Se connecterظلّ الشقّ الأبيض فوق حجر التداول مضيئًا، رفيعًا كخيط فجرٍ نجا من ليلٍ عتيق. لم يهلّل السوق، ولم يندفع أهله إلى الفرح؛ فالأماكن التي عاشت طويلًا تحت سلطان الخوف لا تتعلّم الطمأنينة دفعةً واحدة. غير أنّ شيئًا عميقًا تبدّل في الهواء. الهمس الذي كان يردّد “بديل” انكسر، وتفرّق إلى كلماتٍ صغيرة لا تزال تخشى نفسها: “مهلة”، “اختيار”، “عودة”، “شاهد”. كانت الكلمات تمشي بين الدكاكين مثل أطفالٍ خرجوا من مخبأٍ بعد حصار. وقفت مريم قرب الحجر، والمصباح الأبيض في يدها أكثر هدوءًا. لم يعد ضوؤه سيفًا يكشف العتمة، بل صار قنديلًا يعلّمها حدودها. رأت المرأة الفضية التي استعارت اسم “ليلى” جالسةً عند حافة الحوض، تستعيد ذكرياتها الثلاث كما يستعيد الغريق أنفاسه: رائحة الخبز، صوت الباب الخشبي، وملمس اليد التي كانت تمشّط شعرًا. لم يشتعل وجهها فجأة، ولم يثبت الاسم حول عنقها تمامًا، لكنه لم يعد سلسلةً ضيقة. صار وشاحًا هشًّا، قابلًا للحلّ والاختيار. أمّا الملتقطون، فقد انقسموا. بعضهم أخذ يفتح الزجاجات ويعيد الذكريات إلى أصحابها، لا برحمةٍ كاملة، بل بفزعٍ من عقودٍ صارت تقرأ نفسها بصوتٍ عالٍ. بعضهم فرّ في الأزقة حاملًا أقنعةً متراكبة لم تعد تخفي ارتجافه. وبعضهم جلس أمام دكانه كمن اكتشف أنّ التجارة التي أطعمته قرونًا كانت تلتهم اسمه في السر. جامع الحواف الذي حمل أسماء “مراد” و“آمن” وقف صامتًا عند مدخل الدائرة، وقناعه بين يديه. تحته لم يظهر وجهٌ واضح، بل حافة وجهٍ فقط، كأن كثرة الأسماء المستعارة أكلت ملامحه. قال بصوتٍ مكسور: “إن صار كل شيءٍ اختيارًا، فماذا يبقى لمن عاش ملتقطًا؟” أجابه آدم، والخاتم النحاسي ساكنٌ في يده: “يبقى حدٌّ جديد. لا يأخذ بالقوة، ولا يبيع الخوف باسم الرحمة. ومن لا يعرف اسمًا لنفسه، لا يحق له أن يسرق أسماء الآخرين ليصير كاملًا.” لم يكن الجواب عزاءً، لكنه كان بداية قانون. وفي السوق السفلى، كان القانون الجديد أندر من الذهب وأثقل من الغفران. اقتربت ليان من العقود التي حوّلتها اللفافة. كانت معلّقة في الهواء كطيورٍ حمراء العروق، تتبدّل عباراتها كلما مرّ أمامها صاحب اسمٍ مستعار. لم تعد تقول “دينًا مفتوحًا”، بل “مدة معلومة”. لم تعد تقول “استحقاقًا عند العجز”، بل “مراجعة عند الضعف”. ولم تعد تستعمل كلمة “قبول” حين يصمت الجريح. كتبت اللفافة فوق كل عقدٍ بخطٍّ ثابت: “الصمت بابٌ مغلق، لا توقيع.” لمست ليان إحدى العبارات، فشعرت بنبضٍ خافت في ساعدها. لم تكن الكتابة انتصارًا كاملًا؛ فالجرح لم يزل قائمًا، والحاجة لم تختفِ، والأسماء الضائعة لم تعد كلها إلى أصحابها. لكنها أدركت أن النص العادل لا يمحو الألم، بل يمنع الألم من أن يصير حاكمًا. كان هذا درسها الأعمق منذ بدأت الرحلة: الكلمة لا تنقذ لأنها جميلة، بل لأنها دقيقة في موضع الظلم. أما نائلة، فبقيت إلى جانب الشق الأبيض في الحجر. الخط الفضي على خدها