Home / الخيال الغربي / ذاكرة الكلمات المفقودة / الفصل السادس والعشرون: وجه مِرآب

Share

الفصل السادس والعشرون: وجه مِرآب

Author: Prof Ahmed
last update publish date: 2026-09-14 04:38:28

وقف الأربعة أمام الباب الأسود العظيم في قرار الصدى، وكان الباب بلا مقبضٍ ولا نقشٍ ولا عتبةٍ مرئية، ومع ذلك بدا أقدم من كل الأبواب التي عرفتها المدينة. لم يكن مصنوعًا من خشبٍ أو حجرٍ أو معدن، بل من غضبٍ تراكم حتى صار سطحًا. كل نبضةٍ فيه كانت تردّ على نداءٍ بعيد، وكل ارتجافةٍ على حافته كانت تشبه شفةً أوشكت أن تقول شيئًا ثم مُنعت. أضاء مصباح مريم دائرةً صغيرة عند أقدامهم، غير أنّ الضوء لم يتقدّم نحو الباب كما يفعل في الأماكن الأخرى. كان يتردّد، لا خوفًا، بل احترامًا لكثافة الألم الذي يسكن خلفه. خاتم آدم النحاسي رسم حدًّا هادئًا حولهم، حدًّا لا يطرد الظلمة، بل يمنعها من ابتلاع المعنى. أمّا لفافة ليان فالتفّت حول ساعدها حتى احمرّت عروقها، كأن النصوص المكتوبة فيها شعرت أن المكان نفسه يسبق كل كتابة. وعلى خد نائلة، اشتعل الخط الفضي ببرودةٍ حادة، كميزانٍ رفض أن يزن ما لا يُوزن. ظهر على صفحة الكتاب الأسود سطرٌ قصير: “لا يُفتح هذا الباب بالقوة، ولا بالرجاء. يُفتح حين يُعترف بأن الصدى كان نداءً.” قرأ آدم السطر، ثم أغلق الكتاب على صدره. تقدّمت مريم خطوة، وخفّضت نور المصباح حتى صار أشبه بدمعةٍ بيضاء. قالت بصوتٍ ثابت: “الصدى لم يكن فراغًا.” اهتزّ الباب. قالت ليان: “كل صرخةٍ سبقت معناها كانت معنىً مؤجلًا.” اتسعت نبضته. قالت نائلة: “كل صوتٍ لم يُصدَّق لا يفقد حقّه في الشهادة.” انشقّ السواد بخطٍّ رفيع. رفع آدم يده، ولم يطرق. قال: “كل رفضٍ قديم لا يمنح الحق في محو العالم.” عند الجملة الأخيرة، انفتح الباب إلى الداخل دون صوت. لم يظهر خلفه ممرّ، بل هاويةٌ مضيئة بالعتمة؛ مكانٌ لا يُرى بالعين وحدها، بل بما تذكّره الجسد قبل أن يتعلّم الكلام. دخلوا. كان قرار الصدى أوسع من مدينة، وأضيق من حلقٍ مختنق. لا أرض فيه ولا سماء، بل طبقاتٌ من أصواتٍ معلّقة، بعضها شفاف كالبخار، وبعضها كثيف كالحجارة. نداءاتٌ أولى طافت حولهم: بكاء رضيعٍ لم يجد حضنًا، اسمٌ نطقته أمٌّ عند بابٍ احترق ولم يسمعه أحد، شاهدٌ قال الحقيقة في مجلسٍ أغلق آذانه، طفلٌ أشار إلى جرحٍ فسُمّي خيالًا، امرأةٌ صرخت تحت سقفٍ منخفض فارتدّ صوتها إليها كاتهام، رجلٌ نادى وطنًا غارقًا فلم يصل النداء إلا بعد الخراب. كل صوتٍ كان يحمل جسدًا ناقصًا. لا وجوه كاملة، بل ملامح من رنين: عينٌ مصنوعة من رجاء، يدٌ من فزع، كتفٌ من انتظار، فمٌ بقي مفتوحًا منذ زمنٍ لا يعدّه الزمن. كانت الأصوات تمشي بلا أقدام، تتداخل ثم تنفصل، وتبحث عن آذانٍ لم توجد حين احتاجت إليها. كلما مرّ صوتٌ قرب المصباح، ظهر معناه للحظةٍ ثم عاد إلى اهتزازه. لم يكن المكان مقبرة، بل قاعة انتظارٍ لم يغادرها أحد. قالت مريم، والضوء يرتجف بين أصابعها: “كل هذا لم يُسمع.” لم تُجب الأصوات، لكنها انحنت نحو العبارة كما تنحني السنابل إلى ريحٍ تعرف اسمها. امتدّ الخيط الشفاف الذي منحته رُؤى لليان، فاهتزّ حول اللفافة. ظهرت عليه كتابةٌ باهتة: “السؤال الصحيح ليس: لماذا صار مِرآب غاضبًا؟ بل: متى صار الغضب ذاكرةً بديلة؟” تقدّمت نائلة بين الأصوات، فرأت موازين مكسورة معلّقة في الفراغ. على إحدى الكفّتين وُضع نداء، وعلى الأخرى صمتٌ ثقيل، وكانت الكفّة الصامتة دائمًا أرجح. تراجعت، ومرّت يدها على خدها الفضي. هنا بدأ كلُّ ظلمٍ قبل أن يصير قانونًا: لحظة لم يصدّق فيها أحدٌ صوتًا ضعيفًا، فاحتاج الصوت إلى أن يصير عاصفة. في قلب القرار ارتفعت مرآةٌ هائلة، مكسورة إلى آلاف الشظايا. لم تكن تعكس الوجوه، بل اللحظات التي رُفضت فيها الأصوات. في كل شظيةٍ ظهر نداءٌ عاد إلى صاحبه مشوّهًا. وإذا اقتربت شظيتان إحداهما من الأخرى، نشأ بينهما مخلوقٌ من صدى، ثم تلاشى وهو يردد: “لم يسمع أحد.” وعند قاعدة المرآة وقف مِرآب. لم يكن وحشًا ذا مخالب، ولا ظلًّا بلا صورة. كان هيئةً طويلة مصنوعة من شظايا عاكسة، تتبدّل بلا استقرار. كل قطعةٍ في جسده تحمل فمًا صغيرًا أو عينًا مغمضة أو أذنًا ممزقة. في صدره حفرةٌ واسعة، لا قلب فيها، بل نداءٌ يدور ولا يجد مخرجًا. رأسه ليس وجهًا واحدًا؛ إنه وجوهٌ كثيرة رفضها العالم قبل أن تكتمل. وحين تنفّس، ارتجّ قرار الصدى كله، وصارت الأصوات حوله جوقةً من ألمٍ منضبط. قال مِرآب بصوتٍ لم يخرج من فمه، بل من جميع الشظايا: “وصل حَمَلة الحدود والضوء والنص والرفض. وصل من ظنّ أن إصلاح العقود يكفي لإصلاح أول جرح.” ثبت آدم الخاتم أمام صدره. “لم يُزعَم أن الجرح زال.” ضحكت الشظايا، وكان الضحك بكاءً انقلب على نفسه. “الجرح الذي لا يزول يصير أصلًا. والذاكرة التي تختار تصير خيانة. ما يُنسى يموت مرةً ثانية. ما يُخفّف يُزوَّر. ما يُغفر يُدفن.” قالت مريم: “الذاكرة التي لا ترحم تتحول إلى سجن.” اقتربت شظايا مِرآب خطوة. انعكس في المصباح وجهٌ صغير لا يعرف اسمه. “الرحمة كانت اسم الصمت حين جاء النداء الأول. قيل: هدوء. قيل: مبالغة. قيل: غدًا. ثم صار الغد قبرًا مفتوحًا. القبول تأخّر حتى فقد معناه.” كتبت لفافة ليان من تلقاء نفسها: “ليس كل تأخرٍ إلغاءً، لكن كل إنكارٍ يترك نسلًا.” قرأ مِرآب العبارة، فتكسّرت بعض شظاياه بحركةٍ عصبية. “النصوص تأتي بعد الخراب. تضع العبارات فوق الرماد وتسمّيه عهدًا. أين كان النص حين صرخ الصوت قبل أن يعرف الحروف؟ أين كان الحد حين دخل النسيان؟ أين كان الضوء حين ظُنّ الألم كذبًا؟ أين كان الرفض العادل حين صار الرفض الأول حكمًا؟” اشتدّت الأصوات حول الأربعة. بدأ قرار الصدى يضغط عليهم بنداءاتٍ لا تُحتمل. رأى آدم نفسه طفلًا أمام بابٍ مغلق، يحمل اسمًا لم يعرف كيف يحميه. رأت مريم ضوءها يتحول إلى سكينٍ يكشف وجوهًا لا تريد الانكشاف. رأت ليان كلماتها تتجمد فوق جروحٍ أعمق من اللغة. ورأت نائلة ميزان دار الموازين يبتسم وهو يسمّي القسوة ضرورة. كان مِرآب لا يهاجم الأجساد، بل يقلب الهبات إلى تهم. الحد يصبح إقصاءً، الضوء فضحًا، النص قيدًا، الرفض انتقامًا. تراجعت مريم خطوة، وكاد المصباح يخفت. مدّت ليان يدها نحوها، لكن اللفافة شدّتها بعنف، كأن كل كتابة في المكان تطالب بحكمٍ نهائي. قالت نائلة بصعوبة: “هذا ليس حوارًا فقط. إنه جرٌّ إلى أول لحظة رفض.” قال مِرآب: “كل حوارٍ يأتي بعد الرفض اعتذارٌ متأخر. والاعتذار المتأخر يريد من الجرح أن يصبح مهذّبًا.” رفع آدم الخاتم، فرسم حدًّا بين الأربعة والمرآة. لكن الحد ارتدّ كخطٍّ من ماء، لأن مِرآب لم يتجاوز المسافة؛ كان داخل الصدى نفسه. لم يدخل إليهم، بل جعلهم يسمعون ما في جذورهم من خوفٍ غير مصالَح. فهم آدم أن الحماية بالقوة لن تنجح هنا. الحد الذي يمنع الأذى لا يكفي حين يكون الأذى جزءًا من الهواء. خفض يده. قال: “الحدّ ليس لإنكار الغضب، بل لمنع الغضب من أن يصبح سيدًا.” هدأت حلقةٌ صغيرة حولهم. رفعت مريم المصباح، لكنها لم تسلّطه على مِرآب. وجّهته إلى الأرض غير الموجودة تحت أقدام الأصوات. ظهر لكل صوتٍ ظلٌّ رقيق، كأن الضوء منح النداءات موضعًا بدل أن يعرّيها. قالت: “الضوء ليس محكمة. قد