LOGINقادَت رُؤى الأربعةَ في الزقاق الذي انفتح عند طرف الساحة، وكانت تمشي كمن يعرف الطريق ولا ينتمي إليه. لم تكن قدماها تلامسان الرصف المصنوع من مقاطع الأسماء إلا لمامًا، وكلما مرّت فوق مقطعٍ باهت اضطرب جبينها الناقص، كأن الاسم الجريح فيها يجيب أسماءً أخرى تعرف معنى عدم الاكتمال. ضاق الزقاق أولًا حتى صار أشبه بجرحٍ بين جدارين. على يمينه أسماء شاحبة، مطفأة الحواف، متراصة كحجارة قبورٍ بلا تواريخ. وعلى يساره أسماء لامعة أكثر مما ينبغي، كأنها سرقت ضوءًا لا يخصها، وكلما اقترب المصباح الأبيض منها لمعانًا انحسر بريقها قليلًا، وظهر تحته خدشٌ قديم. كان الطريق يهبط في المدينة المقلوبة لا نزولًا، بل انغماسًا في طبقةٍ أدنى من الحاجة؛ حيث لا يعود السؤال عن حقيقة الاسم وحدها، بل عن الثمن الذي يدفعه كائنٌ كي لا يصير فراغًا. عند نهاية الزقاق، انفرج الظلام فجأة عن ساحةٍ طويلة ملتوية، لا تشبه الأسواق التي تُباع فيها الأقمشة أو التوابل أو النحاس. كانت الدكاكين معلّقة على الجدران وفي الهواء، بعضها على هيئة أفواهٍ مفتوحة، وبعضها على هيئة صناديق زجاجية، وبعضها لا يتجاوز يدًا سوداء تحمل طبقًا من الحروف. القناديل المعلّقة لم تكن مصابيح، بل مقاطع أسماءٍ محروقة من أطرافها، تمنح ضوءًا أزرق حزينًا. وفوق كل دكان لافتة مكتوبة بحروفٍ مقلوبة: “مقطع أمومي صالح للنداء”، “نهايات نسبٍ قليلة الاستعمال”، “حروف أولى لمن فقد البداية”، “أسماء مؤقتة للعبور”، “استعارة بلا ذاكرة”، “ذاكرة ناقصة بثمنٍ مخفّض”. توقفت مريم عند العتبة. ارتفع لهب مصباحها قليلًا، ثم انحنى كمن يواجه مريضًا لا يجوز إيقاظه بعنف. في السوق آلاف الأصوات، لكنها لم تكن صاخبة؛ كانت همسًا متراكبًا، مساوماتٍ خفيضة، أنينًا محبوسًا، ضحكاتٍ قصيرة تُقطع قبل أن تكتمل. أسماءٌ تسير بلا ملامح، وملامح تبحث عن أسماء، وهيئاتٌ ترتدي أسماءً فوق وجوهها كأقنعةٍ رقيقة. كل شيءٍ قابلٌ للتبديل، لكن لا شيء يبدو منتصرًا بالتبديل. قالت رُؤى بصوتٍ لا يحمل فخر الدليل ولا خضوع الخائف: “هنا يتعلّم الجرح أن يبيع جزءًا منه كي يبقى مفتوحًا.” لم يجب أحد. كانت العبارة كافية لتفسير الرهبة. مرّت أمامهم هيئةٌ صغيرة من ضوءٍ رمادي، تحمل في كفيها مقطعًا دافئًا: “أم”. كانت الهيئة ترتجف، وخلفها ظلّ طفلٍ لا يكبر. اقترب منها ملتقطٌ طويل الأصابع، يرتدي قناعًا كُتب عليه اسمٌ أنثوي لا يناسب حركته. قال بصوتٍ ناعم: “مقطعٌ ثمين. يصلح لكل من يريد أصلًا حنونًا. في المقابل، تُمنح بداية جديدة: ‘را’ أو ‘نا’، كلاهما خفيف على الذاكرة.” ضمّت الهيئة المقطع إلى صدرها، فاهتزّ الضوء حولها. “إن تُرك، سقط الاسم كله.” أجاب الملتقط: “إن بقي وحده، سقطت الهيئة كلها. السوق لا يسرق؛ السوق يمنع التلاشي.” شدّت مريم قبضتها حول المصباح، لكن الضوء لم يندفع. بدا أن المصباح نفسه يعرف أن التدخل السريع قد يكون جرحًا آخر. رأى آدم في المشهد حدًّا شديد الدقة: الملتقط يستغل الضعف، لكنه لا يخلق الضعف