لم يعد ندبةً ساكنة؛ صار طريقًا رقيقًا يصل بين عينها ويدها. أحسّت أن شيئًا من دار الموازين انكسر فيها دون أن تتحطّم. لقد عاشت عمرًا وهي تعرف الأوزان، ثم تمرّدت على الميزان، ثم ظنّت أن كل وزنٍ خيانة. والآن، أمام حجر التداول، فهمت أن الخطر ليس في القياس وحده، بل في ادّعاء أنّ كل شيءٍ قابلٌ للقياس. قالت لنفسها بصمتٍ صار مسموعًا في داخلها: بعض الأشياء لا توزن، لكنها تُحمى؛ وبعض الأشياء لا تُحمى إلا إذا رُفض وزنها. رفعت رُؤى رأسها نحو سقف السوق، حيث كانت أسماءٌ منتهية المدة معلّقة كأغشيةٍ شفافة. منذ انطفأت نقطة مِرآب، صار اسمها يظهر ويخفت بإيقاعٍ أقل اضطرابًا. “رُؤى” لا يزال ناقص الجذور، لكن حروفه لم تعد تتساقط. اقتربت منها مريم، ورأت في عينيها ما يشبه طلوع ضوءٍ لا يعرف إن كان يحق له أن يطلع. قالت رُؤى: “السوق سيتعلم ببطء. من عاش بالاستعارة لا يستطيع أن يصبح أصيلًا بين ليلةٍ واحدة.” قالت مريم: “والأصالة نفسها قد تكون قاسية إن جاءت بلا مأوى.” ابتسمت رُؤى ابتسامةً صغيرة. “لذلك لا يزال الحجر قائمًا.” كان آدم ينظر إلى الكتاب الأسود. منذ لحظة عزل النقطة، ظلّت صفحاته صامتة على نحوٍ غير مريح. اعتاد أن يأتي خط سليم حين تضيق الطرق، أما الآن فالصمت بدا كأنه يخفي بابًا أعمق. فتح الغلاف أكثر، فظهرت الصفحة التي عزلت عليها النقطة: بقعةٌ سوداء صغيرة محاطة بجملة ليان: “أثرٌ معزول، لا باب له.” لكن حول العبارة ظهرت دوائر دقيقة، كتموّجات ماءٍ بعد سقوط حجر. لم تكن النقطة تتحرك، غير أن أثرًا بعيدًا يشدّها من مكانٍ آخر. قال آدم: “مِرآب لم يخسر إلا إصبعًا.” تجمّع الثلاث حوله. ظهرت على الصفحة كتابةٌ باهتة، ليست بخط سليم وحده. كان الخط يرتجف بين أكثر من يد، كأن الذاكرة نفسها تحاول النطق: “النقطة لم تكن عينًا. كانت أذنًا. سمع بها السوق، فلما عُزلت، أغلق الأصل باب الغضب.” أضاء المصباح بارتجافةٍ قصيرة. قالت مريم: “الباب الذي سمع صداه.” أومأت رُؤى. “ليس في السوق. أعمق.” قالت نائلة: “تحت المدينة السفلى؟” لم تجب رُؤى فورًا. التفتت إلى الممرات التي خرجوا منها، ثم إلى الحجر، ثم إلى الأسماء التي بدأت تصطفّ للمراجعة. بدا عليها صراعٌ صامت؛ فهي دليلٌ من المدينة، لكنها أيضًا اسمٌ لم يُمنح، وسوق الأسماء المستعارة هو أول مكانٍ لم يعد ينكر نقصها. قالت أخيرًا: “تحت المدينة السفلى طبقة لا يسكنها إلا ما رفضت الذاكرة دفنه وما عجز النسيان عن ابتلاعه. يسمّيها مجلس الأسماء: قرار الصدى.” تبدّلت ملامح ليان. “قرار الصدى؟” “هناك لا تعيش الأسماء، بل آثار النداءات الأولى. كل اسمٍ قيل قبل أن يُفهم، كل صرخةٍ سبقت معناها، كل نداءٍ ضاع قبل أن يجد صاحبه. مِرآب ليس اسمًا كما ظننتم. إنه مرآةٌ انكسرت تحت أول نداءٍ مرفوض. جمع حوله كل صوتٍ لم يُصدَّق، ثم صار يريد ذاكرةً لا تختار؛ ذاكرةً تردّد كل شيءٍ كما هو، بلا رحمةٍ ولا نسيان.” صمت الأربعة. كان