LOGINانفتح الطريق إلى حجر التداول، لا كما تنفتح الأبواب، بل كما تنسحب طبقةٌ من جلدٍ عن جرحٍ عميق. تقدّمت رُؤى خطوةً، فاشتعل اسمها الناقص على جبينها لحظةً كاملة، ثم عاد إلى اهتزازه القديم. خلفها وقف آدم ومريم وليان ونائلة عند حافة الدائرة التي صُنعت من حروفٍ مقطوعة، وفي وسطها ارتفع الحجر الأسود صغيرًا على غير قدر الخطر الكامن فيه. لم يكن الحجر كبيرًا، لكنه بدا مركز ثقل السوق كله. سطحه أملس كليلٍ مضغوط، وحوافه محفورة بأسماءٍ مستعارة انتهت مددها ولم تُدفن. فوقه نبضت نقطة مِرآب، سوداء لامعة، لا تستقر في موضعها؛ تتسع مع كل نبضةٍ حتى تكاد تصير عينًا، ثم تنكمش كقلبٍ يختبئ. وحين تنبض، تهتز الدكاكين المعلقة، وترتجف الأقنعة، وتجيب آلاف الأسماء المستعارة من الأزقة: “بديل... بديل... بديل...” أحاط الملتقطون بالدائرة. بعضهم رفع خطاطيف الأصابع، وبعضهم أطبق الأقنعة على الوجوه، وبعضهم تراجع إلى الظلال كأنه ينتظر نتيجةً يربح منها أيًّا كانت. تقدّم جامع الحواف الذي حمل قبل قليل اسم “مراد”، لكن قناعه تغيّر الآن إلى “آمن”. قال بصوتٍ مشوبٍ بسخريةٍ متعبة: “لا عبور إلى الحجر بلا ثمن. هنا لا تكفي العهود.” أضاء خاتم آدم خطًّا نحاسيًّا عند قدميه. “لا ثمن على جرحٍ يراد إنقاذه.” ضحك ملتقطٌ آخر، وكان قناعه يحمل اسم “نجاة”. “كلام القادمين من العتبات العليا جميل. لكن الأسماء الجريحة لا تأكل الجمال. الحجر ينظّم الديون، والديون تحفظ المدد، والمدد تمنع التلاشي.” قالت رُؤى بصوتٍ منخفض: “والنقطة ستجعل الديون طاعة.” سكتت الدائرة. كان الفرق بين الدين والطاعة دقيقًا بما يكفي ليخيف السوق كله. رفعت مريم المصباح الأبيض، فانحنى الضوء فوق الحروف المقطوعة دون أن يلمس الحجر. ظهرت على سطحه طبقاتٌ خفية: عقودٌ من حبرٍ جاف، عهودٌ كُتبت تحت الإكراه، مقاطع أسماءٍ خيطت بعضها ببعض، وديونٌ ليست من ذهبٍ ولا وقت، بل من ذكرياتٍ وهوامش وأصوات ودعوات. قالت ليان، وعيناها على اللفافة التي احمرّت حول ساعدها: “الحجر ليس شرًّا واحدًا. إنه شبكة. إن كُسر دفعةً واحدة، سقطت الاستعارات التي لا سند لها.” قالت نائلة: “وإن تُرك، صار السوق ذراعًا لمِرآب.” اقتربت نقطة مِرآب من حافة الحجر كأنها سمعت اسمها. ارتفعت منها خيوطٌ سوداء دقيقة، دخلت في الأقنعة المعلقة على وجوه الملتقطين، وفي السلاسل التي تحمل الأسماء المستعارة، وفي زجاجات الذكريات فوق الرفوف. لم يكن اقتحامًا عنيفًا؛ كان اقتراحًا هادئًا، أخطر من الأمر. ومع كل خيط، انبعثت همسة: “اسمٌ بديل... أمانٌ بديل... أصلٌ بديل...” فتح آدم الكتاب الأسود. تقلبت الصفحات وحدها، ثم توقفت عند بياضٍ شديد. ظهر خط سليم بطيئًا هذه المرة، كأنه يكتب من مكانٍ ضيق: “لا تبحثوا عن اسم الخوف في الحجر. الحجر يستضيفه فقط. ابحثوا عمّن يتكلم باسمه.” التفتت مريم إلى السوق. كل شيءٍ يتكلم: الدكاكين، العقود، الأقنعة، الحروف، الأسماء المستعارة. لكن