تسجيل الدخولمرّ أسبوعان على تلك الليلة التي رأت فيها لين كريم مع ريم، وخلال هذين الأسبوعين، تعلمت لين أن تتقن فناً جديداً: فن التظاهر بأن كل شيء طبيعي.
كانت تنهض كل صباح، ترتدي ابتسامتها الهادئة، تشارك العائلة فطورها وعشاءها، تتحمل نظرات أم كريم الباردة وتعليقاتها العابرة التي كانت أشبه بوخزات إبرة صغيرة، بلا أن تسمح لنفسها أن تنكسر أمام أحد. في تلك الليلة، دخل كريم إلى غرفتهما متأخراً كعادته، لكنه هذه المرة توقف عند الباب، ينظر إليها وهي تجلس على حافة السرير تقرأ كتاباً لم تكن حقاً تركّز في سطوره. “لين.” قالها بنبرة جافة، دون مقدمات. رفعت عينيها إليه بهدوء. “نعم؟” “أظن أن الوقت حان لنتكلم بصراحة.” جلس على الكرسي المقابل، يداه متشابكتان، ونظراته لا تحمل أي دفء. “أعرف أنك لست غبية، ولا بد أنك لاحظت أن هذا الزواج… لم يكن خياري.” لم تجب. اكتفت بالنظر إليه، تنتظر ما سيقوله. “والدي هددني بالإرث. إما أن أتزوجك، وإما أن أخسر كل شيء بنيته طوال حياتي. لم يكن الأمر عني، ولا عنك حتى. كان اتفاقاً بين رجلين، وأنا فقط… نفّذته.” شعرت لين بشيء يتصلّب في صدرها، لكنها أبقت وجهها هادئاً. “أعرف ذلك يا كريم.” “لا أعتقد أنك تفهمين تماماً.” استمر بصوت أكثر برودة. “أنا لا أحبك. لن أحبك. ربما تظنين أن الوقت كفيل بتغيير هذا، لكنه لن يفعل. تزوجتك مجبراً، وسأعيش هذا الزواج لأنني لا أملك خياراً آخر، لكن لا تنتظري مني أكثر من اسم على وثيقة.” كانت كل كلمة تسقط عليها كحجر ثقيل، لكنها لم تسمح لعينيها بأن تدمعا أمامه. تذكرت وعدها لنفسها: لن تُظهر ضعفها لأحد، وأقل الناس استحقاقاً لرؤية ذلك الضعف كان هو. “لم أطلب منك حباً يا كريم.” قالتها أخيراً بصوت هادئ، لكنه لم يخلُ من حزم خفي. “ولم أطلب هذا الزواج أصلاً. أنا هنا لأنني وعدت أبي، تماماً كما أنت هنا لأنك لم ترد أن تخسر إرثك. لا داعي أن تشرح لي شيئاً أعرفه منذ اليوم الأول.” توقف كريم للحظة، وكأن جوابها الهادئ لم يكن ما توقعه. ربما كان يظن أنها ستبكي، أو تتوسل، أو تحاول إقناعه بأن يمنحها فرصة. لكنها لم تفعل أياً من ذلك. “جيد إذاً.” قال أخيراً، ونهض من مكانه. “طالما نحن متفقان.” غادر الغرفة دون أن ينتظر رداً آخر، تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً. جلست لين وحدها لدقائق طويلة، تحدق في الباب المغلق. لم تكن كلماته مفاجئة، لكن سماعها بهذا الوضوح والبرود كان مختلفاً عن مجرد الشعور بها. كان هناك فرق كبير بين أن تعرف أنك غير محبوبة، وأن تُقال لك هذه الحقيقة صراحة في وجهك. فتحت درج سريرها بيد مرتجفة قليلاً، وأخرجت دفترها. “اليوم الرابع والعشرون. قال لي الليلة، بكل برود، إنه لن يحبني أبداً. كأنني كنت أنتظر منه أن يفعل. كأنني طلبت ذلك يوماً. الغريب أنني لم أبكِ. ربما لأنني تعبت من البكاء على أشياء لا أملك القدرة على تغييرها. أو ربما لأن جزءاً مني كان يعرف هذا منذ البداية، ورفض فقط أن يعترف به بصوت عالٍ. يظن كريم أنه بصراحته هذه أراحني من وهم كنت أعيشه. لكنه لا يعرف أنني لم أكن أحمل أي وهم أصلاً. الوهم الوحيد الذي كنت أحمله كان انتظار أن يرى يوماً أنني إنسانة، لا مجرد اسم فرضته عليه ظروف لا يد لي فيها. لن أطلب منه شيئاً بعد اليوم. ولا حتى الاعتراف بوجودي.” أغلقت الدفتر بحركة أبطأ من المعتاد، وأطفأت الضوء، تاركة كلماته تتردد في رأسها في العتمة، أعمق مما كانت تريد أن تعترف.في اليوم التالي للحفلة، جلست العائلة على مائدة الغداء كعادتها، حين طرق باب الصالة، ودخلت ريم بابتسامة واسعة، حاملة صندوق حلوى أنيق.