分享

الفصل 4

作者: safia
last update publish date: 2026-07-28 03:52:38

كان يوم الجمعة، اليوم الذي اعتادت فيه عائلة كريم استقبال بعض الأقارب والأصدقاء المقربين لغداء أسبوعي كبير. لم تكن لين تحب هذه الأيام؛ كانت المائدة تتحول فيها إلى مسرح تُعرض فيه مهاراتها الاجتماعية للتقييم، وكانت أم كريم دائماً أول من يتولى دور الناقد.

جلست لين بجانب والد كريم كعادتها، بينما توزعت أم كريم النظرات على الضيوف بابتسامة مصطنعة، قبل أن تستقر عيناها على لين.

“لين، عزيزتي…” بدأت أم كريم بصوت حلو ظاهرياً، لكن فيه حدة مألوفة. “أخبريني، كيف كانت حياتك قبل أن… تنضمي إلينا؟”

شعرت لين بالنظرات تتجه نحوها. عرفت أن هذا السؤال لم يكن بريئاً. “كنت أعيش حياة بسيطة يا خالتي، مع والدي، قبل أن يتوفى.”

“بسيطة…” كررت أم كريم الكلمة وكأنها تتذوقها، ثم التفتت لإحدى الضيفات بابتسامة عريضة. “تخيلي يا سميرة، من بيت بسيط جداً، إلى هذا كله.” أشارت بيدها إلى الصالة الفخمة من حولها. “لا بد أن الأمر كان أشبه بحلم بالنسبة لها.”

ضحكت بعض الضيفات بأدب مصطنع. شعرت لين بوجهها يسخن قليلاً، لكنها أبقت ابتسامتها ثابتة.

“الحمد لله على كل حال يا خالتي.” ردت بهدوء، محاولة إنهاء الموضوع.

لكن أم كريم لم تكن قد انتهت. “أنا فقط أتساءل أحياناً…” استكملت بنبرة تصنّع التفكير بصوت عالٍ، “كيف تشعرين وأنت تعيشين في بيت بهذا الحجم، بين أشخاص من عالم مختلف تماماً عن عالمك؟ ألا تشعرين أحياناً أنك… خارج مكانك؟”

كان السؤال أشبه بسكين مغلف بالحرير. لمحت لين نظرة أخت كريم “دانة” تتجه إليها بصمت، لا تتدخل، لكنها لم تكن غافلة عما يحدث.

رفعت لين رأسها، ونظرت إلى أم كريم مباشرة. “أشعر أنني في مكاني يا خالتي، طالما أنني أعامل الجميع باحترام، وأتوقع نفس الشيء بالمقابل.”

خيّم صمت قصير على الطاولة. لم تكن هذه الإجابة ما توقعته أم كريم. حاولت التستر على انزعاجها بابتسامة أوسع.

“بالطبع، بالطبع.” قالت أخيراً، وأشاحت بنظرها بعيداً، منتقلة للحديث عن موضوع آخر مع ضيفة أخرى.

لكن والد كريم، الذي كان صامتاً طوال هذا التبادل، وضع يده بلطف على كتف لين تحت الطاولة، بإيماءة صغيرة لم يلاحظها أحد سواها، كأنه يقول لها: “أحسنتِ.”

بعد انتهاء الغداء وانصراف الضيوف، وجدت لين نفسها وحدها في الحديقة الخلفية، تحاول التقاط أنفاسها بعيداً عن أعين الجميع. لم يمرّ وقت طويل حتى سمعت خطوات تقترب.

كانت أم كريم.

“لست بحاجة لأن تكرهيني يا لين.” قالتها بصوت أهدأ من أي وقت مضى، بلا الجمهور المعتاد من حولها. “أنا فقط… لا أثق بسهولة. رأيت الكثير من النساء يدخلن هذا البيت طمعاً بما فيه.”

“أنا لست منهن.” قالت لين بصوت هادئ لكنه حازم. “لم أطلب هذا الزواج يا خالتي، تماماً كما أظن أنك لم تطلبي أن يكون ابنك زوجي.”