يكون مكانًا يُرى فيه الألم دون أن يُساق إلى العار.” توقفت بعض الأفواه الصغيرة في جسد مِرآب عن الارتجاف. فتحت ليان اللفافة، وتركتها تسقط من ساعدها إلى الفراغ. لم تكتب حكمًا، بل مساحةً فارغة محاطةً بعبارةٍ واحدة: “ما سبق اللغة لا يُجبر على هيئة اللغة.” ثم أضافت: “النص العادل يبدأ بالإنصات لا بالتسمية.” انفصلت شظيةٌ من كتف مِرآب وسقطت، فخرج منها بكاءٌ قديم، ثم صار بخارًا. أما نائلة، فتقدّمت حتى صار الخط الفضي في خدها يعكس المرآة المكسورة. قالت: “الرفض الأول ظلم. لكن تحويل كل قبولٍ لاحق إلى كذبٍ يجعل الظلم أبديًّا. المظلوم لا يسترد حقّه حين يصير العالم كله قفصًا.” ارتجّ القرار كله. الأصوات التي كانت تردد “لم يسمع أحد” بدأت تختلط بجملةٍ أخرى لم تكتمل: “سُمِع الآن...” لكن مِرآب ضرب المرآة بيده الشظوية، فعاد الصدى أعتى. “الآن ليس حينها.” كانت الجملة كافيةً لتمزيق الضوء. انطفأت حواف المصباح، وانكمش حد آدم، وتيبست اللفافة، وجرح الخط الفضي خد نائلة من جديد. صار مِرآب أعلى، لا لأنه كبر، بل لأن الماضي نفسه وقف خلفه. قال مِرآب: “القبول المتأخر لا يصل إلى الطفل الذي صرخ. التصديق المتأخر لا يغيّر بابًا ظل مغلقًا. الذاكرة المختارة تقتل النسخة التي انتظرت جوابًا. لذلك لا بدّ من ذاكرةٍ كاملة. لا حذف. لا تخفيف. لا عفو. لا اختيار.” انفتحت المرآة الهائلة، وظهرت داخلها المدينة كلها: مجلس الأسماء، دار الموازين، مكتبة سليم، سوق الأسماء المستعارة، العتبات، الأبواب، الوجوه، الأطفال، النداءات. بدأت الشظايا تميل نحوها كأنها تستعد لسكب قرار الصدى فوق العالم. لو حدث ذلك، فلن ينسى أحدٌ شيئًا، ولن تُشفى ذاكرةٌ أبدًا. سيعيش الجميع داخل أول جرحٍ وقع لهم، وسيصير الإنصات عقوبةً لا رحمة. فتح الكتاب الأسود بقوةٍ من تلقاء نفسه. لم يظهر خط سليم وحده، بل خطوط كثيرة، كأن من سُمِعوا ومن لم يُسمَعوا كتبوا معًا: “لا تُغلق المرآة بكسرها. ولا تُفتح بتركها تبتلع العالم. ابحثوا عن النداء الأول في صدره.” نظر الأربعة إلى حفرة مِرآب. في قلبها دار النداء بلا كلمات. لم يكن غضبًا بعد، ولا اسمًا، ولا حجةً. كان صوتًا صغيرًا، عاريًا، لم يصل إلى أحد. كل الشظايا، كل السيطرة، كل النقاط السوداء، كل الأسواق الملوثة، كل الرغبة في ذاكرةٍ لا تختار، كانت قشرةً حول ذلك الصوت. اقترب آدم خطوة، فهاجت الشظايا حوله. رسم الخاتم حدًّا ضيقًا لا حول مِرآب، بل حول النداء في صدره، حتى لا تلتهمه المرآة. اقتربت مريم، وأرسلت ضوءًا خافتًا إلى الحفرة، لا ليكشفها كلها، بل ليمنح الصوت حق الظهور دون عري. مدّت ليان اللفافة، ورفضت أن تكتب اسمًا لذلك الصوت. تركت الصفحة بيضاء، شاهدةً على ما لم يجد لغة. ثم تقدّمت نائلة، والرفض في وجهها بلا انتقام، وقالت: “لا يُدان النداء. يُمنع السجن الذي بُني حوله.” عندها صدر من مِرآب صوتٌ واحد، واضحٌ للمرة الأولى. لم يكن كلمة. كان شهقةً قديمة. شهقة طفلٍ أو ذاكرةٍ أو اسمٍ لم يُجب. انحنت الأصوات في قرار الصدى، لا خضوعًا، بل تعرّفًا. لكن المرآة لم تستسلم. الشظايا صرخت جميعًا: “فات الأوان.” وامتدّت يد مِرآب نحو المدينة المنعكسة، محاولةً فتح الصدى على كل الأسماء دفعةً واحدة. تصاعد الضوء والظلام معًا، واهتزّ الباب الأسود خلفهم كأنه يستعد للإغلاق. وفي اللحظة التي كاد فيها القرار يفيض، ظهر على الصفحة البيضاء في لفافة ليان حرفٌ واحد، لا يعرفه أحد، لكنه جعل النداء الأول يتوقف عن الدوران.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الأول : الكتاب الذي تنّفس تحت الأصابع