“مررت لأهنئ العائلة على نجاح حفلة الأمس.” قالت وهي تضع الصندوق على الطاولة، ثم جلست دون انتظار دعوة رسمية، في مكان قريب من كريم.رحّب بها والد كريم بلطف كعادته، غير مدرك لطبيعة العلاقة الحقيقية التي تجمعها بابنه. لاحظت لين، كعادتها، كيف تغيّرت نبرة كريم قليلاً في وجود ريم — أكثر استرخاءً، أكثر حديثاً مما هو معتاد على مائدة العائلة.“لين، الفستان الذي ارتديته أمس كان لافتاً حقاً.” قالت ريم فجأة، موجهة كلامها إليها بابتسامة لا تصل إلى عينيها. “لم أكن أعرف أن لديك هذا الذوق.”“شكراً لك.” أجابت لين ببساطة، غير راغبة في الانجرار لأي جدال أمام العائلة.“أعني ذلك حقاً.” أضافت ريم بنبرة متصنعة الود. “فقط… أحياناً أتساءل، ألا تشعرين بالغرابة وأنتِ ترتدين ملابس بهذا الثمن، بينما أتت من خلفية مختلفة تماماً؟”توقفت حركة الشوكة في يد لين للحظة. شعرت بنظرات خفية من حولها، لكنها رفعت رأسها بهدوء. “لا أشعر بالغرابة يا ريم. الملابس مجرد قماش، لا تُعرّف الإنسان بقدر ما يعر
كانت القاعة الفخمة مزدحمة بالضيوف حين وصلت عائلة كريم، أضواء الثريات الكبيرة تتلألأ فوق موائد مرتبة بعناية، وموسيقى هادئة تملأ المكان.بمجرد دخول لين، لاحظت نظرات عدة تتجه نحوها، بعضها فضولي، وبعضها معجب بصدق. لم تكن معتادة على هذا القدر من الانتباه، فحاولت أن تبقى قريبة من والد كريم كملاذ آمن وسط الزحام.“لين! تعالي، أريدك أن تقابلي بعض الأصدقاء.” قال والد كريم بفخر واضح، يقودها نحو مجموعة من معارفه.من بعيد، وقفت ريم بجانب طاولة المشروبات، تراقب المشهد بعينين ضيقتين. لم تكن قد توقعت أن تلفت لين كل هذا الانتباه.“من هي بالضبط؟” سألت إحدى صديقات ريم بفضول، وهي تشير نحو لين. “لم أرها من قبل في هذه التجمعات.”“زوجة كريم.” أجابت ريم بنبرة باردة، تحاول إخفاء انزعاجها.“إنها جميلة حقاً.” علّقت الصديقة ببراءة، غير مدركة تأثير كلماتها.ابتسمت ريم ابتسامة مصطنعة، لكن يدها أمسكت كأس الشراب بقوة أكبر مما تطلبه اللحظة. “الجمال ليس كل شيء.” قالتها بجفاء، قبل أن تتجه بخطوات سريعة نحو كريم، الذي كان واقفاً بمفرده قرب النافذة.“تبدو مشغول البال الليلة.” قالت ريم وهي تقترب منه بابتسامة مألوفة.“مجرد
“حفلة تقاعد أحد كبار شركاء أبي.” قالت دانة وهي تدخل غرفة لين بلا استئذان مسبق، حاملة عدة أكياس تسوق. “وأمي أصرّت أن يحضر الجميع، بمن فيهم أنتِ، بلا أعذار هذه المرة.”رفعت لين حاجبها. “بلا أعذار؟ هذا غير معتاد منها.”“أظن أنها تريد التأكد أنك ستظهرين بمظهر يليق بالعائلة أمام كل هؤلاء الضيوف المهمين.” أجابت دانة بابتسامة ساخرة خفيفة، وهي تضع الأكياس على السرير. “لهذا أحضرت لك هذا.”فتحت لين أحد الأكياس بفضول، لتجد فستاناً بلون أحمر داكن، بقصة أنيقة تنسدل بانسيابية، مطرزاً بتفاصيل بسيطة عند الخصر.“هذا… جميل جداً، لكنه ليس ما أرتديه عادة.” قالت لين وهي تتأمل الفستان بتردد.“لهذا بالضبط اخترته.” ردت دانة بحماس. “حان الوقت لتري نفسك كما يراك الآخرون، لا كما اعتدتِ أن تخفي نفسك بينهم.”بعد ساعتين من التحضير، وقفت لين أمام المرآة الطويلة في غرفتها، بالكاد تتعرف على انعكاسها. كان الفستان يبرز قوامها بأناقة دون مبالغة، شعرها منسدل بتموجات ناعمة على كتفيها، ومكياج خفيف أبرز ملامح وجهها الهادئة دون أن يغيّرها.“أنتِ جاهزة؟” سألتها دانة من خلف الباب.“أظن ذلك.” أجابت لين بتردد.فتحت الباب لتجد دا