توقفت أم كريم للحظة، وكأن كلمات لين لامست شيئاً لم تكن تتوقع أن يُقال بصوت عالٍ. “ماذا تقصدين؟”

“أعرف أن الأمر لم يكن قرارك أنت أيضاً.” أجابت لين بهدوء، دون أن تفصح عن مصدر معرفتها. “ربما نحن الاثنتان محكومتان بقرار لم نخترْه، فقط… لكل منا طريقتها في التعامل معه.”

نظرت إليها أم كريم بصمت طويل، فيه شيء بين المفاجأة والحذر، قبل أن تستدير وتغادر دون أن تضيف كلمة أخرى.

عادت لين إلى الداخل، ومرّت من أمام المرآة الكبيرة في الرواق. توقفت للحظة، تنظر إلى انعكاسها: امرأة واقفة على قدميها، متعبة لكن غير منكسرة.

على الدرج، صادفت “دانة” نازلة، وتوقفت للحظة كأنها تريد أن تقول شيئاً.

“ما قلتيه لأمي في الحديقة…” قالت دانة أخيراً، بصوت أهدأ من المعتاد، “لم يسمعه أحد سواي. لكنه كان… صادقاً. أمي لا تسمع الصدق كثيراً في هذا البيت.”

ابتسمت لين ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة حقيقية منذ أيام. “أحياناً الصدق هو كل ما أملك يا دانة.”

نظرت إليها دانة بشيء يشبه التقدير، قبل أن تكمل طريقها بصمت، تاركة لين تشعر، للمرة الأولى منذ دخولها هذا البيت، أن جداراً صغيراً قد بدأ يتصدع.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 15

    خرج كريم من الحمام، فوجد لين لا تزال جالسة في نفس وضعيتها، ممسكة بكتابها. أخذ هاتفه من طاولة السرير، تفقده بسرعة، وضاقت عيناه للحظة وهو يقرأ الرسالة، قبل أن يضع الهاتف جانباً بحركة سريعة.“سأنزل لأحضر كوب ماء.” قال بنبرة عابرة، وغادر الغرفة.سمعت لين خطواته تبتعد في الرواق، ثم صوت الباب الخارجي يُفتح بعد دقائق قليلة. لم تتحرك من مكانها، ولم تحاول أن تعرف أين ذهب بالضبط، لكنها عرفت، بيقين هادئ لا يحتاج إلى تأكيد، أنه لم يكن ذاهباً لإحضار كوب ماء فقط.عاد بعد ما يقارب الساعتين، متسللاً إلى الغرفة بهدوء ظناً منه أنها نائمة. لم تفتح عينيها، ولم تسأله أين كان. استلقى على أريكته المعتادة دون أن ينبس بكلمة، ورائحة عطر غريب، ليست رائحته المعتادة، علقت في الهواء للحظات قبل أن تتلاشى.في الأيام التالية، لاحظت أم حسن التغيير.“أنتِ هادئة أكثر من المعتاد هذا الأسبوع.” قالت وهي تقدم لها الشاي صباحاً.“أنا بخير.” أجابت لين بابتسامة عابرة، دون أن تشرح أكثر.لم تكن كاذبة تماماً؛ لم تكن حزينة بالمعنى الذي عرفته من قبل، ولا غاضبة بشكل يمكن رؤيته من الخارج. كان شيئاً آخر، أهدأ وأبرد: توقفت ببساطة عن الم

