مشاركة

حبال الحرير

مؤلف: Oum saif
last update تاريخ النشر: 2026-05-29 08:14:26

جزء الخامس: حبال الحرير

​في الأيام التي تلت ليلة العاصفة، بدا وكأن كبرياء نايا السيوفي قد تبخر تماماً عندما يتعلق الأمر بآدم. أصبحت تبحث عن أي فرصة لتكون بالقرب منه، وتحول مركب القيادة في الشركة بشكل غير معلن؛ فالمرأة التي كانت تصدر الأوامر بنبرة جافة، أصبحت تأخذ قراراتها بناءً على تلميح أو ابتسامة رضا من مهندسها النبيل. كانت تعيش أجمل أيام حياتها، ظناً منها أنها عثرت على الفارس الذي سيغير مجرى حياتها القاسية.

​في صباح أحد الأيام، استدعت نايا آدم إلى مكتبها، وكانت ملامحها تشع بحماس غريب لم يعهده الموظفون فيها من قبل. أشارت له بالجلوس وقدمت له ملفاً مذهباً:

​"آدم... هذا هو ملف مناقصة 'مشروع القرن'. بناء أكبر مجمع تجاري وسياحي في العاصمة. هذه الصفقة هي التي ستنقل شركات السيوفي إلى العالمية، وهي حلم والدي قبل أن يموت."

​نظر آدم إلى الملف، ومرت في عينيه غيمة باردة وسريعة لم تلمحها نايا، ثم قال بنبرته الدافئة المعتادة:

​"هذا مشروع ضخم جداً يا نايا. ويحتاج إلى دراسة دقيقة وتأمين كامل للبيانات والمخططات. المنافسة ستكون شرسة، خاصة مع مجموعة 'الراوي' المنافسة."

​ابتسمت نايا، ومالت بجسدها إلى الأمام فوق المكتب، وقالت بعينين تفيضان بالثقة والحب:

​"أعلم ذلك، ولأنني أثق بك أكثر من أي شخص آخر في هذا العالم، قررت أن أمنحك التفويض الكامل لإعداد المخططات الهندسية والمالية السرية لهذه المناقصة. الأرقام والمخططات لن يراها أحد غيري وغيرك، آدم. مصير شركتي وإرث عائلتي بات بين يديك."

​شعر آدم للحظة بثقل الكلمات. نظر إلى عينيها النورانيتين اللتين تنظران إليه بقداسة وحب حقيقي خالٍ من أي زيف. هنا، ولأول مرة، شعر بضميره يستيقظ كخنجر يطعنه في صدره؛ هذه الفتاة تحبه بصدق، وتضعه في مكانة لم يضعها فيها أحد من قبل. لكن سرعان ما تذكر صورة والده وهو يموت في المستشفى مقهوراً بعد أن أفلست شركته بسبب جشع والد نايا في الماضي، فاشتدت ملامحه وعاد الجليد ليملأ قلبه.

​ابتسم آدم وقال وهو يأخذ الملف:

​"هذا شرف كبير لي يا نايا. أعدكِ أنني سأضع كل خبرتي لكي نربح هذه الصفقة معاً. لن أسمح لأي أحد بأن يسرق حلمكِ."

​"أعلم ذلك يا آدم... أنا أثق بك بحياتي،" ردت نايا بنبرة هامسة التقت فيها أعينهما في لحظة رومانسية ساحرة، ظنت فيها نايا أنها تملك العالم بأسره.

​في وقت متأخر من تلك الليلة، عندما خلت الشركة تماماً من الموظفين، كان آدم يجلس في مكتبه بالطابق الأربعين. لم يكن يدرس المخططات ليربح المناقصة، بل كان يقوم بشيء مختلف تماماً. أخرج هاتفاً مشفراً لا يعلم عنه أحد، وقام بتصوير المخططات الهندسية السرية وأرقام العطاءات المالية البديلة التي أعدتها شركة السيوفي بدقة.

