Share

الفصل 5

Author: safia
last update Petsa ng paglalathala: 2026-07-28 03:59:52

كانت لين في الحديقة الجانبية للمنزل، تقلّم بعض الورود كعادتها في عصر كل يوم — عادة صغيرة تذكّرها بحديقة أبيها القديمة، ومساحة الهدوء الوحيدة التي وجدتها لنفسها في هذا البيت الكبير.

سمعت صوت كعب عالٍ يقترب على الرصيف الحجري خلفها.

“لم أكن أعرف أن سيدة هذا البيت الفخم تقوم بأعمال البستنة بنفسها.” جاء صوت ريم من خلفها، بنبرة تحمل سخرية مغلفة بلطف زائف.

استدارت لين ببطء، ونظرت إليها بهدوء. “أستمتع بذلك. هل أستطيع مساعدتك بشيء؟”

“جئت لرؤية عم كريم.” قالت ريم وهي تتقدم خطوة، عيناها تتفحصان لين من رأسها حتى قدميها بنظرة تقييمية. “لكن بما أنني هنا، فكرت أن أطمئن عليك أيضاً. كيف حالك… مع كل هذا؟” أشارت بيدها إلى المنزل خلفها.

“بخير، شكراً لسؤالك.” أجابت لين بابتسامة باهتة، وعادت لتكمل عملها بالورود.

لم تكن ريم تنوي الانصراف بهذه السهولة. جلست على مقعد حجري قريب، ترتب فستانها بعناية مصطنعة. “أتعلمين، أنا أعرف كريم منذ سنوات طويلة. منذ كان في الجامعة.” قالتها بابتسامة حالمة، وكأنها تستحضر ذكرى عزيزة. “نعرف بعضنا جيداً جداً.”

توقفت يد لين للحظة قصيرة فوق أحد الأزهار، لكنها استأنفت حركتها بسرعة. “هذا جميل. الصداقات القديمة لها قيمة خاصة.”

“صداقة؟” ضحكت ريم ضحكة خفيفة، كأن الكلمة أضحكتها فعلاً. “أنتِ لطيفة جداً يا لين. أظن أحياناً أنك تتظاهرين بعدم الفهم، أو أنك فعلاً لا تفهمين.”

رفعت لين عينيها أخيراً، ونظرت إلى ريم مباشرة. “ماذا تريدين قوله بالضبط يا ريم؟”

ابتسمت ريم ابتسامة عريضة، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال بالذات. “فقط أريدك أن تعرفي أن بعض الأشياء لا تتغير بورقة زواج. كريم قلبه لم يكن يوماً في هذا البيت، ولن يكون. أنتِ… جزء رسمي من حياته، لا أكثر.”

شعرت لين بشيء يحترق في صدرها، لكنها أجبرت نفسها على البقاء هادئة. تذكرت وعدها لنفسها بعد المواجهة الأخيرة مع كريم: لن تُظهر ضعفها لأحد، وأقل الناس استحقاقاً لذلك كانت ريم بالتحديد.

“أقدّر صراحتك.” قالت لين بصوت هادئ لكنه واثق، وهي تضع مقص البستنة جانباً. “لكن اسمحي لي أن أكون صريحة أيضاً: ما يجمعني بكريم، أو ما لا يجمعني به، هو شأني أنا، لا شأنك. وما تفعلينه أنتِ خارج هذا البيت هو شأنك أيضاً، طالما لا تحاولين إذلالي داخله.”

اختفت الابتسامة عن وجه ريم للحظة، مفاجأة بهذا الرد الحازم غير المتوقع. “لم أقصد إذلالك…”

“بلى، قصدتِ.” قاطعتها لين بهدوء، دون رفع صوتها. “لكن لا بأس. لست مضطرة أن تحبيني، تماماً كما أنا لست مضطرة أن أخاف منك.”

نهضت ريم من مكانها، محاولة استعادة رباطة جأشها. “سأذهب لرؤية عم كريم.” قالتها بصوت أقل ثقة من ذي قبل، قبل أن تبتعد بخطوات سريعة نحو المنزل.