من عدم؛ والهيئة الصغيرة لا تُباع لأنها جاهلة، بل لأنها محاصرة بين فقدين. رفع الخاتم قليلًا، فتكوّن حول قدمه خطٌّ نحاسيّ، لكنه لم يتجاوز جسده. حراسة الحد هنا لا تكفي لإلغاء السوق كله. تابعوا السير خلف رُؤى. عند دكانٍ آخر، جلس اسمٌ طويل مكسور الوسط، يتكوّن من مقاطع من لغةٍ قديمة وأخرى حديثة. كان أمامه تاجٌ صغير من حروفٍ ذهبية. الملتقط الجالس خلف الطاولة يزن الحروف بميزانٍ دقيق، لكنه ليس ميزان دار الموازين؛ كفتاه من عظام حبرية، وخيطه من نداءاتٍ مستعملة. قال الملتقط: “المقطع الأخير زائد على الحاجة. لا أحد ينطق نهاية الأسماء المندثرة. بيع النهاية يمنح المقدمة عمرًا أطول.” قال الاسم الطويل: “النهاية تحمل موطنًا.” ابتسم الملتقط، وكانت ابتسامته شقًّا في قناعٍ بلا وجه. “الموطن احترق قبل قرون. أما المقدمة فما زالت تصلح للعبور بين السجلات.” ارتجّت نائلة. لم يكن الميزان أمامها ميزان الدار، لكن منطقه قريبٌ جدًا: إن لم ينفع الجزء كاملًا، قُطع كي يُستفاد منه ناقصًا. وضعت أصابعها على خدها الفضي، وشعرت بأن أثر القطع يستيقظ كندبةٍ حيّة. لم تقل “لا ميزان” هذه المرة؛ فقد عرفت أن السوق أذكى من أن يسقط بعبارة. كان يحتاج فهمًا لآلية الاضطرار قبل كسر آلية التجارة. في وسط السوق ممرّ يسمّى ممرّ التجربة. هناك تُجرَّب الأسماء على هيئاتٍ عارية من النداء. رأوا هيئةً بلا ملامح تقف أمام مرآةٍ من ماءٍ أسود. وضع ملتقطٌ على جبينها اسمًا مستعارًا: “سليم”. للحظة، ظهر وجهٌ هادئ، عينان عميقتان، يدان تعرفان الكتابة. اضطرب آدم، لأن الاسم ذكّره بسليم الذي يقيم خطّه في الكتاب الأسود. لكن الوجه سرعان ما تشقق، وانفصل الاسم عن الجبين تاركًا أثر حرق. قال الملتقط ببرود: “غير مناسب. الاسم يحمل عهدًا قديمًا، ولا يقبل جسدًا بلا ذاكرة.” بدّل الملتقط الاسم بآخر: “هاجر”. هذه المرة ظهرت للهيئة كتفان متعبان، وملامح امرأةٍ تسير طويلًا نحو أرضٍ مجهولة. انحنت الهيئة تحت ثقلٍ ليس لها. قالت بصوتٍ مختنق: “ثقيل.” ردّ الملتقط: “كل اسمٍ له وزن. الأسماء الخفيفة أغلى.” هنا تراجعت ليان خطوة. اللفافة على ساعدها صارت ساخنة، وظهرت فوقها أسطرٌ متتابعة: “الاستعارة ليست كذبًا دائمًا. قد تكون ضمادًا. وقد تكون قفصًا. الفرق في الرضا والمدة والذاكرة.” أغلقت ليان أصابعها حول اللفافة حتى توقف الحبر عن الجريان. كان النص يحاول ألّا يحكم بسرعة، وكانت هي تحاول ألّا تتبلد أمام الألم. في زاويةٍ بعيدة جلس ملتقطون سبعة حول طاولةٍ مستديرة. كانوا يُسمَّون في السوق “جامعي الحواف”، لأنهم لا يشترون الأسماء كاملة، بل أطرافها: أول حرفٍ من اسم طفلٍ مات قبل المناداة، آخر مقطعٍ من اسم مدينةٍ أُعيدت تسميتها، نبرة نداءٍ بين عاشقين لم يكتمل لقاؤهما. كانت أصابعهم رفيعة جدًّا، تنتهي بخطاطيف صغيرة تمسك الحرف دون أن تكسره. على أقنعتهم أسماءٌ كثيرة متراكبة، كلما لمح المصباح اسمًا ظهر تحته آخر، ثم آخر. لم يكن لهم اسمٌ ثابت؛ الثبات عندهم