​بأصابع ثابته، أرسل تلك الصور والملفات عبر بريد إلكتروني مجهول إلى رئيس مجموعة "الراوي"، المنافس الشرس لنايا، وأرفق معها رسالة قصيرة: (هذه هي أرقام نايا السيوفي للمناقصة. قدموا عطاءكم بأقل منها بمليون دولار واحد، وستكون الصفقة لكم... وبداية سقوط السيوفي لي).

​أغلق آدم الحاسوب، وتنهد بعمق. وضع رأسه بين يديه، وشعر لأول مرة بتعب شديد. الانتقام الذي كان يظنه سهلاً وممتعاً، بدأ يصبح عبئاً على روحه؛ فصورة نايا وهي تنظر إليه بحب وثقة كانت تطارده في الظلام. لكنه نفض الأفكار عن رأسه وقال بحقد:

​"لا تراجع الآن... لقد دمر والدها عائلتي، وحان الوقت لتدفع الابنة الثمن. سأكسر هذا التمرد حتى تتوسل إلي."

​وفي قصرها، كانت نايا تجلس في غرفتها، تنظر إلى النجوم من نافذتها والابتسامة لا تفارق شفتيها. كانت تفكر في المستقبل، وكيف ستعلن لآدم عن حبها بشكل رسمي بعد الفوز بالمناقصة، لم تكن تعلم أن الرجل الذي تراه ملائكاً يحميها، قد نسج حول عنقها حبالاً من حرير، ويستعد لخنق أحلامها في القريب العاجل.

​الضربة الأولى وُجهت في الخفاء، وضمير آدم بدأ يتحرك لكن حقد الماضي أقوى!

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رماد التمرد   الرماد الساخن و صدمة الحقيقة العارية

    الجزء الثاني والعشرون: الرماد الساخن وصدمة الحقيقة العارية​كان الصمت في مكتب نايا بالطابق الأربعين قد تحول إلى ما يشبه الصمت الذي يسود زنزانة الإعدام. غابت كل أصوات المدينة الصاخبة في الأسفل، ولم يعد يُسمع في الأرجاء سوى الحفيف الخافت للأوراق الصفراء القديمة التي كانت نايا تقلبها بأصابع أصبحت فجأة باردة كالموت. كان الضوء البرتقالي الذي يتدفق من النوافذ الزجاجية العملاقة ينعكس على وجهها، مبرزاً تحول ملامحها من الاسترخاء والدفء الذي عاشته ليلة أمس مع آدم، إلى ذهول جاف وصدمة شلت حركتها بالكامل.​وقعت عيناها الحادتان على الصفحة الأخيرة من التقرير الهندسي المؤرخ قبل عشر سنوات؛ التقرير المشؤوم الذي أقر بوجود عيوب بنيوية مفتعلة في "برج السيوفي القديم"، والذي كان الخنجر المسموم الذي استخدمته عائلة الراوي لفرض غرامات دولية حطمت كبرياء والدها، وأصابته بالشلل والجلطة التي قادته إلى القبر.​لم تكن الصدمة في تفاصيل التقرير، بل كانت في أسفل الصفحة... هناك، حيث يقع خان التوقيع والختم للهندسي المعتمد.​كان الخط واضحاً، حاداً، وبحبر جاف أسود لم يبهت رغم السنين. الاسم المكتوب تحت التوقيع كان: "المهندس