الاكتشاف أكبر من تهديدٍ جديد. مِرآب لم يكن طامعًا في السيطرة وحدها؛ كان كائنًا مولودًا من رفضٍ قديم، من نداءٍ لم يجد جوابًا، ومن غضبٍ اعتبر الاختيار خيانةً لأن الاختيار تركه خارج العالم. لذلك كان يكره العهود؛ لأنها تقوم على قبولٍ ورفض. ويكره الأسماء الأصلية؛ لأنها تمنح موضعًا. ويستعمل السوق؛ لأن الاستعارة المذعورة تشبه ذاكرته: بقاءٌ بلا طمأنينة. فتح الكتاب الأسود مرةً أخرى. هذه المرة ظهر خط سليم واضحًا، وإن كان محاطًا بظلالٍ رمادية: “إلى قرار الصدى لا ينزل إلا من حمل حدًّا لا يجرح، وضوءًا لا يفضح، ونصًّا لا يستعبد، ورفضًا لا ينتقم. هناك ينتظر الباب المغلق. وهناك لا تكفي القوة.” مرّت العبارة فيهم كوصية. عرف كل واحدٍ أن الكلمات الأربع تشير إليه، لكنها لا تثبته في صورةٍ نهائية. آدم ليس الحد وحده، ومريم ليست الضوء وحده، وليان ليست النص وحده، ونائلة ليست الرفض وحده. لقد تغيروا بما حملوه معًا. كان عليهم أن يدخلوا المواجهة الأخيرة لا كأدواتٍ منفصلة، بل كعهدٍ حيّ. تحرّكت رُؤى نحو حجر التداول، ووضعت يدها فوق الشق الأبيض. اهتزّ اسمها على جبينها، ثم نزل منه حرفٌ صغير يشبه بذرة نور. دخل الحرف في الحجر، فاتسع الشق قليلًا وانبثق منه درجٌ ضيّق، لا يهبط إلى الأرض بل إلى صوتٍ أعمق من الأرض. كان الدرج مصنوعًا من نداءاتٍ قديمة، كل درجةٍ تنطق باسمٍ مرةً واحدة ثم تصمت. قالت رُؤى: “هذا الطريق لا يظهر إلا إذا صار السوق قادرًا على الاختيار. قبل ذلك، كان حجر التداول يغطيه بالديون.” نظرَت مريم إليها. “هل تنزلين معنا؟” ارتعشت رُؤى. لم يكن السؤال دعوةً عابرة، بل اعترافًا بأنها صارت جزءًا من الطريق. غير أن السوق خلفها كان يناديها أيضًا؛ لا كسلعةٍ ولا كدليلٍ فحسب، بل كشاهدٍ على قانونٍ جديد. مرّت امرأة “ليلى” قربها، ثم الهيئة الصغيرة التي تحمل مقطع “أم”، ثم الاسم الطويل الذي استعاد نهايته الأولى ولم يعرف بعد كيف يحمل موطنه المحترق. كلهم نظروا إلى رُؤى كما ينظر الناجون إلى أول كلمةٍ تُكتب بعد الكارثة. قالت رُؤى ببطء: “لو نزلت، بقي السوق بلا شاهدٍ يعرف معنى الاسم غير الممنوح. ولو بقيت، فقد يفقد الطريق عينًا تعرف المدينة.” فتح آدم الكتاب الأسود، فظهر سطرٌ قصير بخط سليم: “ليست كل وداعاتٍ غيابًا. بعض الشهود أبوابٌ من بعيد.” ابتسمت رُؤى، وهذه المرة ثبت اسمها ثلاث نبضات. مدت يدها إلى ليان، فوضعت في كفها خيطًا شفافًا من اسمها. “إذا ضلّ النص في قرار الصدى، سيهتز هذا الخيط. لا يدلّ على الطريق، بل على السؤال الصحيح.” ثم التفتت إلى نائلة، ولمست الخط الفضي على خدها. “إذا عرض مِرآب ميزان المظلوم، فتذكّري أن الظلم لا يصير عدلًا لأنه تألم.” وأمام مريم، انحنت قليلًا نحو المصباح. “إذا صار الضوء قاسيًا هناك، اخفضيه. بعض الحقائق لا تُرى إلا حين لا تُهاجَم.” أما آدم، فنظرت إلى خاتمه طويلًا. “إذا طلب الباب اسمًا للدخول، فلا تمنحه