All Chapters of دموع تطفئ العشق : Chapter 1 - Chapter 5

5 Chapters

البارت الأول

كانت الجدران العتيقة لحي الأميرية تحمل في طياتها دفء زمنٍ مضى، لكنها في تلك الليلة لم تفلح في حماية براءة سيليا. في غرفتها الصغيرة، انكمشت الطفلة ذات السنوات الخمس، واحتضنت دميتها القماشية المهترئة كأنها تلوذ بها من إعصار الكلمات القادمة من ردهة المنزل.كان صوت زوجة أبيها يخترق الأبواب الخشبية، حادًا، باكيًا بزيف، ينسج اتهامات لا يستوعبها عقل سيليا الصغير. وفي المقابل، كان صوت أبيها خافتًا، مستسلمًا، يغلفه ضعفٌ مخزٍ أمام جبروت تلك المرأة. لم تكن شهقات زوجة الأب سوى شباكٍ تُحاك بدقة، تلمست سيليا خيوطها وهي تشعر بالخوف يتسلل إلى أطرافها.فجأة، تحول الخوف إلى فزع حقيقي.انفتح باب الغرفة بعنف أطاح بسكون المكان. دلف والدها، ولم يكن الرجل الذي تعرفه؛ تبدلت ملامحه، واكتست عيناه بقسوة غريبة، بدا لها في تلك اللحظة يشبه الوحوش التي تخافها في أفلام الرسوم المتحركة. انهالت عباراته القاسية كالمدي قبل أن تتبعها يداه. لم تصرخ سيليا، ولم تستغيث. كان صمتها غريبًا على طفلة في عمرها، صمتٌ ولد من رحم يقينٍ مبكر بأن البكاء لن يغير من الأمر شيئًا. حاولت بنظراتها، بحركات يديها الصغيرة أن تنفي التهمة، لكن وا
last updateLast Updated : 2026-06-10
Read more

البارت الثانى

كانت ليلة الامتحان الأخير تحمل في هوائها مزيجًا غريبًا من الترقب والرهبة.في تلك الغرفة الصغيرة أسفل الدرج، التفت الفتيات الخمس حول منضدة خشبية قديمة، تكدست عليها الكتب والمذكرات، وسادت أجواء الصمت إلا من حفيف تقليب الأوراق وصوت أنفاسهن المتلاحقة. غدًا ينتهي المارثون، غدًا يُسدل الستار على مرحلة الشهادة الإعدادية وتبدأ عتبات نضج جديدة.فجأة، أغلقت وتين كتابها بقوة أحدثت صوتًا مسموعًا، ثم سكنت مكانها وشردت عيناها نحو السقف، قبل أن تطلق تنهيدة طويلة ومحملة بالشغف، قائلة- إمتى بقى أخلص ثانوي وأحقق حلمي؟ نفسي أدخل كلية الإعلام وأبقى مذيعة كبيرة.. صوتي يوصل لكل الناس.أحدثت كلمات وتين شرخًا في جدار الصمت المحيط بهن. أغلقت سيليا كتابها هي الأخرى، لكن حركتها كانت بطيئة، هادئة، مشوبة بوجع قديم. تطلعت إلى الفراغ بملامح حزينة، وقالت بنبرة هامسة وكأنها تخاطب قدرها- أنا بقى نفسي أخلص وأدخل كلية الطب.. نفسي أبقى دكتورة قلب كبيرة، عشان أعالج تيتة لما النوبة تجيلها، وتفضل عايشة معايا كتير.. أنا ماليش غيرها في الدنيا دي بعد ربنا.كانت كلمات سيليا تلامس شغاف قلوبهن، فهن يعلمن أن الجدة هي حصنها الوحي
last updateLast Updated : 2026-06-10
Read more