خسارة. رفعت رُؤى يدًا خفيفة، فأبطأت خطا الأربعة. “هؤلاء يرون كل غريبٍ مخزنًا محتمَلًا. لا حديث معهم إلا بحدٍّ ظاهر.” تقدّم آدم قليلًا، فاشتعل الخاتم النحاسي بخطٍ دائري حول المجموعة كلها. لم يكن تهديدًا، بل إعلانًا بأن ما معهم ليس معروضًا. التفت أحد جامعي الحواف، وكان قناعه يحمل في تلك اللحظة اسم “مراد”. قال: “عهود من الأعلى. نادرة في السوق. العهد يباع بسعرٍ عظيم إن كُسر صاحبه.” قال آدم: “الحدّ قائم.” ضحك ملتقطٌ آخر، وضحكته حروفٌ تقع على الطاولة كمسامير. “كل حدٍّ قابل للمساومة عندما يطول الخوف.” لم يرد آدم. الصمت أحيانًا أقوى من برهان، خاصةً في مكانٍ يأكل الكلام الزائد. عبروا ممرًّا تكثر فيه الدكاكين الصغيرة. في أحدها، جلست امرأةٌ من ظلٍّ فضيّ، تحتفظ باسمٍ مستعارٍ حول عنقها كسلسلة: “ليلى”. كان الاسم جميلًا ومضيئًا، لكنه يضيء بعيدًا عنها، كقمرٍ لا يعرف البحر الذي ينعكس فيه. أمامها ملتقطة عجوز، لا تظهر من وجهها إلا عينان من نقطتين سوداوتين. قالت العجوز: “انتهت مدة الاستعارة. إما تجديد بثلاث ذكريات، أو إعادة الاسم.” قالت المرأة: “إن عاد الاسم، عاد الفراغ.” قالت العجوز: “وإن بقي بلا ثمن، ماتت القاعدة التي يحيا بها السوق.” مدّت المرأة ثلاث ذكريات صغيرة: رائحة خبزٍ، صوت بابٍ خشبي، ملمس يدٍ كانت تمشط شعرًا. أخذتها العجوز، ووضعتها في زجاجة، ثم مدّت إصبعًا فشدّت اسم “ليلى” حول عنق المرأة عامًا آخر. عندها خفتت عينا المرأة قليلًا؛ بقي لها اسم، لكنها فقدت شيئًا كان يجعل الاسم محتملًا. مريم أغمضت عينيها لحظة. حين فتحتهما، كان المصباح يرتجف. قالت بصوتٍ مبحوح: “نورٌ يكشف هذا كله ولا يغيّره، أيُّ قسوةٍ يحملها الكشف؟” أجابت رُؤى: “الكشف بداية الألم لا نهايته. لذلك يخاف السوق الضوء ويحتاجه.” بلغوا ساحةً فرعية تُسمّى حوض النداءات. فيها بركةٌ منخفضة من حبرٍ شفاف، يقف حولها من اشتروا أسماءً جديدة لتجريب وقعها في النداء. يضع الكائن اسمه فوق سطح الحبر، فإن ارتدّ إليه النداء دافئًا، قبلته المدينة مؤقتًا، وإن ارتدّ باردًا، لفظته الأزقة. رأوا اسمًا يرتدي “يونس” لحظة، فهبط فوق الحوض ظلّ خانةٍ بيضاء، وسمع آدم خفقةً بعيدة من باب الذاكرة. رفض الحوض الاسم فورًا، وارتفعت عبارة: “اسمٌ ذو موضع. لا يصلح للاستعارة.” تنفّس الأربعة كأن خطرًا عابرًا انقضى. لكن نقطةً سوداء صغيرة ظهرت تحت سطح الحوض، ثم اختفت قبل أن يلمسها ضوء مريم. التفتت ليان بسرعة. الخريطة على ساعدها تبدلت؛ الطريق لم يعد مستقيمًا إلى قلب السوق، بل صار فروعًا كثيرة كأوردةٍ مذعورة، كلها تتجه إلى موضعٍ واحد. قالت: “الأثر يتكاثر. نقطة مِرآب لا تنتظر فقط. تختبر قابلية السوق للطاعة.” عند هذه العبارة، تحرّك الملتقطون في الأزقة. لم يهاجموا، لكن السوق كلّه صار أكثر انتباهًا. أُغلقت بعض الدكاكين، وارتفعت الأقنعة فوق الوجوه، وبدأت أسماءٌ مستعارة تهمس كأنها تلقت نداءً من مكانٍ أعمق. قال أحد جامعي الحواف من بعيد: “الغرباء يجلبون