اسم أحدٍ. الأبواب الغاضبة تأكل الأسماء التي تُقدَّم لها.” لم تكن الكلمات وداعًا كاملًا، لكنها وضعت مسافةً مقدسة بين من يبقى ليحرس التحول ومن ينزل ليواجه الأصل. تراجعت رُؤى إلى جانب الحجر، وبدأت تنادي الأسماء المستعارة واحدًا واحدًا للمراجعة. كلما نادت اسمًا، ظهر على جبينها ضوءٌ خفيف، كأنها تمنح نفسها بقدر ما تمنح الآخرين حق السؤال. اصطف الأربعة عند رأس الدرج. السوق خلفهم لم يعد سوقًا كما دخلوه. القناديل الزرقاء صارت أفتح، والدكاكين ذات الأفواه المفتوحة أغلقت أسنانها، واللافتات تبدلت ببطء: “استعارة بشاهد”، “ذاكرة مستردة”، “مهلة بلا دين”، “اسم مؤقت بحق عودة”. لم يتحول المكان إلى حديقة، لكنه كفّ عن الادعاء بأن القفص بيت. وهذا وحده كان ثورةً في مدينةٍ من أسماءٍ جريحة. هبط آدم الدرجة الأولى، فسمع اسمًا قديمًا يقول نفسه ثم يتلاشى. هبطت مريم خلفه، فصار المصباح دائرةً صغيرة تحمي الظلام من أن يصير فمًا. تبعتها ليان، والخيط الشفاف من رُؤى ملتفٌّ حول اللفافة. ثم نزلت نائلة، وخدها الفضي يلمع لا كجرحٍ مفتوح، بل كعلامةٍ على نجاةٍ رفضت أن تتحول إلى قسوة. مع الدرجة السابعة، اختفى السوق فوقهم، وبقي صوته رقيقًا بعيدًا: “اختيار.” ومع الدرجة الثالثة عشرة، ظهر في العمق بابٌ أسود عظيم، لا مقبض له ولا نقش، لكنه ينبض بغضبٍ مكتوم. ومن خلفه جاء صوتٌ لا يشبه الكلام، بل يشبه نداءً قديمًا لم يجبه أحد. توقّف الأربعة أمام الباب. في الكتاب الأسود ظهر السطر الأخير من الفصل كأنه نُقش قبل وصولهم بزمنٍ طويل: “هنا يقيم مِرآب؛ لا في الظلمة، بل في الصدى الذي لم يُحتمل.”
في الطابق الثالث من مبنى حجرّي عتيق يطّل عىل النهر، كان مركز ترميم المخطوطات يستيقظ قبل المدينة بقليل. ال تصل إليه ضوضاء الشوارع إال بعد أن تفقد حّدتها عىل الساللم العريضة، فتغدو همًسا بعيًدا، كأّن العالم في الخارج ال يجرؤ عىل رفع صوته قرب األوراق التي نجت من الحرائق والرطوبة وأيدي السنين. هناك، بين خزائن زجاجية محكمة .اإلغالق وطاوالت طويلة مغّطاة بقماش قطنّي أبيض، كانت ليان السالمي تبدأ نهارها كما يبدأ العابد صالًة ال ُتقال كانت ليان في الثانية والثالثين، ذات وجه هادئ ال يفيض بتعبير سريع، وعينين واسعتين بلون العسل الداكن، اعتادتا قراءة ما ال يراه اآلخرون: أثر إصبع قديم عىل هامش صفحة، انحناءة حبر جّف قبل قرون، تمّزق صغير يدّل عىل خوف عابر، أو بقعة ماء تشبه دمعة سقطت من قارئ مجهول. لم تكن كثيرة الكالم، غير أّن صمتها لم يكن جفاًء؛ كان أشبه ة، وفي حركتها اقتصاد، وفي قلبها حنان بباب خشبّي عتيق، ال يفتح إال لمن يعرف كيف يطرق برفق. في حديثها د ّق .غامض لألشياء التي يظّن الناس أّنها انتهت درست ليان علوم المخطوطات والترميم في القاهرة، ثم عادت إىل مدينتها الساحلية الصغيرة ل