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 14

    مرّت ثلاثة أيام على عرض آدم، ولين لا تزال تقلّب الأمر في ذهنها ليلاً ونهاراً. لم تكن المشكلة في الخوف من الفشل، بل في شيء أعمق: لم تعتد أن تأخذ قراراً كبيراً يخصها وحدها، دون وصية أب، أو ضغط عائلة، أو انتظار موافقة أحد.في صباح اليوم الرابع، وبينما كانت تساعد أم حسن في المطبخ، سألتها المرأة العجوز بلطفها المعتاد: “لا تزالين حائرة بشأن عرض العمل؟”“نعم.” اعترفت لين بصدق. “لا أعرف إن كان قراراً صائباً، أو مجرد هروب من واقعي هنا.”توقفت أم حسن عن عملها، ونظرت إليها بجدية. “ولماذا لا يكون الاثنان معاً يا لين؟ أحياناً أفضل القرارات تبدأ كهروب صغير، قبل أن تتحول لشيء أكبر يخصك أنتِ فقط.”فكرت لين في كلماتها طويلاً بعد ذلك.في المساء، جمعت شجاعتها، ونزلت لتخبر العائلة بقرارها خلال العشاء.“قررت أن أقبل عرض آدم.” قالتها بصوت واضح وثابت، وسط صمت مفاجئ خيّم على الطاولة.كان والد كريم أول من ابتسم. “قرار شجاع يا لين، وأنا فخور بك.”لم تُبدِ أم كريم أي تعليق مباشر، اكتفت بإيماءة رأس صامتة، لكن عينيها حملتا تقييماً صعباً القراءة.أما كريم، فوضع شوكته جانباً ببطء، ونظر إليها مباشرة. “هل فكرتِ جي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 13

    كانت العائلة مجتمعة على مائدة العشاء كعادة كل مساء، حين دخل آدم متأخراً قليلاً، معتذراً بابتسامة عن تأخره بسبب اجتماع عمل.“لا بأس، لا بأس، اجلس.” قال والد كريم بمرح، مشيراً إلى الكرسي الشاغر. “كيف يسير العمل على المشروع الجديد؟”جلس آدم، وبدأ يأكل بضع لقيمات قبل أن يجيب. “في الواقع، هذا بالضبط ما أردت التحدث معكم عنه الليلة.”رفع كريم عينيه من طبقه، مهتماً فجأة. “المشروع مع شركة المستحضرات؟”“نعم.” أومأ آدم. “توصلنا أخيراً لاسم العلامة التجارية، وبدأنا نعمل على الحملة الإعلانية الأولى لإطلاق خط المكياج الجديد.”“هذا رائع.” علّق والد كريم بفخر. “متى الإطلاق؟”“خلال شهرين تقريباً.” أجاب آدم، ثم توقف للحظة، وكأنه يجمع شجاعته لما سيقوله بعد ذلك. نظر نحو لين مباشرة. “في الحقيقة، هناك أمر أردت طرحه الليلة، أمام الجميع.”شعرت لين بنظرات العائلة تتجه نحوها فجأة، وارتبكت قليلاً. “أمر يخصني؟”“نعم.” أكمل آدم بثقة هادئة. “نبحث منذ أسابيع عن وجه للحملة، شخص يعكس جمالاً طبيعياً وحضوراً حقيقياً، لا مصطنعاً. وبعد الحفلة، وبعد لقائنا القصير، أعتقد أنك الخيار الأنسب تماماً لهذا الدور يا لين.”خيّم صم

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 12

    في مكتبها الصغير بمنزل عائلتها، جلست ريم أمام هاتفها، تقرأ رسالة وصلتها للتو من إحدى صديقاتها العاملات في مجلة مايا للأزياء.“سمعت أن مايا عرضت على زوجة كريم العمل كوجه لحملتها الجديدة.” كتبت الصديقة. “هل تعرفين شيئاً عن هذا؟”توقفت أصابع ريم عن الكتابة للحظة. لم تكن قد سمعت بهذا من قبل. شعرت بشيء يشتعل بداخلها — ليس غيرة من الجمال فقط هذه المرة، بل خوفاً حقيقياً من أن تكتسب لين مكانة مستقلة، شيئاً لا تستطيع ريم التحكم فيه أو محوه بسهولة.اتصلت فوراً بصديقتها القديمة، “هبة”، التي كانت تعمل في مجال العلاقات العامة، وتربطها بعائلة كريم معرفة سطحية.“أحتاج معروفاً منك.” قالت ريم بصوت هادئ لكنه محسوب بدقة. “أريدك أن تتأكدي أن اسم مايا وشركتها لن يصلا إلى أي مشروع يخص عائلة كريم قريباً. لدي أسبابي.”“ريم، هذا قد يبدو تدخلاً كبيراً…” تردّدت هبة.“لن يكلفك الأمر شيئاً، فقط كلمة هنا وهناك.” قاطعتها ريم بثقة. “وسأرد لك الجميل حين تحتاجينه.”أغلقت المكالمة بابتسامة رضا خفيفة، وكأنها وضعت أول حجر في خطة لم تكتمل ملامحها بعد في ذهنها.في اليوم التالي، وبينما كانت لين تساعد أم حسن في ترتيب غرفة ال