الحكم، والحكم يجلب الخراب.” قالت نائلة، وقد اشتعل خط خدها الفضي: “الخراب كان هنا قبل الدخول.” ردّ ملتقطٌ بقناع طفل: “والبقاء أيضًا.” توقفت نائلة. الجملة أصابتها في موضعٍ لا دفاع فيه. نعم، السوق ظالم؛ لكنه صار لبعض الجرحى شكل البقاء الوحيد. كسر الحجر دون فهم قد يحرر الأسماء، وقد يسقطها في العدم. كان ذلك لبّ الفخ الذي ينتظرهم: مِرآب لا يحتاج شرًّا كاملًا كي ينتصر؛ يكفيه ألمٌ مختلط بحاجةٍ صادقة. اقتربت رُؤى من ممرٍّ ضيق في آخر السوق. فوقه أقواسٌ مصنوعة من أسماءٍ مستعارة انتهت مددها ولم يطالب بها أحد. كانت الأسماء معلّقة كجلودٍ شفافة، بعضها ما زال دافئًا. في نهاية الممرّ ظهر وهجٌ أزرق قاتم، ينبض ببطء. ومع كل نبضة، كانت المقاطع المعروضة في السوق ترتجف، كأن قلبًا واحدًا يحركها جميعًا. قالت رُؤى: “هناك حجر التداول. عنده تُوزن الاستعارات الكبرى، وتُربط الأسماء بالديون. لا يقترب منه إلا الملتقطون ومن باع من نفسه ما يكفي.” فتح آدم الكتاب الأسود. لم تظهر كتابة سليم فورًا. انتظر الجميع، ثم انشقّت الصفحة عن سطرٍ واحد: “الحجر لا يُكسر بقوة الحد، ولا يُطهَّر بنور الكشف، ولا يُعاد بالنص وحده. يجب معرفة الاسم الذي يستعيره الخوف.” ساد صمتٌ كثيف. عند آخر الممرّ، تجمّعت هيئاتٌ مقنّعة حول حجرٍ أسود صغير قائم في وسط دائرةٍ من الحروف المقطوعة. فوق الحجر نبضت نقطة مِرآب، سوداء لامعة، كعينٍ مريضة وجدت أخيرًا جسدًا مؤقتًا. وكلما نبضت، ارتفعت من السوق همسة واحدة، لا تصدر من فمٍ بعينه، بل من آلاف الأسماء المستعارة: “بديل... بديل... بديل...” رفعَت مريم المصباح، واستدار آدم بالخاتم، وشدّت ليان اللفافة على ساعدها، ووقفت نائلة بلا ميزانٍ ولا عذر. أما رُؤى فتقدمت خطوةً أخيرة، فاشتعل اسمها الناقص لحظةً كاملة على جبينها، ثم انفتح الطريق إلى حجر التداول.
في الطابق الثالث من مبنى حجرّي عتيق يطّل عىل النهر، كان مركز ترميم المخطوطات يستيقظ قبل المدينة بقليل. ال تصل إليه ضوضاء الشوارع إال بعد أن تفقد حّدتها عىل الساللم العريضة، فتغدو همًسا بعيًدا، كأّن العالم في الخارج ال يجرؤ عىل رفع صوته قرب األوراق التي نجت من الحرائق والرطوبة وأيدي السنين. هناك، بين خزائن زجاجية محكمة .اإلغالق وطاوالت طويلة مغّطاة بقماش قطنّي أبيض، كانت ليان السالمي تبدأ نهارها كما يبدأ العابد صالًة ال ُتقال كانت ليان في الثانية والثالثين، ذات وجه هادئ ال يفيض بتعبير سريع، وعينين واسعتين بلون العسل الداكن، اعتادتا قراءة ما ال يراه اآلخرون: أثر إصبع قديم عىل هامش صفحة، انحناءة حبر جّف قبل قرون، تمّزق صغير يدّل عىل خوف عابر، أو بقعة ماء تشبه دمعة سقطت من قارئ مجهول. لم تكن كثيرة الكالم، غير أّن صمتها لم يكن جفاًء؛ كان أشبه ة، وفي حركتها اقتصاد، وفي قلبها حنان بباب خشبّي عتيق، ال يفتح إال لمن يعرف كيف يطرق برفق. في حديثها د ّق .غامض لألشياء التي يظّن الناس أّنها انتهت درست ليان علوم المخطوطات والترميم في القاهرة، ثم عادت إىل مدينتها الساحلية الصغيرة ل
