Mag-log inكان يوم الجمعة، اليوم الذي اعتادت فيه عائلة كريم استقبال بعض الأقارب والأصدقاء المقربين لغداء أسبوعي كبير. لم تكن لين تحب هذه الأيام؛ كانت المائدة تتحول فيها إلى مسرح تُعرض فيه مهاراتها الاجتماعية للتقييم، وكانت أم كريم دائماً أول من يتولى دور الناقد.
جلست لين بجانب والد كريم كعادتها، بينما توزعت أم كريم النظرات على الضيوف بابتسامة مصطنعة، قبل أن تستقر عيناها على لين. “لين، عزيزتي…” بدأت أم كريم بصوت حلو ظاهرياً، لكن فيه حدة مألوفة. “أخبريني، كيف كانت حياتك قبل أن… تنضمي إلينا؟” شعرت لين بالنظرات تتجه نحوها. عرفت أن هذا السؤال لم يكن بريئاً. “كنت أعيش حياة بسيطة يا خالتي، مع والدي، قبل أن يتوفى.” “بسيطة…” كررت أم كريم الكلمة وكأنها تتذوقها، ثم التفتت لإحدى الضيفات بابتسامة عريضة. “تخيلي يا سميرة، من بيت بسيط جداً، إلى هذا كله.” أشارت بيدها إلى الصالة الفخمة من حولها. “لا بد أن الأمر كان أشبه بحلم بالنسبة لها.” ضحكت بعض الضيفات بأدب مصطنع. شعرت لين بوجهها يسخن قليلاً، لكنها أبقت ابتسامتها ثابتة. “الحمد لله على كل حال يا خالتي.” ردت بهدوء، محاولة إنهاء الموضوع. لكن أم كريم لم تكن قد انتهت. “أنا فقط أتساءل أحياناً…” استكملت بنبرة تصنّع التفكير بصوت عالٍ، “كيف تشعرين وأنت تعيشين في بيت بهذا الحجم، بين أشخاص من عالم مختلف تماماً عن عالمك؟ ألا تشعرين أحياناً أنك… خارج مكانك؟” كان السؤال أشبه بسكين مغلف بالحرير. لمحت لين نظرة أخت كريم “دانة” تتجه إليها بصمت، لا تتدخل، لكنها لم تكن غافلة عما يحدث. رفعت لين رأسها، ونظرت إلى أم كريم مباشرة. “أشعر أنني في مكاني يا خالتي، طالما أنني أعامل الجميع باحترام، وأتوقع نفس الشيء بالمقابل.” خيّم صمت قصير على الطاولة. لم تكن هذه الإجابة ما توقعته أم كريم. حاولت التستر على انزعاجها بابتسامة أوسع. “بالطبع، بالطبع.” قالت أخيراً، وأشاحت بنظرها بعيداً، منتقلة للحديث عن موضوع آخر مع ضيفة أخرى. لكن والد كريم، الذي كان صامتاً طوال هذا التبادل، وضع يده بلطف على كتف لين تحت الطاولة، بإيماءة صغيرة لم يلاحظها أحد سواها، كأنه يقول لها: “أحسنتِ.” بعد انتهاء الغداء وانصراف الضيوف، وجدت لين نفسها وحدها في الحديقة الخلفية، تحاول التقاط أنفاسها بعيداً عن أعين الجميع. لم يمرّ وقت طويل حتى سمعت خطوات تقترب. كانت أم كريم. “لست بحاجة لأن تكرهيني يا لين.” قالتها بصوت أهدأ من أي وقت مضى، بلا الجمهور المعتاد من حولها. “أنا فقط… لا أثق بسهولة. رأيت الكثير من النساء يدخلن هذا البيت طمعاً بما فيه.” “أنا لست منهن.” قالت لين بصوت هادئ لكنه حازم. “لم أطلب هذا الزواج يا خالتي، تماماً كما أظن أنك لم تطلبي أن يكون ابنك زوجي.” توقفت أم كريم للحظة، وكأن كلمات لين لامست شيئاً لم تكن تتوقع أن يُقال بصوت عالٍ. “ماذا تقصدين؟” “أعرف أن الأمر لم يكن قرارك أنت أيضاً.” أجابت