بقيت لين واقفة وحدها بين الورود، قلبها يخفق بسرعة أكبر مما أظهرت. لم يكن الأمر انتصاراً كاملاً، لكنه كان أول مرة تشعر فيها أنها لم تسمح لأحد أن يصغّرها أمام نفسها، حتى لو كان الثمن مواجهة لم تكن تريدها.

نظرت إلى يديها المرتجفة قليلاً، وتنفست بعمق، قبل أن تعود لتكمل تقليم الورود، وكأن شيئاً لم يكن.

مرّت دقائق طويلة قبل أن تهدأ نبضات قلبها تماماً. فكرت في نفسها كيف تغيّرت خلال الأسابيع الماضية — الفتاة التي كانت تبتلع كل كلمة جارحة بصمت، بدأت تتعلم أن للصمت حدوداً، وأن الهدوء لا يعني بالضرورة الضعف. لم تكن تسعى لخوض حرب مع ريم، ولا حتى مع أم كريم، لكنها أدركت أن السماح للآخرين بتصغيرها مراراً لن يجعل حياتها أسهل، بل سيجعلها تفقد آخر ما تبقى لها من نفسها.

عادت إلى الداخل مع اقتراب المغرب، وفي طريقها إلى غرفتها، مرّت بجانب مكتب والد كريم المفتوح جزئياً. رأته جالساً وحيداً، يتأمل صورة قديمة على مكتبه بنظرة شاردة. لم تسأله عن شيء، لكنها تذكرت للحظة أنها ليست الوحيدة في هذا البيت التي تحمل حزناً لا تتحدث عنه لأحد.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 11

    في اليوم التالي للحفلة، جلست العائلة على مائدة الغداء كعادتها، حين طرق باب الصالة، ودخلت ريم بابتسامة واسعة، حاملة صندوق حلوى أنيق.“مررت لأهنئ العائلة على نجاح حفلة الأمس.” قالت وهي تضع الصندوق على الطاولة، ثم جلست دون انتظار دعوة رسمية، في مكان قريب من كريم.رحّب بها والد كريم بلطف كعادته، غير مدرك لطبيعة العلاقة الحقيقية التي تجمعها بابنه. لاحظت لين، كعادتها، كيف تغيّرت نبرة كريم قليلاً في وجود ريم — أكثر استرخاءً، أكثر حديثاً مما هو معتاد على مائدة العائلة.“لين، الفستان الذي ارتديته أمس كان لافتاً حقاً.” قالت ريم فجأة، موجهة كلامها إليها بابتسامة لا تصل إلى عينيها. “لم أكن أعرف أن لديك هذا الذوق.”“شكراً لك.” أجابت لين ببساطة، غير راغبة في الانجرار لأي جدال أمام العائلة.“أعني ذلك حقاً.” أضافت ريم بنبرة متصنعة الود. “فقط… أحياناً أتساءل، ألا تشعرين بالغرابة وأنتِ ترتدين ملابس بهذا الثمن، بينما أتت من خلفية مختلفة تماماً؟”توقفت حركة الشوكة في يد لين للحظة. شعرت بنظرات خفية من حولها، لكنها رفعت رأسها بهدوء. “لا أشعر بالغرابة يا ريم. الملابس مجرد قماش، لا تُعرّف الإنسان بقدر ما يعر