    في الطابق الثالث من مبنى حجرّي عتيق يطّل عىل النهر، كان مركز ترميم المخطوطات يستيقظ قبل المدينة بقليل. ال تصل إليه ضوضاء الشوارع إال بعد أن تفقد حّدتها عىل الساللم العريضة، فتغدو همًسا بعيًدا، كأّن العالم في الخارج ال يجرؤ عىل رفع صوته قرب األوراق التي نجت من الحرائق والرطوبة وأيدي السنين. هناك، بين خزائن زجاجية محكمة .اإلغالق وطاوالت طويلة مغّطاة بقماش قطنّي أبيض، كانت ليان السالمي تبدأ نهارها كما يبدأ العابد صالًة ال ُتقال كانت ليان في الثانية والثالثين، ذات وجه هادئ ال يفيض بتعبير سريع، وعينين واسعتين بلون العسل الداكن، اعتادتا قراءة ما ال يراه اآلخرون: أثر إصبع قديم عىل هامش صفحة، انحناءة حبر جّف قبل قرون، تمّزق صغير يدّل عىل خوف عابر، أو بقعة ماء تشبه دمعة سقطت من قارئ مجهول. لم تكن كثيرة الكالم، غير أّن صمتها لم يكن جفاًء؛ كان أشبه ة، وفي حركتها اقتصاد، وفي قلبها حنان بباب خشبّي عتيق، ال يفتح إال لمن يعرف كيف يطرق برفق. في حديثها د ّق .غامض لألشياء التي يظّن الناس أّنها انتهت درست ليان علوم المخطوطات والترميم في القاهرة، ثم عادت إىل مدينتها الساحلية الصغيرة ل