ظّل السطر األخير عالًقا عىل زجاج الخزانة كما لو أّنه لم ُيكتب عىل الورق وحده، بل عىل الهواء أيًضا. لم تقترب ليان فيقتان بين الحركة والترّدد، كأّن جسدها سبق عقلها إىل فهماللحظة األوىل. وقفت في منتصف المختبر ويداها معّلالخطر، ثم عجز عن إقناعه. كان المطر يزداد عىل النوافذ العالية، فيحّول ضوء الصباح إىل رماد المع، وتبدو قطراته.كحروف صغيرة تتدافع فوق الزجاج من غير معنى ظاهراقتربت أخيًرا من الخزانة الثالثة. لم يكن الباب مفتوًحا، ولم يكن القفل مكسوًرا، ومع ذلك كان الكتاب مفتوًحا فيالداخل عىل صفحة جديدة. الكلمات التي ظهرت قبل قليل ما تزال هناك، سوداء دقيقة، وفي نهايتها فراغ طويل كأّنالجملة تو ّقفت عند حافة هاوية. لم تمّد يدها فوًرا. اكتفت بالنظر، ثم التقطت صورة للصفحة بكاميرا التوثيق، ودّونتفي سجّل المالحظات: ”ظهور كتابة غير مفَّسرة عىل صفحة كانت بيضاء. ُيفحص الورق والحبر الحًقا.“ كتبت الجملة.ببرود مهنّي متعّمد، لكّن يدها لم تستطع إخفاء ارتجافة صغيرة عند النقطة األخيرةفتحت الخزانة، وأخرجت الكتاب بحذر، ثم وضعته عىل الحامل المبّطن. كان الغالف أكثر برودة من قبل، أو لعّلأصا
بقيت الجملة على صفحة الكتاب كأّنها ال تريد أن تهدأ: ”اقترب الإسم، فاستيقظ الخوف.“ لم يكن الحبر ثابًتا تماًما؛ كانا خفيًفا، كظّل شمعة في ممّر طويل. جلست ليان تحت قوس الجسر لحظة، وقد انحسريرتجف عند أطرافه ارتجا ًفضوء الغروب عن الماء، وبدأت المصابيح القديمة عىل الضفة تستيقظ واحًدا بعد آخر. كان اسم آدم، المكتوب فيالورقة الصفراء، أثقل من كلمة عادية. لم يكن اسًما فحسب، بل مفتاًحا وضعته العجوز في يدها ثم اختفت، كأّنه لم يكن إلا ومضة من ذاكرة المدينةالظهور كّلأغلقت ليان الكتاب بعناية، وأعادت الورقة إىل جيب معطفها الداخلي. لم يكن البرد شديًدا، غير أّن رعشة دقيقة سرتفي أطرافها. عىل الجسر، حيث ظهر الرجل قبل قليل، ازدحم الماّرة قلياًل، ولم يبَق أثر لقامته أو للدفتر األسود الذيلمحته في يده. كانت الساعة المتو ّقفة تعلو البرج الصغير، تشير إىل الرابعة وسبع عشرة دقيقة، وكأّن الزمن في ذلك.الموضع رفض أن يتقّدم منذ الحريق القديمسارت ليان بمحاذاة النهر نحو حّي الصفصاف. كّلما ابتعدت عن الجسر، قّل صخب الباعة، وازدادت األزقة ضيًقاا بالعتمة. كانت واجهات الدكاكين تغلق أبوابها الخشبية، والم
تجّمد الصمت في بيت الساعات بعد الطرق العنيف، ثم بدأ يتشقق تحت رنين خافت صدر من الجدران. لم تتحركالعقارب، لكنها ارتجفت في أماكنها كأّن الزمن نفسه شعر بمن يقف خلف الباب. وضعت ليان يدها فوق الكتاب،.بينما ظّل آدم واقًفا بين الطاولة والممّر، وجهه شاحًبا وعيناه مثبتتين عىل العتمة الممتدة نحو المدخل“.عاد الصوت من الخارج، أثقل وأقرب: ”فتح الباب أهون من كسره. الكتاب عاد، والعهد ال ينتظرلم يبُد آدم مندهًشا من العبارة، بل بدا كمن كان يتوقعها منذ سنوات ويكره لحظة تحققها. انحنى بسرعة، وأخرج منا نحاسًيا صغيًرا، ثم ضغط عىل زر مخفي في جانبه. انزاح لوح خشبي في الجدار الخلفي للمكتبة،أسفل الطاولة صندو ًق.