ظّل السطر األخير عالًقا عىل زجاج الخزانة كما لو أّنه لم ُيكتب عىل الورق وحده، بل عىل الهواء أيًضا. لم تقترب ليان فيقتان بين الحركة والترّدد، كأّن جسدها سبق عقلها إىل فهماللحظة األوىل. وقفت في منتصف المختبر ويداها معّلالخطر، ثم عجز عن إقناعه. كان المطر يزداد عىل النوافذ العالية، فيحّول ضوء الصباح إىل رماد المع، وتبدو قطراته.كحروف صغيرة تتدافع فوق الزجاج من غير معنى ظاهراقتربت أخيًرا من الخزانة الثالثة. لم يكن الباب مفتوًحا، ولم يكن القفل مكسوًرا، ومع ذلك كان الكتاب مفتوًحا فيالداخل عىل صفحة جديدة. الكلمات التي ظهرت قبل قليل ما تزال هناك، سوداء دقيقة، وفي نهايتها فراغ طويل كأّنالجملة تو ّقفت عند حافة هاوية. لم تمّد يدها فوًرا. اكتفت بالنظر، ثم التقطت صورة للصفحة بكاميرا التوثيق، ودّونتفي سجّل المالحظات: ”ظهور كتابة غير مفَّسرة عىل صفحة كانت بيضاء. ُيفحص الورق والحبر الحًقا.“ كتبت الجملة.ببرود مهنّي متعّمد، لكّن يدها لم تستطع إخفاء ارتجافة صغيرة عند النقطة األخيرةفتحت الخزانة، وأخرجت الكتاب بحذر، ثم وضعته عىل الحامل المبّطن. كان الغالف أكثر برودة من قبل، أو لعّلأصا
بقيت الجملة على صفحة الكتاب كأّنها ال تريد أن تهدأ: ”اقترب الإسم، فاستيقظ الخوف.“ لم يكن الحبر ثابًتا تماًما؛ كانا خفيًفا، كظّل شمعة في ممّر طويل. جلست ليان تحت قوس الجسر لحظة، وقد انحسريرتجف عند أطرافه ارتجا ًفضوء الغروب عن الماء، وبدأت المصابيح القديمة عىل الضفة تستيقظ واحًدا بعد آخر. كان اسم آدم، المكتوب فيالورقة الصفراء، أثقل من كلمة عادية. لم يكن اسًما فحسب، بل مفتاًحا وضعته العجوز في يدها ثم اختفت، كأّنه لم يكن إلا ومضة من ذاكرة المدينةالظهور كّلأغلقت ليان الكتاب بعناية، وأعادت الورقة إىل جيب معطفها الداخلي. لم يكن البرد شديًدا، غير أّن رعشة دقيقة سرتفي أطرافها. عىل الجسر، حيث ظهر الرجل قبل قليل، ازدحم الماّرة قلياًل، ولم يبَق أثر لقامته أو للدفتر األسود الذيلمحته في يده. كانت الساعة المتو ّقفة تعلو البرج الصغير، تشير إىل الرابعة وسبع عشرة دقيقة، وكأّن الزمن في ذلك.الموضع رفض أن يتقّدم منذ الحريق القديمسارت ليان بمحاذاة النهر نحو حّي الصفصاف. كّلما ابتعدت عن الجسر، قّل صخب الباعة، وازدادت األزقة ضيًقاا بالعتمة. كانت واجهات الدكاكين تغلق أبوابها الخشبية، والم
تجّمد الصمت في بيت الساعات بعد الطرق العنيف، ثم بدأ يتشقق تحت رنين خافت صدر من الجدران. لم تتحركالعقارب، لكنها ارتجفت في أماكنها كأّن الزمن نفسه شعر بمن يقف خلف الباب. وضعت ليان يدها فوق الكتاب،.بينما ظّل آدم واقًفا بين الطاولة والممّر، وجهه شاحًبا وعيناه مثبتتين عىل العتمة الممتدة نحو المدخل“.عاد الصوت من الخارج، أثقل وأقرب: ”فتح الباب أهون من كسره. الكتاب عاد، والعهد ال ينتظرلم يبُد آدم مندهًشا من العبارة، بل بدا كمن كان يتوقعها منذ سنوات ويكره لحظة تحققها. انحنى بسرعة، وأخرج منا نحاسًيا صغيًرا، ثم ضغط عىل زر مخفي في جانبه. انزاح لوح خشبي في الجدار الخلفي للمكتبة،أسفل الطاولة صندو ًق.