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الثاني: أثٌر علي حافة النهر

    ظّل السطر األخير عالًقا عىل زجاج الخزانة كما لو أّنه لم ُيكتب عىل الورق وحده، بل عىل الهواء أيًضا. لم تقترب ليان فيقتان بين الحركة والترّدد، كأّن جسدها سبق عقلها إىل فهماللحظة األوىل. وقفت في منتصف المختبر ويداها معّلالخطر، ثم عجز عن إقناعه. كان المطر يزداد عىل النوافذ العالية، فيحّول ضوء الصباح إىل رماد المع، وتبدو قطراته.كحروف صغيرة تتدافع فوق الزجاج من غير معنى ظاهراقتربت أخيًرا من الخزانة الثالثة. لم يكن الباب مفتوًحا، ولم يكن القفل مكسوًرا، ومع ذلك كان الكتاب مفتوًحا فيالداخل عىل صفحة جديدة. الكلمات التي ظهرت قبل قليل ما تزال هناك، سوداء دقيقة، وفي نهايتها فراغ طويل كأّنالجملة تو ّقفت عند حافة هاوية. لم تمّد يدها فوًرا. اكتفت بالنظر، ثم التقطت صورة للصفحة بكاميرا التوثيق، ودّونتفي سجّل المالحظات: ”ظهور كتابة غير مفَّسرة عىل صفحة كانت بيضاء. ُيفحص الورق والحبر الحًقا.“ كتبت الجملة.ببرود مهنّي متعّمد، لكّن يدها لم تستطع إخفاء ارتجافة صغيرة عند النقطة األخيرةفتحت الخزانة، وأخرجت الكتاب بحذر، ثم وضعته عىل الحامل المبّطن. كان الغالف أكثر برودة من قبل، أو لعّلأصا

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الثالث: بيت الساعات

    بقيت الجملة على صفحة الكتاب كأّنها ال تريد أن تهدأ: ”اقترب الإسم، فاستيقظ الخوف.“ لم يكن الحبر ثابًتا تماًما؛ كانا خفيًفا، كظّل شمعة في ممّر طويل. جلست ليان تحت قوس الجسر لحظة، وقد انحسريرتجف عند أطرافه ارتجا ًفضوء الغروب عن الماء، وبدأت المصابيح القديمة عىل الضفة تستيقظ واحًدا بعد آخر. كان اسم آدم، المكتوب فيالورقة الصفراء، أثقل من كلمة عادية. لم يكن اسًما فحسب، بل مفتاًحا وضعته العجوز في يدها ثم اختفت، كأّنه لم يكن إلا ومضة من ذاكرة المدينةالظهور كّلأغلقت ليان الكتاب بعناية، وأعادت الورقة إىل جيب معطفها الداخلي. لم يكن البرد شديًدا، غير أّن رعشة دقيقة سرتفي أطرافها. عىل الجسر، حيث ظهر الرجل قبل قليل، ازدحم الماّرة قلياًل، ولم يبَق أثر لقامته أو للدفتر األسود الذيلمحته في يده. كانت الساعة المتو ّقفة تعلو البرج الصغير، تشير إىل الرابعة وسبع عشرة دقيقة، وكأّن الزمن في ذلك.الموضع رفض أن يتقّدم منذ الحريق القديمسارت ليان بمحاذاة النهر نحو حّي الصفصاف. كّلما ابتعدت عن الجسر، قّل صخب الباعة، وازدادت األزقة ضيًقاا بالعتمة. كانت واجهات الدكاكين تغلق أبوابها الخشبية، والم

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الرابع: الطارق عند العتبة

    تجّمد الصمت في بيت الساعات بعد الطرق العنيف، ثم بدأ يتشقق تحت رنين خافت صدر من الجدران. لم تتحركالعقارب، لكنها ارتجفت في أماكنها كأّن الزمن نفسه شعر بمن يقف خلف الباب. وضعت ليان يدها فوق الكتاب،.بينما ظّل آدم واقًفا بين الطاولة والممّر، وجهه شاحًبا وعيناه مثبتتين عىل العتمة الممتدة نحو المدخل“.عاد الصوت من الخارج، أثقل وأقرب: ”فتح الباب أهون من كسره. الكتاب عاد، والعهد ال ينتظرلم يبُد آدم مندهًشا من العبارة، بل بدا كمن كان يتوقعها منذ سنوات ويكره لحظة تحققها. انحنى بسرعة، وأخرج منا نحاسًيا صغيًرا، ثم ضغط عىل زر مخفي في جانبه. انزاح لوح خشبي في الجدار الخلفي للمكتبة،أسفل الطاولة صندو ًق.فكشف عن فجوة ضيقة مبطنة بالقماش“.قال بصوت منخفض: ”ال يبقى الكتاب ظاه ًرانظرت ليان إىل الفجوة، ثم إىل الغالف األسود. كان الكتاب ساكًنا عىل نحو يثير الريبة، كأنه ينتظر القرار. لم تضعه في:المخبأ. بد ًال من ذلك فتحته عىل الصفحة األخيرة، فظهر الحبر قبل أن تلمسه“.إخفاء الذاكرة ال يمنع السارق، بل يمنع الشاهد”قرأ آدم الجملة، وارتّد شيء في عينيه بين الخوف والغضب. في الخارج ارتفع الطرق مرة