  • رماد التمرد   ملاذ الفسق و عاصفة الماضي المكتوم

    ​الجزء الحادي والعشرون: ملاذ الغسق وعاصفة الماضي المكتوم​بعد انتهاء تلك الجولة العنيفة من كسر العظام بين آدم وألكسندر الميرغني، بدأت شمس العاصمة تنسحب ببطء نحو الأفق، تاركة خلفها شفقاً أحمر قانياً يذكر بركود الدماء بعد المعارك. في تلك الليلة، لم ترغب نايا في العودة إلى قصرها الكبير البارد، ولم يشأ آدم أن يتركها وحدها تواجه هواجس المستقبل. قررا معاً الابتعاد عن صخب الأبراج الزجاجية وملاحقة الصحفيين، واستقلا سيارة آدم المتواضعة متوجهين نحو بيت ريفي صغير يمتلكه آدم على أطراف المدينة، يطل على بحيرة هادئة تحيط بها أشجار الصفصاف.​كان هذا البيت هو ملاذه السري، المكان الوحيد الذي لم تصله لوثات المال والسياسة.​عندما وصلا، كانت الأجواء الشتوية قد أضفت على المكان مسحة من السحر والغموض. ترجلا من السيارة، وكانت نسمات الهواء البارد تجعل نايا ترتجف قليلاً. التفت إليها آدم، وبعفوية مليئة بالحنان والرجولة، خلع معطفه الأسود الطويل ولفه حول كتفيها الصغيرين. نظرت إليه نايا بعيون تلمع بالامتنان والعشق، وأحكمت إغلاق المعطف حول جسدها، مستنشقة رائحته المألوفة التي تبث في روحها الأمان المطلق.​أمسك آدم بيد

  • رماد التمرد   كسر العظام و لعبة الحافة الحادة

    ​الجزء العشرون: كسر العظام ولعبة الحافة الحادة​ساد جمود مرعب في الجناح الملكي، وبدا وكأن الهواء نفسه قد تجمد بين آدم الشافعي والسير ألكسندر الميرغني. كانت الكلمات التي ألقاها آدم عن ثغرة مشروع دبي الجيولوجية تدور في رأس ألكسندر كشفرات حادة مزقت بروده البريطاني المصطنع. خبت الابتسامة الساخرة تماماً من وجه ألكسندر، وتحولت عيناه الرماديتان إلى كتلتين من الجمر الحارق. تراجع خطوة إلى الوراء، ووضع كأسه على الطاولة ببطء شديد، لكن أصابعه كانت ترتجف بشكل غير ملحوظ بفعل الصدمة.​نظر ألكسندر إلى آدم بتمعن، ولأول مرة منذ دخوله العاصمة، لم يرَ في آدم مجرد مهندس محلي يحاول حماية حبيبته، بل رأى فيه خصماً عبقرياً قادراً على تدمير إمبراطورية بناها في لندن طوال سنوات بضربة هندسية واحدة. تنهد ألكسندر بعمق، وحاول استجماع هدوئه الدبلوماسي، وقال بنبرة صوت خفيضة لكنها تقطر سماً:​"أنت تلعب لعبة خطيرة جداً يا مهندس آدم... لعبة الحافة الحادة. مشروع دبي يمثل شراكة مع حكومات وجهات دولية، ونشر تقرير هندسي كاذب أو مشكك في سلامة التربة قد يودي بك خلف القضبان بتهمة التشهير وتخريب المصالح الاقتصادية الدولية."​خطا

  • رماد التمرد   شطرنج المشاعر و حصار العاصمة

    الجزء التاسع عشر: شطرنج المشاعر وحصار العاصمة​لم يكن السير ألكسندر الميرغني رجلاً يتراجع أمام العقبات، بل كان يرى في التحديات وقوداً لذكائه البارد. بعد خروجه من برج السيوفي، لم يتوجه إلى الفندق الفاخر الذي حجز فيه الجناح الملكي، بل أمر سائقه بالتوجه مباشرة إلى مقر السفارة البريطانية في العاصمة. جلس في المقعد الخلفي لسيارته المصفحة، ينظر إلى شوارع المدينة المزدحمة عبر الزجاج الداكن، وعقله يشتغل كآلة حاسبة دقيقة. صورتان لم تفارقا خياله منذ ليلة أمس: صورة نايا السيوفي بكبريائها الطاغي وعينيها اللتين تشتعلان بالتمرد، وصورة آدم الشافعي بنبرته الحادة وغيرة الأسد التي بدت في عينيه لحماية امرأته.​قال ألكسندر لنفسه بصوت خافت ونبرة بريطانية واثقة:​"آدم الشافعي... أنت ذكي ونبيل، وتظن أن إثبات تزوير والدكِ سينقذ الموقف. لكنك لا تعلم أنني لا أحارب بالورق القديم فقط، بل أحارب بنفوذ يمتد من لندن إلى هنا. والأهم من ذلك... أنني سآخذ نايا منك، ليس لأنها جزء من الإمبراطورية، بل لأنها المرأة الوحيدة التي جعلت صقر لندن يشعر بالهزيمة قبل أن تبدأ المعركة."​عند وصوله إلى السفارة، التقى ألكسندر بعدد من كب