الكلام الكثير قد يخفي الصوت الواحد. أطفأت المصباح قليلًا، لا إطفاءً كاملًا، بل خفضت ضوءه حتى صار مثل تنفّسٍ أبيض. عندئذٍ خفتت الأصوات الزائدة، وبقي همسٌ واحد يتردد تحت الجميع: “إن عاد الاسم الأول، عاد الألم. إن سقط البديل، سقط الوجود. إن انكشف الجرح، انتهى الأمان.” قالت مريم: “الخوف لا يقول: سأدمّر. يقول: سأحمي.” تبدّل وجه نائلة. الخط الفضي على خدها اشتعل كأن العبارة مسّت ذكرى قديمة. “دار الموازين قالت ذلك دائمًا. كانت تسمي القطع رعاية، والمحو توازنًا، والاستغلال حفظًا.” ارتعش الحجر، وارتفعت النقطة السوداء أعلى قليلًا. فجأةً ظهرت حول الدائرة صورٌ متعاقبة: امرأةٌ تدفع ذكرياتها لتبقى “ليلى”، اسمٌ طويل يبيع نهايته كي لا ينطفئ، هيئةٌ صغيرة تضم مقطع “أم”، وجسدٌ بلا ملامح يجرب اسمًا بعد اسم. ثم تداخلت الصور كلها في كلمةٍ واحدة مضيئة، أخذت النقطة السوداء ترددها بألسنة الضحايا: “الحماية.” قالت ليان: “هذا هو الاسم المستعار.” لم يفهم بعض الملتقطين. تقدّم صاحب قناع “آمن” وصرخ: “الحماية ليست سرقة. بلا حمايةٍ ينهار السوق.” قال آدم: “الخوف يستعير اسم الحماية. يتكلم بصوت الضحايا، ثم يجعلهم يخدمون سبب خوفهم.” انتفضت الأقنعة. بعض الملتقطين تراجع كأن الاسم كشف وجهًا تحت وجوههم. آخرون ازدادوا شراسةً. تقدّمت الملتقطة العجوز ذات النقطتين السوداوين، حاملةً زجاجة الذكريات التي أخذتها من المرأة الفضية. قالت: “ومن يملك حق نزع الحماية عن العاجزين؟ أترفعون شعار الحرية ثم تتركون الأسماء تتفتت؟” أجابت نائلة، لا دفاعًا عن نفسها بل ضد ماضيها: “الحماية التي لا تقبل الاختيار قفصٌ مموّه. لكن القفص لا يُهدم فوق رؤوس ساكنيه.” كانت تلك الجملة مفتاحًا صغيرًا. اهتزّت اللفافة على ساعد ليان، وامتد منها خيطٌ أحمر إلى دائرة الحروف المقطوعة. ظهرت كتابةٌ جديدة: “افصلوا الخوف عن اسم الحماية، ولا تفصلوا الجرح عن ضماده. أعيدوا تسمية العقد، لا حرقه.” قالت رُؤى: “الحجر يربط الاستعارة بالدين. إن صار الرابط عهدًا محدودًا بدل دينٍ مفتوح، ضعفت النقطة.” قال جامع الحواف بقناع “آمن”: “العهد المحدود يحتاج شاهدًا. السوق لا يثق بالشهود.” رفع آدم يده. لمع الخاتم النحاسي، لكنه لم يرسم دائرة منع؛ رسم أربع دوائر متداخلة حول الحجر، بين كل دائرةٍ وأخرى ممرٌّ ضيق. قال: “حدٌّ يمنع الأخذ بالقوة، ولا يمنع العودة الطوعية.” رفعت مريم المصباح. لم تسلطه على الحجر، بل على أصحاب الأسماء المستعارة الواقفين في أطراف السوق. “نورٌ يكشف شروط العقد، لا الجرح المستور.” مدّت ليان ساعدها، فانحلت اللفافة قليلًا، وكتبت في الهواء بنصٍّ دامٍ: “كل استعارة تُسأل: هل تقبل؟ هل تعرف الثمن؟ هل تملك طريق رجوع؟” أما نائلة، فدخلت أول ممرٍّ من الدوائر النحاسية. وقف الملتقطون متحفزين. وضعت كفها على صدرها، ثم على خدها الفضي، وقالت: “لا ميزان يقدّر قيمة الاسم. ولا دين يتوارثه الجرح.” كان على أحدٍ من السوق أن يستجيب، لا من القادمين وحدهم. بقي الصمت طويلًا، ثم تقدمت المرأة الفضية ذات اسم “ليلى”. كان الاسم حول عنقها باهتًا من أثر الذكريات المدفوعة. قالت للملتقطة العجوز: “الاسم لا يزال دافئًا، لكن الثمن صار يأكل من يعرف الدفء. أريد عقدًا لا يأخذ ذكرى أخرى.” ارتجّت العجوز. النقطة السوداء أرسلت إليها خيطًا، فأضاء قناعها باسمٍ جديد: “رأفة”. قالت النقطة من خلالها: “بلا ثمن لا بقاء.” اقتربت مريم خطوة، فأظهر المصباح الفرق بين الصوتين. صوت العجوز كان خشنًا، مترددًا، يحمل تعب قرونٍ من السوق. أما الصوت الآخر، المنبعث عبر اسم “رأفة”، فكان ناعمًا أكثر مما ينبغي، بلا تعبٍ ولا ذاكرة. قالت مريم: “هذه ليست رأفة. هذا خوفٌ يرتدي رأفةً بعد الحماية.” صرخت العجوز، لا من الألم بل من الانكشاف، وسقط القناع عن وجهها. لم يظهر تحته وجه، بل مجموعة أسماءٍ صغيرة متراكبة، كلها أسماءٌ استعارتها عبر زمنٍ طويل كي تبقى ملتقطة لا ضحية. خفت صوتها. “إن توقفت الديون، ماذا يبقى لمن لا يملك اسمًا أصليًّا؟” قالت رُؤى: “يبقى حق الاستعارة دون عبودية.” تحركت نقطة مِرآب بعنف. صعدت من الحجر كقطرةٍ سوداء معلقة، ثم انفجرت خيوطًا في اتجاه الدكاكين. حاولت أن توقظ الخوف في كل زاوية. الأقنعة صارت تلمع بأسماء: “حماية”، “رأفة”، “نجاة”، “أمان”، “ضرورة”. لكن المصباح كشف تحتها كلمةً واحدة باهتة: “فقد”. قالت ليان: “الفقد هو الاسم الأول للخوف. لكنه لا يجرؤ على الظهور به، فيستعير أسماء الضحايا كي ينجو من المحاكمة.” فتح الكتاب الأسود من جديد، وكتب سليم: “انطقوا الاسم الأول دون أن تُدينوا أصحابه.” تقدم آدم إلى حافة الحجر. الخاتم يرسم حدًّا بين النقطة والسوق، لا ليقطع الروابط كلها، بل ليمنع الخيوط الجديدة من الانتشار. قالت مريم: “يا فقد، لا تتكلم باسم الحماية.” وقالت ليان: “يا فقد، لا تكتب الديون باسم النجاة.” وقالت نائلة: “يا فقد، لا تزن الأسماء بحجة الرأفة.” وقالت رُؤى، وصوتها هذه المرة خرج كاملًا على الرغم من نقص اسمها: “يا فقد، لا تسرق ما لم يُمنح أصلًا.” عند النداء الرابع، انشق الحجر. لم ينكسر؛ ظهر في سطحه خطٌّ أبيض رفيع، كطريقٍ داخل الليل. خرجت منه عقودٌ سوداء، ترفرف كخفافيش صغيرة. حاول الملتقطون الإمساك بها خوفًا من انهيار السوق، لكن آدم رفع الخاتم فثبتها في الهواء. قالت ليان: “لا حرق.” ومدّت اللفافة خطوطًا حمراء حول العقود، فحوّلت ألفاظ الدين إلى مددٍ واضحة: بداية، نهاية، ثمن معلوم، حق رفض، حق عودة، وشاهد من الاسم نفسه. اعترض جامع الحواف: “بعض الأسماء لا تعرف كيف ترفض.” قالت مريم: “إذن لا يصحّ أخذها حتى تعرف.” فأضاء المصباح خانةً جديدة في العقود: “الصمت ليس قبولًا.” أطلقت النقطة السوداء صرخةً لا صوت لها. تقلّصت، ثم هبطت إلى قلب الحجر، ثم اندفعت نحو اسم “ليلى” حول عنق المرأة الفضية. أرادت أن تختبئ في الضحية لا في التاجر. لكن المرأة أمسكت الاسم