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 10

    كانت القاعة الفخمة مزدحمة بالضيوف حين وصلت عائلة كريم، أضواء الثريات الكبيرة تتلألأ فوق موائد مرتبة بعناية، وموسيقى هادئة تملأ المكان.بمجرد دخول لين، لاحظت نظرات عدة تتجه نحوها، بعضها فضولي، وبعضها معجب بصدق. لم تكن معتادة على هذا القدر من الانتباه، فحاولت أن تبقى قريبة من والد كريم كملاذ آمن وسط الزحام.“لين! تعالي، أريدك أن تقابلي بعض الأصدقاء.” قال والد كريم بفخر واضح، يقودها نحو مجموعة من معارفه.من بعيد، وقفت ريم بجانب طاولة المشروبات، تراقب المشهد بعينين ضيقتين. لم تكن قد توقعت أن تلفت لين كل هذا الانتباه.“من هي بالضبط؟” سألت إحدى صديقات ريم بفضول، وهي تشير نحو لين. “لم أرها من قبل في هذه التجمعات.”“زوجة كريم.” أجابت ريم بنبرة باردة، تحاول إخفاء انزعاجها.“إنها جميلة حقاً.” علّقت الصديقة ببراءة، غير مدركة تأثير كلماتها.ابتسمت ريم ابتسامة مصطنعة، لكن يدها أمسكت كأس الشراب بقوة أكبر مما تطلبه اللحظة. “الجمال ليس كل شيء.” قالتها بجفاء، قبل أن تتجه بخطوات سريعة نحو كريم، الذي كان واقفاً بمفرده قرب النافذة.“تبدو مشغول البال الليلة.” قالت ريم وهي تقترب منه بابتسامة مألوفة.“مجرد

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 9

    “حفلة تقاعد أحد كبار شركاء أبي.” قالت دانة وهي تدخل غرفة لين بلا استئذان مسبق، حاملة عدة أكياس تسوق. “وأمي أصرّت أن يحضر الجميع، بمن فيهم أنتِ، بلا أعذار هذه المرة.”رفعت لين حاجبها. “بلا أعذار؟ هذا غير معتاد منها.”“أظن أنها تريد التأكد أنك ستظهرين بمظهر يليق بالعائلة أمام كل هؤلاء الضيوف المهمين.” أجابت دانة بابتسامة ساخرة خفيفة، وهي تضع الأكياس على السرير. “لهذا أحضرت لك هذا.”فتحت لين أحد الأكياس بفضول، لتجد فستاناً بلون أحمر داكن، بقصة أنيقة تنسدل بانسيابية، مطرزاً بتفاصيل بسيطة عند الخصر.“هذا… جميل جداً، لكنه ليس ما أرتديه عادة.” قالت لين وهي تتأمل الفستان بتردد.“لهذا بالضبط اخترته.” ردت دانة بحماس. “حان الوقت لتري نفسك كما يراك الآخرون، لا كما اعتدتِ أن تخفي نفسك بينهم.”بعد ساعتين من التحضير، وقفت لين أمام المرآة الطويلة في غرفتها، بالكاد تتعرف على انعكاسها. كان الفستان يبرز قوامها بأناقة دون مبالغة، شعرها منسدل بتموجات ناعمة على كتفيها، ومكياج خفيف أبرز ملامح وجهها الهادئة دون أن يغيّرها.“أنتِ جاهزة؟” سألتها دانة من خلف الباب.“أظن ذلك.” أجابت لين بتردد.فتحت الباب لتجد دا

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 8

    فتحت لين عينيها على وقع صوت أذان الفجر البعيد. نظرت إلى الأريكة الطويلة الموضوعة قرب النافذة، حيث كان كريم نائماً، ظهره إليها كعادته. لم يكن هذا الترتيب موضوع نقاش بينهما يوماً؛ في الليلة الأولى بعد الزفاف، دخل كريم الغرفة، ألقى وسادة ولحافاً على الأريكة، وقال بجملة واحدة باردة: “لا تنتظري مني أكثر من هذا.” ومنذ ذلك اليوم، أصبح هذا الترتيب هو الواقع الذي تعيشانه، بلا حاجة لإعادة شرحه كل ليلة.نهضت بهدوء، حريصة على ألا توقظه، وتوجهت نحو الحمام لتستعد ليومها.في المطبخ، وجدت أم حسن تُعدّ الفطور كعادتها.“صباح الخير يا لين. نمتِ جيداً؟”“بقدر ما أستطيع.” أجابت لين بابتسامة صغيرة، وجلست على الكرسي المعتاد.نزل والد كريم بعدها بدقائق، يحمل جريدته كعادته كل صباح. “صباح الخير للجميع.” قال بمرح، وقبّل رأس لين بحنان أبوي قبل أن يجلس.جاءت أم كريم بعده بقليل، صامتة كعادتها في الصباح، تكتفي بإيماءة رأس عابرة قبل أن تنشغل بمراجعة قائمة مهام اليوم مع إحدى الخادمات.“هل سينزل كريم؟” سأل والد كريم وهو يقلب صفحات جريدته.“لا أعرف بالضبط يا عمي.” أجابت لين بصدق. “كان لا يزال نائماً حين غادرت الغرفة.”