لين بهدوء، دون أن تفصح عن مصدر معرفتها. “ربما نحن الاثنتان محكومتان بقرار لم نخترْه، فقط… لكل منا طريقتها في التعامل معه.” نظرت إليها أم كريم بصمت طويل، فيه شيء بين المفاجأة والحذر، قبل أن تستدير وتغادر دون أن تضيف كلمة أخرى. عادت لين إلى الداخل، ومرّت من أمام المرآة الكبيرة في الرواق. توقفت للحظة، تنظر إلى انعكاسها: امرأة واقفة على قدميها، متعبة لكن غير منكسرة. على الدرج، صادفت “دانة” نازلة، وتوقفت للحظة كأنها تريد أن تقول شيئاً. “ما قلتيه لأمي في الحديقة…” قالت دانة أخيراً، بصوت أهدأ من المعتاد، “لم يسمعه أحد سواي. لكنه كان… صادقاً. أمي لا تسمع الصدق كثيراً في هذا البيت.” ابتسمت لين ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة حقيقية منذ أيام. “أحياناً الصدق هو كل ما أملك يا دانة.” نظرت إليها دانة بشيء يشبه التقدير، قبل أن تكمل طريقها بصمت، تاركة لين تشعر، للمرة الأولى منذ دخولها هذا البيت، أن جداراً صغيراً قد بدأ يتصدع.في اليوم التالي للحفلة، جلست العائلة على مائدة الغداء كعادتها، حين طرق باب الصالة، ودخلت ريم بابتسامة واسعة، حاملة صندوق حلوى أنيق.“مررت لأهنئ العائلة على نجاح حفلة الأمس.” قالت وهي تضع الصندوق على الطاولة، ثم جلست دون انتظار دعوة رسمية، في مكان قريب من كريم.رحّب بها والد كريم بلطف كعادته، غير مدرك لطبيعة العلاقة الحقيقية التي تجمعها بابنه. لاحظت لين، كعادتها، كيف تغيّرت نبرة كريم قليلاً في وجود ريم — أكثر استرخاءً، أكثر حديثاً مما هو معتاد على مائدة العائلة.“لين، الفستان الذي ارتديته أمس كان لافتاً حقاً.” قالت ريم فجأة، موجهة كلامها إليها بابتسامة لا تصل إلى عينيها. “لم أكن أعرف أن لديك هذا الذوق.”“شكراً لك.” أجابت لين ببساطة، غير راغبة في الانجرار لأي جدال أمام العائلة.“أعني ذلك حقاً.” أضافت ريم بنبرة متصنعة الود. “فقط… أحياناً أتساءل، ألا تشعرين بالغرابة وأنتِ ترتدين ملابس بهذا الثمن، بينما أتت من خلفية مختلفة تماماً؟”توقفت حركة الشوكة في يد لين للحظة. شعرت بنظرات خفية من حولها، لكنها رفعت رأسها بهدوء. “لا أشعر بالغرابة يا ريم. الملابس مجرد قماش، لا تُعرّف الإنسان بقدر ما يعر
كانت القاعة الفخمة مزدحمة بالضيوف حين وصلت عائلة كريم، أضواء الثريات الكبيرة تتلألأ فوق موائد مرتبة بعناية، وموسيقى هادئة تملأ المكان.بمجرد دخول لين، لاحظت نظرات عدة تتجه نحوها، بعضها فضولي، وبعضها معجب بصدق. لم تكن معتادة على هذا القدر من الانتباه، فحاولت أن تبقى قريبة من والد كريم كملاذ آمن وسط الزحام.“لين! تعالي، أريدك أن تقابلي بعض الأصدقاء.” قال والد كريم بفخر واضح، يقودها نحو مجموعة من معارفه.من بعيد، وقفت ريم بجانب طاولة المشروبات، تراقب المشهد بعينين ضيقتين. لم تكن قد توقعت أن تلفت لين كل هذا الانتباه.“من هي بالضبط؟” سألت إحدى صديقات ريم بفضول، وهي تشير نحو لين. “لم أرها من قبل في هذه التجمعات.”