بيديها المرتجفتين وقالت: “الخوف ليس اسمي.” لم تنزع “ليلى”، ولم تسلمه للنقطة. فقط فصلت بين حاجتها إليه وخضوعها له. تغير السوق كله مع تلك الجملة. لم يشفَ، ولم يصر عادلًا فجأة، لكنه توقّف عن الهمس بكلمة “بديل”. صعدت بدلًا منها أصواتٌ متفرقة: “مهلة”، “اختيار”، “شاهد”، “عودة”. بعض الملتقطين خلعوا أقنعتهم، وبعضهم هرب في الأزقة حاملًا ديونه القديمة، وبعضهم جلس على الأرض كأن السوق سُحب من تحت قدميه. أما العجوز، ففتحت زجاجة الذكريات وأعادت إلى المرأة الفضية رائحة الخبز وصوت الباب وملمس اليد. لم تفعل ذلك توبةً كاملة، بل خوفًا من ضوءٍ صار يعرف الطريق. أمسكت نائلة حافة الحجر. الخط الفضي في خدها امتد إلى أصابعها، ثم دخل الشق الأبيض. لم تعد تزن، بل تفكّ. تحررت النقطة من موضعها، مكشوفةً بلا أسماء مستعارة. صارت صغيرة جدًّا، مجرد فقدٍ عارٍ لا يقوى على الأمر. وضع آدم حدًّا حولها، وأنزلت مريم ضوءًا لا يحرق، وكتبت ليان فوقها: “أثرٌ معزول، لا باب له.” عندئذٍ انطفأت النقطة، لا موتًا، بل عزلًا؛ كحبرٍ أُعيد إلى قطرةٍ لا تستطيع أن تكتب وحدها. تنفست رُؤى، فظهر اسمها كاملًا لحظةً ثانية: “رُؤى”. لم يثبت، لكنه لم يختفِ كما كان. قالت: “الحجر باقٍ، لكنه لم يعد يطيع الخوف.” بعيدًا، في عمقٍ لا يرى من السوق، انفتح صدى خافت يشبه بابًا يغلق على غضبٍ مؤجل. عرف آدم أنه صدى مِرآب، وأن المعركة لم تنتهِ. فقد خسر نقطةً، لا الطريق كله. فوق حجر التداول، بقي الشق الأبيض مضيئًا، وحوله بدأت الأسماء المستعارة تصطف لا للبيع، بل للمراجعة. وفي السوق الذي كان يهمس “بديل”، ارتفعت للمرة الأولى همسةٌ أشد هشاشةً وأقرب إلى الحياة: “اختيار.”
في الطابق الثالث من مبنى حجرّي عتيق يطّل عىل النهر، كان مركز ترميم المخطوطات يستيقظ قبل المدينة بقليل. ال تصل إليه ضوضاء الشوارع إال بعد أن تفقد حّدتها عىل الساللم العريضة، فتغدو همًسا بعيًدا، كأّن العالم في الخارج ال يجرؤ عىل رفع صوته قرب األوراق التي نجت من الحرائق والرطوبة وأيدي السنين. هناك، بين خزائن زجاجية محكمة .اإلغالق وطاوالت طويلة مغّطاة بقماش قطنّي أبيض، كانت ليان السالمي تبدأ نهارها كما يبدأ العابد صالًة ال ُتقال كانت ليان في الثانية والثالثين، ذات وجه هادئ ال يفيض بتعبير سريع، وعينين واسعتين بلون العسل الداكن، اعتادتا قراءة ما ال يراه اآلخرون: أثر إصبع قديم عىل هامش صفحة، انحناءة حبر جّف قبل قرون، تمّزق صغير يدّل عىل خوف عابر، أو بقعة ماء تشبه دمعة سقطت من قارئ مجهول. لم تكن كثيرة الكالم، غير أّن صمتها لم يكن جفاًء؛ كان أشبه ة، وفي حركتها اقتصاد، وفي قلبها حنان بباب خشبّي عتيق، ال يفتح إال لمن يعرف كيف يطرق برفق. في حديثها د ّق .غامض لألشياء التي يظّن الناس أّنها انتهت درست ليان علوم المخطوطات والترميم في القاهرة، ثم عادت إىل مدينتها الساحلية الصغيرة ل