  • رماد التمرد   صقر لندن و ظلال الغيرة الحارقة

    ​الجزء الثامن عشر: صقر لندن وظلال الغيرة الحارقة​كانت قاعة الاستقبال الخاصة بالطيران الخاص في مطار العاصمة تتألق تحت الأضواء الحديثة، لكن الأجواء بداخلها كانت باردة وجادة. حطت الطائرة النفاثة السوداء الفاخرة القادمة من لندن، وتحركت نحو المهبط الخاص بها بهدوء يشبه هدوء الأفاعي قبل الانقضاض. لم تمضِ سوى دقائق حتى انفتح باب الطائرة، وترجل منها رجل يجسد في ملامحه وحركاته الهيبة البريطانية الصارمة والغموض الشرقي الحاد؛ إنه "سير ألكسندر الميرغني".​كان ألكسندر يرتدي حلة رسمية رمادية مصممة في أرقى دور الأزياء في لندن، ومعطفاً طويلاً من الكشمير الأسود يضفي على قامته الطويلة وصدره العريض هيبة مرعبة. شعره الأسود مصفف بدقة، وعيناه الرماديتان الحادتان كعيني صقر جارح كانتا تقلبان الأوراق في يده ببرود تام. لم يكن يبدو عليه أنه ابن غير شرعي هارب، بل كان يتحرك كملك جاء ليسترد عرشاً يخصه. خلفه كان يتحرك طاقم ضخم من المحامين البريطانيين والمستشارين الدوليين، يحملون حقائب جلدية مليئة بالوثائق والمستندات القانونية.​صعد ألكسندر في سيارته المصفحة، ونظر إلى مدير أعماله قائلاً بنبرة صوت عميقة، هادئة، وتتحد

  • رماد التمرد   ترميم الرماد و ظلال التحدي الأخير

    ​الجزء السابع عشر: ترميم الرماد وظلال التحدي الأخير​كانت خيوط الشمس الدافئة تنساب عبر نافذة الشقة القديمة في الحي الشعبي، محولةً ذرات الغبار المتطايرة في الهواء إلى نقاط ذهبية تلمع حول آدم ونايا. في تلك اللحظة، كان الزمن قد توقف تماماً بالنسبة لهما. العناق الذي جمع بينهما لم يكن مجرد التقاء لجسدين أتعبتهما الحروب الصامتة، بل كان أشبه بالتحام جبهتين عسكريتين قررتا فجأة إلقاء السلاح وإعلان السلام فوق أرض محروقة. كان صوت أنفاس نايا المتهدجة، الممزوجة بشهقات البكاء الخفيف، يتردد في أركان الغرفة متناغماً مع دقات قلب آدم السريعة والقوية.​تراجعت نايا ببطء، لكن يديها ظلتا متمسكتين بياقة معطف آدم الأسود وكأنها تخشى أن يختفي إذا تركته. نظرت في عينيه العميقتين، ورأت فيهما ذلك الدفء القديم الذي ظنت أنه احترق في قاعة المؤتمرات، لكنه عاد الآن أكثر عمقاً ونضجاً. مسح آدم بسبّابته دمعة متمردة كانت تقف على وجنتها الشاحبة، وقال بصوته الرخيم الذي يحمل بحّة حزن دافئة:​"نايا... الرماد الذي تسببنا في صنعه طوال الأشهر الماضية لا يمكن أن يختفي في ليلة واحدة. أنا أعلم أن جرح الثقة غائر، وأن عودتي إلى حياتكِ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status