“زوجة كريم.” أجابت ريم بنبرة باردة، تحاول إخفاء انزعاجها.“إنها جميلة حقاً.” علّقت الصديقة ببراءة، غير مدركة تأثير كلماتها.ابتسمت ريم ابتسامة مصطنعة، لكن يدها أمسكت كأس الشراب بقوة أكبر مما تطلبه اللحظة. “الجمال ليس كل شيء.” قالتها بجفاء، قبل أن تتجه بخطوات سريعة نحو كريم، الذي كان واقفاً بمفرده قرب النافذة.“تبدو مشغول البال الليلة.” قالت ريم وهي تقترب منه بابتسامة مألوفة.“مجرد
“حفلة تقاعد أحد كبار شركاء أبي.” قالت دانة وهي تدخل غرفة لين بلا استئذان مسبق، حاملة عدة أكياس تسوق. “وأمي أصرّت أن يحضر الجميع، بمن فيهم أنتِ، بلا أعذار هذه المرة.”رفعت لين حاجبها. “بلا أعذار؟ هذا غير معتاد منها.”“أظن أنها تريد التأكد أنك ستظهرين بمظهر يليق بالعائلة أمام كل هؤلاء الضيوف المهمين.” أجابت دانة بابتسامة ساخرة خفيفة، وهي تضع الأكياس على السرير. “لهذا أحضرت لك هذا.”فتحت لين أحد الأكياس بفضول، لتجد فستاناً بلون أحمر داكن، بقصة أنيقة تنسدل بانسيابية، مطرزاً بتفاصيل بسيطة عند الخصر.“هذا… جميل جداً، لكنه ليس ما أرتديه عادة.” قالت لين وهي تتأمل الفستان بتردد.“لهذا بالضبط اخترته.” ردت دانة بحماس. “حان الوقت لتري نفسك كما يراك الآخرون، لا كما اعتدتِ أن تخفي نفسك بينهم.”بعد ساعتين من التحضير، وقفت لين أمام المرآة الطويلة في غرفتها، بالكاد تتعرف على انعكاسها. كان الفستان يبرز قوامها بأناقة دون مبالغة، شعرها منسدل بتموجات ناعمة على كتفيها، ومكياج خفيف أبرز ملامح وجهها الهادئة دون أن يغيّرها.“أنتِ جاهزة؟” سألتها دانة من خلف الباب.“أظن ذلك.” أجابت لين بتردد.فتحت الباب لتجد دا
فتحت لين عينيها على وقع صوت أذان الفجر البعيد. نظرت إلى الأريكة الطويلة الموضوعة قرب النافذة، حيث كان كريم نائماً، ظهره إليها كعادته. لم يكن هذا الترتيب موضوع نقاش بينهما يوماً؛ في الليلة الأولى بعد الزفاف، دخل كريم الغرفة، ألقى وسادة ولحافاً على الأريكة، وقال بجملة واحدة باردة: “لا تنتظري مني أكثر من هذا.” ومنذ ذلك اليوم، أصبح هذا الترتيب هو الواقع الذي تعيشانه، بلا حاجة لإعادة شرحه كل ليلة.نهضت بهدوء، حريصة على ألا توقظه، وتوجهت نحو الحمام لتستعد ليومها.في المطبخ، وجدت أم حسن تُعدّ الفطور كعادتها.“صباح الخير يا لين. نمتِ جيداً؟”“بقدر ما أستطيع.” أجابت لين بابتسامة صغيرة، وجلست على الكرسي المعتاد.نزل والد كريم بعدها بدقائق، يحمل جريدته كعادته كل صباح. “صباح الخير للجميع.” قال بمرح، وقبّل رأس لين بحنان أبوي قبل أن يجلس.جاءت أم كريم بعده بقليل، صامتة كعادتها في الصباح، تكتفي بإيماءة رأس عابرة قبل أن تنشغل بمراجعة قائمة مهام اليوم مع إحدى الخادمات.“هل سينزل كريم؟” سأل والد كريم وهو يقلب صفحات جريدته.“لا أعرف بالضبط يا عمي.” أجابت لين بصدق. “كان لا يزال نائماً حين غادرت الغرفة.”