فتحت لين عينيها على وقع صوت أذان الفجر البعيد. نظرت إلى الأريكة الطويلة الموضوعة قرب النافذة، حيث كان كريم نائماً، ظهره إليها كعادته. لم يكن هذا الترتيب موضوع نقاش بينهما يوماً؛ في الليلة الأولى بعد الزفاف، دخل كريم الغرفة، ألقى وسادة ولحافاً على الأريكة، وقال بجملة واحدة باردة: “لا تنتظري مني أكثر من هذا.” ومنذ ذلك اليوم، أصبح هذا الترتيب هو الواقع الذي تعيشانه، بلا حاجة لإعادة شرحه كل ليلة.نهضت بهدوء، حريصة على ألا توقظه، وتوجهت نحو الحمام لتستعد ليومها.في المطبخ، وجدت أم حسن تُعدّ الفطور كعادتها.“صباح الخير يا لين. نمتِ جيداً؟”“بقدر ما أستطيع.” أجابت لين بابتسامة صغيرة، وجلست على الكرسي المعتاد.نزل والد كريم بعدها بدقائق، يحمل جريدته كعادته كل صباح. “صباح الخير للجميع.” قال بمرح، وقبّل رأس لين بحنان أبوي قبل أن يجلس.جاءت أم كريم بعده بقليل، صامتة كعادتها في الصباح، تكتفي بإيماءة رأس عابرة قبل أن تنشغل بمراجعة قائمة مهام اليوم مع إحدى الخادمات.“هل سينزل كريم؟” سأل والد كريم وهو يقلب صفحات جريدته.“لا أعرف بالضبط يا عمي.” أجابت لين بصدق. “كان لا يزال نائماً حين غادرت الغرفة.”
كان يوم أحد هادئ، حين سمعت لين ضجة غير معتادة في الطابق السفلي — أصوات ترحيب وضحكات عالية، أشبه باستقبال ضيف عزيز.نزلت لترى ما يحدث، فوجدت والد كريم واقفاً في المدخل، يعانق شاباً في الثلاثينيات بحرارة واضحة.“أخيراً وصلت!” قال والد كريم بفرح ظاهر. “كنت أنتظر عودتك من الخارج منذ أشهر.”“العمل هناك أخذ وقتاً أطول مما توقعت يا عمي.” أجاب الشاب بابتسامة مهذبة.التفت والد كريم نحو لين. “لين، تعالي، أريدك أن تتعرفي على ابن أخي، آدم. عاد للتو من الخارج بعد سنوات من العمل هناك، وسينضم إلينا في الشركة العائلية من الآن فصاعداً.”تقدمت لين بضع خطوات، ومدت يدها بأدب. “تشرفنا. أنا لين، زوجة كريم.”صافحها آدم بابتسامة هادئة. “تشرفت بمعرفتك. سمعت عن زواج كريم وأنا في الخارج، لكن هذه أول مرة ألتقي فيها زوجته.”“أتمنى أن تكون قد سمعت أشياء جيدة فقط.” قالت لين بابتسامة خفيفة.“كله خير، حسب ما أخبرني عمي على الأقل.” أجاب آدم بمرح هادئ.خلال العشاء، جلس آدم بالقرب من والد كريم، يحدثه عن سنوات عمله بالخارج، بينما جلست لين في مكانها المعتاد، تستمع أكثر مما تتحدث كعادتها. لاحظت أن كريم، الجالس في الطرف الآ
دخلت أم حسن غرفة لين تحمل صينية الفطور، فوجدتها جالسة على حافة السرير، شاردة النظر.“لم تنزلي هذا الصباح يا سيدتي. هل أنتِ بخير؟”“أنا فقط متعبة قليلاً.” أجابت لين بابتسامة خافتة.وضعت أم حسن الصينية على الطاولة، ونظرت إليها بتمعن. “متعبة من ماذا يا لين؟ من قلة النوم، أم من شيء آخر؟”“لا أعرف بالضبط.” قالت لين بصدق مفاجئ حتى لنفسها.“أعرفك منذ أشهر قليلة فقط، لكنني عشت في هذا البيت سنوات طويلة، ورأيت نساء كثيرات يدخلن ويخرجن منه.” قالت أم حسن وهي تجلس بجانبها. “التعب الذي أراه في عينيك ليس تعب جسد يا صغيرتي.”“وإن كان كذلك؟” سألت لين بصوت خافت. “ماذا لو كنت تعبة فعلاً؟ من كل شيء؟”“فلا بأس أن تتعبي.” أجابت أم حسن ببساطة. “لست مضطرة أن تكوني قوية طوال الوقت أمام الجميع.”“بلى، أنا مضطرة.” ردت لين بحزم مفاجئ. “لو أظهرت ضعفاً واحداً في هذا البيت، سيصبح سلاحاً يُستخدم ضدي.”صمتت أم حسن للحظة، ثم قالت بصوت أهدأ: “القوة الحقيقية يا لين ليست في ألا تبكي أبداً. القوة أن تسمحي لنفسك بالبكاء أحياناً، ثم تنهضي من جديد.”بعد ظهر ذلك اليوم، مرّت لين أمام مكتب كريم، فسمعت صوته من خلف الباب المغلق ج







