلاحقة بلهفة وتوتر مفض

  • دموع تطفئ العشق    50

    50 استيقظ أشرف في الصباح الباكر وثقل غريب يكبّل رأسه؛ جاهد طويلاً لفتح عينيه المنتفختين اللتين غزتهما حمرة التعاطي، وشعر بجفاف شديد في حلقه كأنه يتنفس رمادًا. حرك يده بآلية فوق الفراش ليمط جسده، فارتطمت كفه بجسد يرقد الغرفة إلى جواره. تطلع حوله بتعجب وذهول، والحطام المتبقي من ذاكرة الليلة الماضية لا يسعفه، ليتساءل بملامح متصلبة وهو يهتف باسمها بنبرة حادة - ريهام؟ انتفضت ريهام مفزوعة من نومها، وجلس بجسد يرتعش كعصفور بلله المطر. تطلعت إليه برعب حقيقي، متأملة هيئته الغاضبة العابثة وعينيه اللتين تطاير منهما الشرر، وأجابته بصوت متقطع وخوف لجم حنجرتها - نـ.. نعم يا أشرف؟ لم تلبث أن تستوعب ملامحه حتى تفاجأت به يزجرها بغضب وتشنج، ملقيًا بكلماته كالسياط - أنتِ مش كنتِ غُرتي وسبتِ البيت إمبارح؟ إيه اللي رجعك هنا تاني؟ ومين جابك؟ صمتت ريهام لثوانٍ ثقيلة، وتفرست في ملامحه المتبلدة لتعلم بيقين يمزق أمعاءها أنه في اليوم السابق لم يكن يعي من أمره شيئًا؛ كان مجرد جثة تحركها السموم والخمور التي تجرعها، ولا يتذكر من تنازله وهمجيته أو ضربه لها حرفًا واحدًا. ابتلعت ريقتها في ارتباك وخوف من نوبات ج

  • دموع تطفئ العشق    49

    49 نهضت سيليا سريعًا من على الفراش، وكأن روحًا جديدة دُبّت في جسدها المنهك عقب سماعها تلك الجملة المباغتة من خالد. امتدت كفها المرتعشة تمسح بقايا الدموع عن وجنتيها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لكنها حقيقية؛ لقد استجاب الله لدعائها، وبعث لها بوالدها في أحلك لحظات انكسارها ليكون طوق النجاة. التفتت إلى خالد وأخبرته بنبرة متلهفة تحاول تجميع شتات نفسها أنها تحتاج دقائق معدودة وستكون جاهزة، فأومأ لها خالد برأسه في صمت كئيب، ثم خرج من الغرفة دون أي تعليق. توجهت سيليا نحو الحمام بخطى حثيثة، غسلت وجهها بالماء البارد لعله يطفئ لهيب وجعها، ثم أسرعت تبدل ملابسها وتصفف شعرها المبعثر. وقفت أمام المرآة تتأمل ملامحها، وبأنامل مرتعشة وضعت بعض مساحيق التجميل، محاولةً باستماتة أن تواري بها الآثار الزرقاء والانتفاخ الشاحب الذي خلفه ضرب خالد الوحشي ليلة أمس؛ حتى لا يرى والدها انكسارها من اللحظة الأولى. بعد قليل، خرجت سيليا إلى الصالة والنبض يتسارع في صدرها، تقدمت لتلقي التحية على والدها واشتهت روحه ارتماءة كاملة بين أحضانه تعوضها عن جحيمها. لكنها ما إن اقتربت منه، حتى تجمدت أطرافها؛ إذ مدّ يد

  • دموع تطفئ العشق    البارت السادس

    في صالة المنزل، كان سمير يجلس دافنًا جسده في مقعده العتيق، قبالة شقيقه الأكبر الذي كان وجهه يفيض حنقًا وغيظًا وهو ينفث تفاصيل خيبته في ابنه البكر. كان العم يصف ابنه بكلمات حارقة، ناعتًا إياه بالفساد، والعقوق، والركض الأعمى خلف شهواته ونزواته الطائشة التي باتت تزكم الأنوف.أما سمير، فقد انبرى بكل هد

  • دموع تطفئ العشق    البارت الخامس

    في شقة الطابق الثالث، تلاشت مساحات الأمان الضيقة كالعادة ليحل محلها صوت سمير الصارم.وقف والد ريهام يتوسط ردهة المنزل بجسده المتصلب، يوجه إليها أوامر حاسمة مغلفة بجهلٍ وقسوة لا ترحم. كان يوبخها بعصبيته المعهودة، محملًا إياها ذنب صداقة عمرها، ناعتًا تلك العلاقة الطاهرة بالوصمة والعار. ارتجت جدران ال

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثالث

    فتحت إيمان باب الشقة بهدوء، يسبقها أمل ضئيل في أن تجد صدرًا رحبًا يستمع إليها في نهاية هذا العام الدراسي الشاق. رأت والدتها تقف في الردهة، فألقت عليها التحية بنبرة حانية محبة، لكن الأم التفتت إليها بوجه متجهم وملامح جامدة لم تحمل أي دفء، وردت بتحية مقتضبة وجافة قبل أن توليها ظهرها وتدلف إلى المطبخ

  • دموع تطفئ العشق    البارت الثانى

    كانت ليلة الامتحان الأخير تحمل في هوائها مزيجًا غريبًا من الترقب والرهبة.في تلك الغرفة الصغيرة أسفل الدرج، التفت الفتيات الخمس حول منضدة خشبية قديمة، تكدست عليها الكتب والمذكرات، وسادت أجواء الصمت إلا من حفيف تقليب الأوراق وصوت أنفاسهن المتلاحقة. غدًا ينتهي المارثون، غدًا يُسدل الستار على مرحلة ال

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status