فكشف عن فجوة ضيقة مبطنة بالقماش“.قال بصوت منخفض: ”ال يبقى الكتاب ظاه ًرانظرت ليان إىل الفجوة، ثم إىل الغالف األسود. كان الكتاب ساكًنا عىل نحو يثير الريبة، كأنه ينتظر القرار. لم تضعه في:المخبأ. بد ًال من ذلك فتحته عىل الصفحة األخيرة، فظهر الحبر قبل أن تلمسه“.إخفاء الذاكرة ال يمنع السارق، بل يمنع الشاهد”قرأ آدم الجملة، وارتّد شيء في عينيه بين الخوف والغضب. في الخارج ارتفع الطرق مرة
لم يتوقف المطر بعد خروجهما من الزقاق الخلفي. كان خفيفًا، متقطعًا، كأنّ السماء لا تريد أن توقظ المدينة كلها، بل تكتفي بغسل آثار الهرب عن حجارة الطريق. خلفهما ظلّ بيت الساعات قائمًا في عتمته، تعلوه الساعة الكبرى وقد تجاوزت الرابعة وسبع عشرة دقيقة إلى الثامنة عشرة، ثم جمدت هناك كجرح انتقل خطوة واحدة داخل الزمن ولم يبرأ. سارت ليان بمحاذاة الجدار، والحافظة مشدودة إلى صدرها. كان الكتاب داخلها ساكنًا، لكن سكونه لم يعد يطمئن. بدا ككائن حيّ أغلق عينيه بعد أن قال أكثر مما ينبغي. إلى جوارها، سار آدم بخطوات متزنة ظاهرًا، غير أن ارتجاف أصابعه كان يفضح اضطرابًا عميقًا. لم يكن الهرب من حارث ورجاله هو ما كسر صمته، بل جملة الكتاب: “في الحريق لم تمت الأم. فُتحت البوابة، وأُخذت الكلمة الأولى.” كانت الجملة تسير معهما، تتقدمهما أحيانًا وتلتف حولهما أحيانًا أخرى. كلما انعكس ضوء مصباح على وجه آدم، ظهر فيه أثر رجل عاد من موتٍ قديم ولم يجد سوى سؤال ينتظره عند الباب. قال بصوت متهدّج: “بيت الساعات لم يعد آمنًا.” أجابت ليان من غير أن تبطئ: “مركز الترميم أكثر هدوءًا في هذا الوقت. الأرشيف الداخلي لا يدخله أحد بعد
اقتربت خطوات حارث في ممرّ دار الذاكرة كأنّها عدّاد قديم يُحصي ما تبقّى من الوقت. لم تكن عالية، لكنها ثابتة، وكل خطوة منها كانت تمنح الصمت شكلًا أثقل. في غرفة الورق الصامت، وقف آدم قرب الخزانة المعدنية، والصندوق المسطح بين يديه، بينما كانت ليان تراقب شاشة الدخول الصغيرة وقد انطفأ اسم حارث العوّاد عنها، ثم عاد يظهر في السطر التالي: “الممر الشرقي.” لم يكن بين الممر الشرقي وغرفة الورق الصامت سوى بابين وممر قصير. عرفت ليان ذلك بدقة، كما يعرف المرمم موضع الشقّ الخفي في ورقة عتيقة. أطفأت المصباح، فانزلق الظلام فوق الطاولة والجدران المبطنة، وبقي الضوء الأزرق الخافت من الشاشة يرسم حدود وجه آدم. كان شحوبه أقلّ هدوءًا من قبل، كأنّ الذاكرة التي استيقظت باسم مريم جعلت الخوف أكثر شخصية. قال بصوت منخفض: “المخرج الخلفي؟” أشارت ليان إلى باب جانبي ضيق خلف ستارة سميكة مخصصة لعزل الغبار. “ممر الخدمة. يفضي إلى مستودع التجفيف، ثم إلى الساحة الداخلية.” تحرّكا بسرعة محسوبة. لم يركضا بعد؛ فالركض في مبنى مثل دار الذاكرة يوقظ أجهزة وأبوابًا وحساسات لا لزوم لها. مرّا عبر الممر الجانبي، والكتاب داخل الصندوق بين