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل الخامس: غرفة الورق الصامت

    لم يتوقف المطر بعد خروجهما من الزقاق الخلفي. كان خفيفًا، متقطعًا، كأنّ السماء لا تريد أن توقظ المدينة كلها، بل تكتفي بغسل آثار الهرب عن حجارة الطريق. خلفهما ظلّ بيت الساعات قائمًا في عتمته، تعلوه الساعة الكبرى وقد تجاوزت الرابعة وسبع عشرة دقيقة إلى الثامنة عشرة، ثم جمدت هناك كجرح انتقل خطوة واحدة داخل الزمن ولم يبرأ. سارت ليان بمحاذاة الجدار، والحافظة مشدودة إلى صدرها. كان الكتاب داخلها ساكنًا، لكن سكونه لم يعد يطمئن. بدا ككائن حيّ أغلق عينيه بعد أن قال أكثر مما ينبغي. إلى جوارها، سار آدم بخطوات متزنة ظاهرًا، غير أن ارتجاف أصابعه كان يفضح اضطرابًا عميقًا. لم يكن الهرب من حارث ورجاله هو ما كسر صمته، بل جملة الكتاب: “في الحريق لم تمت الأم. فُتحت البوابة، وأُخذت الكلمة الأولى.” كانت الجملة تسير معهما، تتقدمهما أحيانًا وتلتف حولهما أحيانًا أخرى. كلما انعكس ضوء مصباح على وجه آدم، ظهر فيه أثر رجل عاد من موتٍ قديم ولم يجد سوى سؤال ينتظره عند الباب. قال بصوت متهدّج: “بيت الساعات لم يعد آمنًا.” أجابت ليان من غير أن تبطئ: “مركز الترميم أكثر هدوءًا في هذا الوقت. الأرشيف الداخلي لا يدخله أحد بعد

  • ذاكرة الكلمات المفقودة   الفصل السادس: البرتقالة العمياء

    اقتربت خطوات حارث في ممرّ دار الذاكرة كأنّها عدّاد قديم يُحصي ما تبقّى من الوقت. لم تكن عالية، لكنها ثابتة، وكل خطوة منها كانت تمنح الصمت شكلًا أثقل. في غرفة الورق الصامت، وقف آدم قرب الخزانة المعدنية، والصندوق المسطح بين يديه، بينما كانت ليان تراقب شاشة الدخول الصغيرة وقد انطفأ اسم حارث العوّاد عنها، ثم عاد يظهر في السطر التالي: “الممر الشرقي.” لم يكن بين الممر الشرقي وغرفة الورق الصامت سوى بابين وممر قصير. عرفت ليان ذلك بدقة، كما يعرف المرمم موضع الشقّ الخفي في ورقة عتيقة. أطفأت المصباح، فانزلق الظلام فوق الطاولة والجدران المبطنة، وبقي الضوء الأزرق الخافت من الشاشة يرسم حدود وجه آدم. كان شحوبه أقلّ هدوءًا من قبل، كأنّ الذاكرة التي استيقظت باسم مريم جعلت الخوف أكثر شخصية. قال بصوت منخفض: “المخرج الخلفي؟” أشارت ليان إلى باب جانبي ضيق خلف ستارة سميكة مخصصة لعزل الغبار. “ممر الخدمة. يفضي إلى مستودع التجفيف، ثم إلى الساحة الداخلية.” تحرّكا بسرعة محسوبة. لم يركضا بعد؛ فالركض في مبنى مثل دار الذاكرة يوقظ أجهزة وأبوابًا وحساسات لا لزوم لها. مرّا عبر الممر الجانبي، والكتاب داخل الصندوق بين

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status