مشاركة

خنجرُ الصمت

last update تاريخ النشر: 2026-05-21 07:48:59

كانت تعرف تماماً أين تجده في هذا الوقت من اليوم؛ كان لديه مقهى (كافيه) فاخر وشهير قريب من منطقة الكلية، معتاد أن يجلس فيه مع أصدقائه المقربين بعد انتهاء الامتحانات ليتناولوا القهوة ويتحدثوا. استقلت سيارة أجرة، وطوال الطريق كانت دقات قلبها تسابق عجلات السيارة، تتخيل مواجهته، تتخيل كيف سيضمها إلى صدره ويخبرها ألا تخاف من أحد، وكيف سيعلن زواجهما غداً أمام الجميع ليخرس الألسنة الحاقدة.

وصلت السيارة إلى الكافيه الفاخر ذي الواجهة الزجاجية الكبيرة. ترجلت ليلى بخطوات مضطربة. كانت الأجواء في الخارج هادئة، وهناك بعض الأشجار الكثيفة التي تحيط بالجلسات الخارجية للمقهى. تقدمت ببطء، ولمحت من بعيد جسد أدهم المألوف؛ كان يجلس على طاولة مستديرة في الركن الخارجي، محاطاً بثلاثة من أصدقائه المقربين في الدفعة، ومن بينهم "ياسر"، الشاب الصفيق المعروف بلسانه السليط ومحاولاته الدائمة للتقرب من أدهم للاستفادة من نفوذه وثروته.

وقفت ليلى وراء جذع شجرة ضخمة وقريبة، تداري جسدها خلف أغصانها لكي تلتقط أنفاسها وتستعد للمناداة عليه وسحبه بعيداً عنهم لتخبره بالسر العظيم. كانت تبتسم ابتسامة باهتة وسط دموعها، ويدها لا تزال مستقرة على بطنها.

لكن، قبل أن تخرج من مخبئها وتتحرك خطوة واحدة، تناهى إلى مسامعها صوت ياسر وهو يطلق ضحكة خبيثة متهكمة، موجهاً كلامه لأدهم المسترخي على مقعده:

"بقولك إيه يا دكتور أدهم.. هو إنت بجد بجد بتحب ليلى 'الدبة' دي؟ ولا الموضوع معاك مجرد 'شفقة' وعطف عشان هي بنت غلبانة ومحدش في الكلية كلها بيطيق يبص في وشها أو يستحمل منظرها؟"

تجمدت ليلى وراء الشجرة. حبست أنفاسها تماماً، وكأن الزمن قد توقف عند هذه اللحظة. حطت يدها الأخرى فوق فمها لتكتم أنفاسها المتسارعة، بينما تجمدت يدها الأولى فوق بطنها. شعرت ببرودة الموت تسري في عروقها وهي تنتظر.. تنتظر الرد الذي سيشفي غليلها، الرد الذي لطالما سمعته منه خلف الأبواب المغلقة. كانت تنتظر أن ينتفض أدهم كما انتفض قبل ساعات في الحرم، ويضرب ياسر على وجهه، ويصرخ فيهم: "دي مراتي وحب عمري وتاج راسي!".

كانت مستعدة لسماع الكلمة التي ستنقذ روحها من وطأة كلام الدكتور محسن وقسوة العالم..

لكن الصدمة القاتلة.. الصدمة التي لم تكن في الحسبان، والتي كانت بمثابة رصاصة اخترقت نياط قلبها.. هي أن أدهم.. سكت!

فقط سكت.

ساد صمتٌ خانق في تلك البقعة من العالم خلف جذع الشجرة، صمتٌ كان يمر على قلب ليلى كمرور السنين الثقال. لم تكن تسمع سوى دقات قلبها المذعورة التي تحولت إلى قرع طبول عنيف يُهَدِّد بتمزيق صدرها. كانت عيناها متسعتين، معلقتين بملامح أدهم عبر الفراغ الفاصل بينهما.

