كانت الجدران العتيقة لحي الأميرية تحمل في طياتها دفء زمنٍ مضى، لكنها في تلك الليلة لم تفلح في حماية براءة سيليا. في غرفتها الصغيرة، انكمشت الطفلة ذات السنوات الخمس، واحتضنت دميتها القماشية المهترئة كأنها تلوذ بها من إعصار الكلمات القادمة من ردهة المنزل.كان صوت زوجة أبيها يخترق الأبواب الخشبية، حادًا، باكيًا بزيف، ينسج اتهامات لا يستوعبها عقل سيليا الصغير. وفي المقابل، كان صوت أبيها خافتًا، مستسلمًا، يغلفه ضعفٌ مخزٍ أمام جبروت تلك المرأة. لم تكن شهقات زوجة الأب سوى شباكٍ تُحاك بدقة، تلمست سيليا خيوطها وهي تشعر بالخوف يتسلل إلى أطرافها.فجأة، تحول الخوف إلى فزع حقيقي.انفتح باب الغرفة بعنف أطاح بسكون المكان. دلف والدها، ولم يكن الرجل الذي تعرفه؛ تبدلت ملامحه، واكتست عيناه بقسوة غريبة، بدا لها في تلك اللحظة يشبه الوحوش التي تخافها في أفلام الرسوم المتحركة. انهالت عباراته القاسية كالمدي قبل أن تتبعها يداه. لم تصرخ سيليا، ولم تستغيث. كان صمتها غريبًا على طفلة في عمرها، صمتٌ ولد من رحم يقينٍ مبكر بأن البكاء لن يغير من الأمر شيئًا. حاولت بنظراتها، بحركات يديها الصغيرة أن تنفي التهمة، لكن وا
Last Updated : 2026-06-10 Read more