البارت الثالث

فتحت إيمان باب الشقة بهدوء، يسبقها أمل ضئيل في أن تجد صدرًا رحبًا يستمع إليها في نهاية هذا العام الدراسي الشاق. رأت والدتها تقف في الردهة، فألقت عليها التحية بنبرة حانية محبة، لكن الأم التفتت إليها بوجه متجهم وملامح جامدة لم تحمل أي دفء، وردت بتحية مقتضبة وجافة قبل أن توليها ظهرها وتدلف إلى المطبخ لإعداد طعام الغداء.لم تيأس إيمان؛ كانت حاجة قلبها الصغير إلى "الإنصات" أكبر من خوفها. دلفت خلفها إلى المطبخ، ووقفت بجوارها تراقب حركتها الروتينية، ثم استجمعت شجاعتها وبدأت تتحدث. فضفضت لها عن أمور خاصة تؤرقها كفتاة تكبر وتتغير، وقصت لها بنبرة متهدجة عن تلك السخرية والتهكمات القاسية التي تتعرض لها من بنات المدرسة، وكيف أن كلماتها وتصرفاتها دائمًا ما تكون مادة لتندرهم. كانت تبحث عن حماية، عن نصيحة أمومة ترمم ثقتها المهتزة.لكن الأم لم تمهلها لتكمل.استدارت نحوها بعيون متسعة غاضبة، وقاطعتها بنهر حاد زلزل أركان المطبخ الصغير. صبت عليها لومًا لا تفتعله إلا مع المذنبين، وصاحبت في وجهها متهمة إياها بأنها تخطت حدود الأدب والحياء بمثل هذا الحديث، وأنها ما زالت طفلة لا يحق لها الخوض في هذه الأمور، وا
last updateLast Updated : 2026-06-10
Read more

البارت الرابع

داخل جدران الفصل الدراسي، كانت الهمهمات والضحكات المكتومة تتصاعد من المقاعد الخلفية، بينما تجلس إيمان في المقعد الأوسط، تتوسط سيليا ووتين كمن يحتمي بجدارين من الأمان. كان صوت المعلمة يتردد في أرجاء القاعة وهي تشرح تفاصيل "الجهاز التناسلي للأنثى"، لكن الكلمات لم تكن لتمر على مسامع إيمان كدرس عادي. كانت كل جملة، وكل رسم توضيحي على السبورة، يرتد إلى صدرها كخنجر يثير داخلها تساؤلات قديمة، مرعبة، ومخفية.تطلعت حولها بشرود وحزن غامر؛ راقبت ملامح زميلاتها، وتفاصيل نموهن الأنثوي الطبيعي، لتتأكد من ذلك الإحساس الصامت الذي لازمها لسنوات: إنها ليست مثلهن، هناك خطأ ما في جسدها، ثمة اختلاف عميق وغامض يفصلها عن عالم البنات المحيط بها. في تلك اللحظة، وسط شرودها، وُلد داخلها قرار انتحاري؛ لن تصمت بعد اليوم. ستتحدث مع عائلتها مهما كلفها الأمر، ومهما حاولوا قمعها أو نعتها بقلة الأدب، سيعلو صوتها هذه المرة ليخترق جدار الصمت والإنكار.دبّت في جسدها قوة غريبة وهي تطأ عتبة المنزل. دلفت مباشرة إلى المطبخ حيث تقف والدتها، ووقفت أمامها بجسد يرتجف، لكن عينيها كانتا تشعان بجرأة غير معهودة. وقبل أن تنطق الأم بكل
last updateLast Updated : 2026-06-10
Read more

البارت الخامس

في شقة الطابق الثالث، تلاشت مساحات الأمان الضيقة كالعادة ليحل محلها صوت سمير الصارم.وقف والد ريهام يتوسط ردهة المنزل بجسده المتصلب، يوجه إليها أوامر حاسمة مغلفة بجهلٍ وقسوة لا ترحم. كان يوبخها بعصبيته المعهودة، محملًا إياها ذنب صداقة عمرها، ناعتًا تلك العلاقة الطاهرة بالوصمة والعار. ارتجت جدران الشقة لصوته الخشن وهو يصيح في وجهها- البت دي تقطعي علاقتك بيها خالص وسيرة أيمن أو إيمان دي مسمعهاش في البيت... كفاية لحد كده العار اللي جلبتيهولنا بصحوبيتك ليها.. الواحد مبقاش عارف دي ولد ولا بنت... الناس بتاكل وشنا في الرايحة والجاية، ومش ناقص غير يقولوا بنتي بتمشي مع مسخكالمرات السابقة، تجمد جسد ريهام النحيل أمام ثورته. لم تنطق بحرف، ولم تحاول حتى الدفاع عن رفيقة الطفولة؛ فالصوت في حضرتها محرم، والجدال تهمة عقابها وخيم. أومأت برأسها إيجابًا بحركة آلية منكسرة، وعيناها مثبتتان في الأرض تخفيان انكسارًا أعمق من كلمات والده.لكن خلف هذا الخنوع الظاهري، كان قلب ريهام يتمزق إربًا؛ اعتصرها الحزن والوجع على صديقتها التي تعيش أبشع محنة قد يمر بها إنسان. شعرت ريهام بكل نبرة خذلان عاشها أيمن، وودت لو
last updateLast Updated : 2026-06-10
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status