ظّل السطر األخير عالًقا عىل زجاج الخزانة كما لو أّنه لم ُيكتب عىل الورق وحده، بل عىل الهواء أيًضا. لم تقترب ليان فيقتان بين الحركة والترّدد، كأّن جسدها سبق عقلها إىل فهماللحظة األوىل. وقفت في منتصف المختبر ويداها معّلالخطر، ثم عجز عن إقناعه. كان المطر يزداد عىل النوافذ العالية، فيحّول ضوء الصباح إىل رماد المع، وتبدو قطراته.كحروف صغيرة تتدافع فوق الزجاج من غير معنى ظاهراقتربت أخيًرا من الخزانة الثالثة. لم يكن الباب مفتوًحا، ولم يكن القفل مكسوًرا، ومع ذلك كان الكتاب مفتوًحا فيالداخل عىل صفحة جديدة. الكلمات التي ظهرت قبل قليل ما تزال هناك، سوداء دقيقة، وفي نهايتها فراغ طويل كأّنالجملة تو ّقفت عند حافة هاوية. لم تمّد يدها فوًرا. اكتفت بالنظر، ثم التقطت صورة للصفحة بكاميرا التوثيق، ودّونتفي سجّل المالحظات: ”ظهور كتابة غير مفَّسرة عىل صفحة كانت بيضاء. ُيفحص الورق والحبر الحًقا.“ كتبت الجملة.ببرود مهنّي متعّمد، لكّن يدها لم تستطع إخفاء ارتجافة صغيرة عند النقطة األخيرةفتحت الخزانة، وأخرجت الكتاب بحذر، ثم وضعته عىل الحامل المبّطن. كان الغالف أكثر برودة من قبل، أو لعّلأصا
بقيت الجملة على صفحة الكتاب كأّنها ال تريد أن تهدأ: ”اقترب الإسم، فاستيقظ الخوف.“ لم يكن الحبر ثابًتا تماًما؛ كانا خفيًفا، كظّل شمعة في ممّر طويل. جلست ليان تحت قوس الجسر لحظة، وقد انحسريرتجف عند أطرافه ارتجا ًفضوء الغروب عن الماء، وبدأت المصابيح القديمة عىل الضفة تستيقظ واحًدا بعد آخر. كان اسم آدم، المكتوب فيالورقة الصفراء، أثقل من كلمة عادية. لم يكن اسًما فحسب، بل مفتاًحا وضعته العجوز في يدها ثم اختفت، كأّنه لم يكن إلا ومضة من ذاكرة المدينةالظهور كّلأغلقت ليان الكتاب بعناية، وأعادت الورقة إىل جيب معطفها الداخلي. لم يكن البرد شديًدا، غير أّن رعشة دقيقة سرتفي أطرافها. عىل الجسر، حيث ظهر الرجل قبل قليل، ازدحم الماّرة قلياًل، ولم يبَق أثر لقامته أو للدفتر األسود الذيلمحته في يده. كانت الساعة المتو ّقفة تعلو البرج الصغير، تشير إىل الرابعة وسبع عشرة دقيقة، وكأّن الزمن في ذلك.الموضع رفض أن يتقّدم منذ الحريق القديمسارت ليان بمحاذاة النهر نحو حّي الصفصاف. كّلما ابتعدت عن الجسر، قّل صخب الباعة، وازدادت األزقة ضيًقاا بالعتمة. كانت واجهات الدكاكين تغلق أبوابها الخشبية، والم
تجّمد الصمت في بيت الساعات بعد الطرق العنيف، ثم بدأ يتشقق تحت رنين خافت صدر من الجدران. لم تتحركالعقارب، لكنها ارتجفت في أماكنها كأّن الزمن نفسه شعر بمن يقف خلف الباب. وضعت ليان يدها فوق الكتاب،.بينما ظّل آدم واقًفا بين الطاولة والممّر، وجهه شاحًبا وعيناه مثبتتين عىل العتمة الممتدة نحو المدخل“.عاد الصوت من الخارج، أثقل وأقرب: ”فتح الباب أهون من كسره. الكتاب عاد، والعهد ال ينتظرلم يبُد آدم مندهًشا من العبارة، بل بدا كمن كان يتوقعها منذ سنوات ويكره لحظة تحققها. انحنى بسرعة، وأخرج منا نحاسًيا صغيًرا، ثم ضغط عىل زر مخفي في جانبه. انزاح لوح خشبي في الجدار الخلفي للمكتبة،أسفل الطاولة صندو ًق.