كان يوم أحد هادئ، حين سمعت لين ضجة غير معتادة في الطابق السفلي — أصوات ترحيب وضحكات عالية، أشبه باستقبال ضيف عزيز.نزلت لترى ما يحدث، فوجدت والد كريم واقفاً في المدخل، يعانق شاباً في الثلاثينيات بحرارة واضحة.“أخيراً وصلت!” قال والد كريم بفرح ظاهر. “كنت أنتظر عودتك من الخارج منذ أشهر.”“العمل هناك أخذ وقتاً أطول مما توقعت يا عمي.” أجاب الشاب بابتسامة مهذبة.التفت والد كريم نحو لين. “لين، تعالي، أريدك أن تتعرفي على ابن أخي، آدم. عاد للتو من الخارج بعد سنوات من العمل هناك، وسينضم إلينا في الشركة العائلية من الآن فصاعداً.”تقدمت لين بضع خطوات، ومدت يدها بأدب. “تشرفنا. أنا لين، زوجة كريم.”صافحها آدم بابتسامة هادئة. “تشرفت بمعرفتك. سمعت عن زواج كريم وأنا في الخارج، لكن هذه أول مرة ألتقي فيها زوجته.”“أتمنى أن تكون قد سمعت أشياء جيدة فقط.” قالت لين بابتسامة خفيفة.“كله خير، حسب ما أخبرني عمي على الأقل.” أجاب آدم بمرح هادئ.خلال العشاء، جلس آدم بالقرب من والد كريم، يحدثه عن سنوات عمله بالخارج، بينما جلست لين في مكانها المعتاد، تستمع أكثر مما تتحدث كعادتها. لاحظت أن كريم، الجالس في الطرف الآ
دخلت أم حسن غرفة لين تحمل صينية الفطور، فوجدتها جالسة على حافة السرير، شاردة النظر.“لم تنزلي هذا الصباح يا سيدتي. هل أنتِ بخير؟”“أنا فقط متعبة قليلاً.” أجابت لين بابتسامة خافتة.وضعت أم حسن الصينية على الطاولة، ونظرت إليها بتمعن. “متعبة من ماذا يا لين؟ من قلة النوم، أم من شيء آخر؟”“لا أعرف بالضبط.” قالت لين بصدق مفاجئ حتى لنفسها.“أعرفك منذ أشهر قليلة فقط، لكنني عشت في هذا البيت سنوات طويلة، ورأيت نساء كثيرات يدخلن ويخرجن منه.” قالت أم حسن وهي تجلس بجانبها. “التعب الذي أراه في عينيك ليس تعب جسد يا صغيرتي.”“وإن كان كذلك؟” سألت لين بصوت خافت. “ماذا لو كنت تعبة فعلاً؟ من كل شيء؟”“فلا بأس أن تتعبي.” أجابت أم حسن ببساطة. “لست مضطرة أن تكوني قوية طوال الوقت أمام الجميع.”“بلى، أنا مضطرة.” ردت لين بحزم مفاجئ. “لو أظهرت ضعفاً واحداً في هذا البيت، سيصبح سلاحاً يُستخدم ضدي.”صمتت أم حسن للحظة، ثم قالت بصوت أهدأ: “القوة الحقيقية يا لين ليست في ألا تبكي أبداً. القوة أن تسمحي لنفسك بالبكاء أحياناً، ثم تنهضي من جديد.”بعد ظهر ذلك اليوم، مرّت لين أمام مكتب كريم، فسمعت صوته من خلف الباب المغلق ج