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 11

    في اليوم التالي للحفلة، جلست العائلة على مائدة الغداء كعادتها، حين طرق باب الصالة، ودخلت ريم بابتسامة واسعة، حاملة صندوق حلوى أنيق.“مررت لأهنئ العائلة على نجاح حفلة الأمس.” قالت وهي تضع الصندوق على الطاولة، ثم جلست دون انتظار دعوة رسمية، في مكان قريب من كريم.رحّب بها والد كريم بلطف كعادته، غير مدرك لطبيعة العلاقة الحقيقية التي تجمعها بابنه. لاحظت لين، كعادتها، كيف تغيّرت نبرة كريم قليلاً في وجود ريم — أكثر استرخاءً، أكثر حديثاً مما هو معتاد على مائدة العائلة.“لين، الفستان الذي ارتديته أمس كان لافتاً حقاً.” قالت ريم فجأة، موجهة كلامها إليها بابتسامة لا تصل إلى عينيها. “لم أكن أعرف أن لديك هذا الذوق.”“شكراً لك.” أجابت لين ببساطة، غير راغبة في الانجرار لأي جدال أمام العائلة.“أعني ذلك حقاً.” أضافت ريم بنبرة متصنعة الود. “فقط… أحياناً أتساءل، ألا تشعرين بالغرابة وأنتِ ترتدين ملابس بهذا الثمن، بينما أتت من خلفية مختلفة تماماً؟”توقفت حركة الشوكة في يد لين للحظة. شعرت بنظرات خفية من حولها، لكنها رفعت رأسها بهدوء. “لا أشعر بالغرابة يا ريم. الملابس مجرد قماش، لا تُعرّف الإنسان بقدر ما يعر

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 10

    كانت القاعة الفخمة مزدحمة بالضيوف حين وصلت عائلة كريم، أضواء الثريات الكبيرة تتلألأ فوق موائد مرتبة بعناية، وموسيقى هادئة تملأ المكان.بمجرد دخول لين، لاحظت نظرات عدة تتجه نحوها، بعضها فضولي، وبعضها معجب بصدق. لم تكن معتادة على هذا القدر من الانتباه، فحاولت أن تبقى قريبة من والد كريم كملاذ آمن وسط الزحام.“لين! تعالي، أريدك أن تقابلي بعض الأصدقاء.” قال والد كريم بفخر واضح، يقودها نحو مجموعة من معارفه.من بعيد، وقفت ريم بجانب طاولة المشروبات، تراقب المشهد بعينين ضيقتين. لم تكن قد توقعت أن تلفت لين كل هذا الانتباه.“من هي بالضبط؟” سألت إحدى صديقات ريم بفضول، وهي تشير نحو لين. “لم أرها من قبل في هذه التجمعات.”“زوجة كريم.” أجابت ريم بنبرة باردة، تحاول إخفاء انزعاجها.“إنها جميلة حقاً.” علّقت الصديقة ببراءة، غير مدركة تأثير كلماتها.ابتسمت ريم ابتسامة مصطنعة، لكن يدها أمسكت كأس الشراب بقوة أكبر مما تطلبه اللحظة. “الجمال ليس كل شيء.” قالتها بجفاء، قبل أن تتجه بخطوات سريعة نحو كريم، الذي كان واقفاً بمفرده قرب النافذة.“تبدو مشغول البال الليلة.” قالت ريم وهي تقترب منه بابتسامة مألوفة.“مجرد

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status