فكشف عن فجوة ضيقة مبطنة بالقماش“.قال بصوت منخفض: ”ال يبقى الكتاب ظاه ًرانظرت ليان إىل الفجوة، ثم إىل الغالف األسود. كان الكتاب ساكًنا عىل نحو يثير الريبة، كأنه ينتظر القرار. لم تضعه في:المخبأ. بد ًال من ذلك فتحته عىل الصفحة األخيرة، فظهر الحبر قبل أن تلمسه“.إخفاء الذاكرة ال يمنع السارق، بل يمنع الشاهد”قرأ آدم الجملة، وارتّد شيء في عينيه بين الخوف والغضب. في الخارج ارتفع الطرق مرة
لم يتوقف المطر بعد خروجهما من الزقاق الخلفي. كان خفيفًا، متقطعًا، كأنّ السماء لا تريد أن توقظ المدينة كلها، بل تكتفي بغسل آثار الهرب عن حجارة الطريق. خلفهما ظلّ بيت الساعات قائمًا في عتمته، تعلوه الساعة الكبرى وقد تجاوزت الرابعة وسبع عشرة دقيقة إلى الثامنة عشرة، ثم جمدت هناك كجرح انتقل خطوة واحدة داخل الزمن ولم يبرأ. سارت ليان بمحاذاة الجدار، والحافظة مشدودة إلى صدرها. كان الكتاب داخلها ساكنًا، لكن سكونه لم يعد يطمئن. بدا ككائن حيّ أغلق عينيه بعد أن قال أكثر مما ينبغي. إلى جوارها، سار آدم بخطوات متزنة ظاهرًا، غير أن ارتجاف أصابعه كان يفضح اضطرابًا عميقًا. لم يكن الهرب من حارث ورجاله هو ما كسر صمته، بل جملة الكتاب: “في الحريق لم تمت الأم. فُتحت البوابة، وأُخذت الكلمة الأولى.” كانت الجملة تسير معهما، تتقدمهما أحيانًا وتلتف حولهما أحيانًا أخرى. كلما انعكس ضوء مصباح على وجه آدم، ظهر فيه أثر رجل عاد من موتٍ قديم ولم يجد سوى سؤال ينتظره عند الباب. قال بصوت متهدّج: “بيت الساعات لم يعد آمنًا.” أجابت ليان من غير أن تبطئ: “مركز الترميم أكثر هدوءًا في هذا الوقت. الأرشيف الداخلي لا يدخله أحد بعد
اقتربت خطوات حارث في ممرّ دار الذاكرة كأنّها عدّاد قديم يُحصي ما تبقّى من الوقت. لم تكن عالية، لكنها ثابتة، وكل خطوة منها كانت تمنح الصمت شكلًا أثقل. في غرفة الورق الصامت، وقف آدم قرب الخزانة المعدنية، والصندوق المسطح بين يديه، بينما كانت ليان تراقب شاشة الدخول الصغيرة وقد انطفأ اسم حارث العوّاد عنها، ثم عاد يظهر في السطر التالي: “الممر الشرقي.” لم يكن بين الممر الشرقي وغرفة الورق الصامت سوى بابين وممر قصير. عرفت ليان ذلك بدقة، كما يعرف المرمم موضع الشقّ الخفي في ورقة عتيقة. أطفأت المصباح، فانزلق الظلام فوق الطاولة والجدران المبطنة، وبقي الضوء الأزرق الخافت من الشاشة يرسم حدود وجه آدم. كان شحوبه أقلّ هدوءًا من قبل، كأنّ الذاكرة التي استيقظت باسم مريم جعلت الخوف أكثر شخصية. قال بصوت منخفض: “المخرج الخلفي؟” أشارت ليان إلى باب جانبي ضيق خلف ستارة سميكة مخصصة لعزل الغبار. “ممر الخدمة. يفضي إلى مستودع التجفيف، ثم إلى الساحة الداخلية.” تحرّكا بسرعة محسوبة. لم يركضا بعد؛ فالركض في مبنى مثل دار الذاكرة يوقظ أجهزة وأبوابًا وحساسات لا لزوم لها. مرّا عبر الممر الجانبي، والكتاب داخل الصندوق بين