فكشف عن فجوة ضيقة مبطنة بالقماش“.قال بصوت منخفض: ”ال يبقى الكتاب ظاه ًرانظرت ليان إىل الفجوة، ثم إىل الغالف األسود. كان الكتاب ساكًنا عىل نحو يثير الريبة، كأنه ينتظر القرار. لم تضعه في:المخبأ. بد ًال من ذلك فتحته عىل الصفحة األخيرة، فظهر الحبر قبل أن تلمسه“.إخفاء الذاكرة ال يمنع السارق، بل يمنع الشاهد”قرأ آدم الجملة، وارتّد شيء في عينيه بين الخوف والغضب. في الخارج ارتفع الطرق مرة
لم يتوقف المطر بعد خروجهما من الزقاق الخلفي. كان خفيفًا، متقطعًا، كأنّ السماء لا تريد أن توقظ المدينة كلها، بل تكتفي بغسل آثار الهرب عن حجارة الطريق. خلفهما ظلّ بيت الساعات قائمًا في عتمته، تعلوه الساعة الكبرى وقد تجاوزت الرابعة وسبع عشرة دقيقة إلى الثامنة عشرة، ثم جمدت هناك كجرح انتقل خطوة واحدة داخل الزمن ولم يبرأ. سارت ليان بمحاذاة الجدار، والحافظة مشدودة إلى صدرها. كان الكتاب داخلها ساكنًا، لكن سكونه لم يعد يطمئن. بدا ككائن حيّ أغلق عينيه بعد أن قال أكثر مما ينبغي. إلى جوارها، سار آدم بخطوات متزنة ظاهرًا، غير أن ارتجاف أصابعه كان يفضح اضطرابًا عميقًا. لم يكن الهرب من حارث ورجاله هو ما كسر صمته، بل جملة الكتاب: “في الحريق لم تمت الأم. فُتحت البوابة، وأُخذت الكلمة الأولى.” كانت الجملة تسير معهما، تتقدمهما أحيانًا وتلتف حولهما أحيانًا أخرى. كلما انعكس ضوء مصباح على وجه آدم، ظهر فيه أثر رجل عاد من موتٍ قديم ولم يجد سوى سؤال ينتظره عند الباب. قال بصوت متهدّج: “بيت الساعات لم يعد آمنًا.” أجابت ليان من غير أن تبطئ: “مركز الترميم أكثر هدوءًا في هذا الوقت. الأرشيف الداخلي لا يدخله أحد بعد
اقتربت خطوات حارث في ممرّ دار الذاكرة كأنّها عدّاد قديم يُحصي ما تبقّى من الوقت. لم تكن عالية، لكنها ثابتة، وكل خطوة منها كانت تمنح الصمت شكلًا أثقل. في غرفة الورق الصامت، وقف آدم قرب الخزانة المعدنية، والصندوق المسطح بين يديه، بينما كانت ليان تراقب شاشة الدخول الصغيرة وقد انطفأ اسم حارث العوّاد عنها، ثم عاد يظهر في السطر التالي: “الممر الشرقي.” لم يكن بين الممر الشرقي وغرفة الورق الصامت سوى بابين وممر قصير. عرفت ليان ذلك بدقة، كما يعرف المرمم موضع الشقّ الخفي في ورقة عتيقة. أطفأت المصباح، فانزلق الظلام فوق الطاولة والجدران المبطنة، وبقي الضوء الأزرق الخافت من الشاشة يرسم حدود وجه آدم. كان شحوبه أقلّ هدوءًا من قبل، كأنّ الذاكرة التي استيقظت باسم مريم جعلت الخوف أكثر شخصية. قال بصوت منخفض: “المخرج الخلفي؟” أشارت ليان إلى باب جانبي ضيق خلف ستارة سميكة مخصصة لعزل الغبار. “ممر الخدمة. يفضي إلى مستودع التجفيف، ثم إلى الساحة الداخلية.” تحرّكا بسرعة محسوبة. لم يركضا بعد؛ فالركض في مبنى مثل دار الذاكرة يوقظ أجهزة وأبوابًا وحساسات لا لزوم لها. مرّا عبر الممر الجانبي، والكتاب داخل الصندوق بين