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 7

    كان يوم أحد هادئ، حين سمعت لين ضجة غير معتادة في الطابق السفلي — أصوات ترحيب وضحكات عالية، أشبه باستقبال ضيف عزيز.نزلت لترى ما يحدث، فوجدت والد كريم واقفاً في المدخل، يعانق شاباً في الثلاثينيات بحرارة واضحة.“أخيراً وصلت!” قال والد كريم بفرح ظاهر. “كنت أنتظر عودتك من الخارج منذ أشهر.”“العمل هناك أخذ وقتاً أطول مما توقعت يا عمي.” أجاب الشاب بابتسامة مهذبة.التفت والد كريم نحو لين. “لين، تعالي، أريدك أن تتعرفي على ابن أخي، آدم. عاد للتو من الخارج بعد سنوات من العمل هناك، وسينضم إلينا في الشركة العائلية من الآن فصاعداً.”تقدمت لين بضع خطوات، ومدت يدها بأدب. “تشرفنا. أنا لين، زوجة كريم.”صافحها آدم بابتسامة هادئة. “تشرفت بمعرفتك. سمعت عن زواج كريم وأنا في الخارج، لكن هذه أول مرة ألتقي فيها زوجته.”“أتمنى أن تكون قد سمعت أشياء جيدة فقط.” قالت لين بابتسامة خفيفة.“كله خير، حسب ما أخبرني عمي على الأقل.” أجاب آدم بمرح هادئ.خلال العشاء، جلس آدم بالقرب من والد كريم، يحدثه عن سنوات عمله بالخارج، بينما جلست لين في مكانها المعتاد، تستمع أكثر مما تتحدث كعادتها. لاحظت أن كريم، الجالس في الطرف الآ

  • رسائل لم تُرسل   الفصل 6

    دخلت أم حسن غرفة لين تحمل صينية الفطور، فوجدتها جالسة على حافة السرير، شاردة النظر.“لم تنزلي هذا الصباح يا سيدتي. هل أنتِ بخير؟”“أنا فقط متعبة قليلاً.” أجابت لين بابتسامة خافتة.وضعت أم حسن الصينية على الطاولة، ونظرت إليها بتمعن. “متعبة من ماذا يا لين؟ من قلة النوم، أم من شيء آخر؟”“لا أعرف بالضبط.” قالت لين بصدق مفاجئ حتى لنفسها.“أعرفك منذ أشهر قليلة فقط، لكنني عشت في هذا البيت سنوات طويلة، ورأيت نساء كثيرات يدخلن ويخرجن منه.” قالت أم حسن وهي تجلس بجانبها. “التعب الذي أراه في عينيك ليس تعب جسد يا صغيرتي.”“وإن كان كذلك؟” سألت لين بصوت خافت. “ماذا لو كنت تعبة فعلاً؟ من كل شيء؟”“فلا بأس أن تتعبي.” أجابت أم حسن ببساطة. “لست مضطرة أن تكوني قوية طوال الوقت أمام الجميع.”“بلى، أنا مضطرة.” ردت لين بحزم مفاجئ. “لو أظهرت ضعفاً واحداً في هذا البيت، سيصبح سلاحاً يُستخدم ضدي.”صمتت أم حسن للحظة، ثم قالت بصوت أهدأ: “القوة الحقيقية يا لين ليست في ألا تبكي أبداً. القوة أن تسمحي لنفسك بالبكاء أحياناً، ثم تنهضي من جديد.”بعد ظهر ذلك اليوم، مرّت لين أمام مكتب كريم، فسمعت صوته من خلف الباب المغلق ج

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status