أدهم.. حبيبها، زوجها، الرجل الذي وهبته كل ما تملك، الرجل الذي تحدى الدنيا لأجلها وراء الأبواب المغلقة، كان يجلس هناك مسترخياً، باصصاً أمامه في الفراغ بنظرة غامضة مبهمة. فضل ساكتاً تماماً. ماردش بكلمة واحدة. لم ينتفض، لم يغضب، لم يقلب الطاولة فوق رؤوسهم، ولم ينطق بالحقيقة التي كانت ليلى تنتظرها لتعيد إليها كرامتها المهدورة في عيادة الكلية.

سكوته القاتل لم يكن مجرد غيابٍ للرد، بل كان في نظر ليلى إقراراً ضمنياً بكل كلمة قذرة قيلت في حقها. كان اعترافاً غير مكتوب بأنها بالفعل مجرد عار، أو سقطة، أو غلطة يخجل من إشهارها أمام رفاق طبقته الأرستقراطية.

هذا السكون المريب شجّع أصحابه وجعلهم يظنون أنهم لمسوا وتراً حساساً، وأن أدهم يشاركهم نفس النظرة الدونية لها. انفجر ياسر وبقية الشلة في ضحكٍ هيستيري مقزز، صدى قهقهاتهم كان يتردد في أذن ليلى كالسياط. وتابع ياسر سخريته وهو يتنحنح ويتحرك على مقعده مقلداً مشيتها المتهادية بطريقة متهكمة:

"يا عم أكيد شفقة وصعبانيات، أصل بالعقل كدة.. أدهم الدمنهوري، برنس الدفعة اللي بنات قصر العيني والجامعات الخاصة بيموتوا في دبدابه، مستحيل يربط اسمه بواحدة زي دي! دي كفاية إنها وهي ماشية بتسد عين الشمس بوزنها! دي لو مشيت جنبك في حفلة التخرج يا أدهم، الناس هيفتكروك ماشي مع الحارس الشخصي بتاعك مش زميلتك!"

تعالت الضحكات مجدداً، وأدهم لا يزال على وضعه، لم يحرك ساكناً، ولم تظهر على وجهه سوى مسحة من البرود والشرود.

في تلك اللحظة بالذات، شعرت ليلى بخنجر حقيقي مسموم غُرس في منتصف قلبها ونفذ إلى ظهرها. شعرت ببرودة شديدة تجتاح جسدها، وتلاشت الغصة التي كانت في حلقها لتحل محلها مرارة علقمية لم تذق مثلها قط. سكوته كان كفيلاً بقتلها، كان كفيلاً بإعدام كل المشاعر الجميلة التي زرعها في قلبها طوال عام كامل.

طافت بعقلها المنهك كلمات الدكتور محسن قبل قليل: "شوفي هتداري فضيحتك فين!"، لتلتقي مع كلمات ياسر وسكوت أدهم. التفتت الحقائق في عقلها لتشكل صورة واحدة مرعبة ومظلمة: أنا لست زوجة.. أنا مجرد نزوة سرية، مجرد عمل خيري، مجرد "شفقة" يمارسها ابن الأكابر في خلوته، ويخجل منها في علنه!

حطت يدها المرتعشة فوق بطنها مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن يد أم دافئة تنتظر جنينها بلهفة، بل كانت يد امرأة مكسورة، قررت في ثانية واحدة أن تحمي هذا الجنين من عالم الزيف والقسوة. "ابني مش هيعيش ابن سر.. ومش هيبقى الغلطة اللي أبوه بيشفق عليها"، همست لنفسها بوجع مكتوم كاد يخنقها.

سحبت نفسها ببطء شديد إلى الخلف، متراجعة وراء الأشجار بخطوات ثقيلة وواهنة، وهي تشهق شهقات مكتومة وصامتة، تبتلع دموعها الحارقة لكي لا يصل صوت انكسارها إلى الطاولة. التفتت وجرت بكل ما تبقّى لها من قوة، جرت بعيداً عن الكافيه، بعيداً عن أدهم، وبعيداً عن الوجع الذي بات يملأ أركان المكان. كانت الدموع تنزل بغزارة تحرق وجنتيها، وتغسل معها كل الوعود الوردية التي عاشت عليها.

رجعت ليلى إلى الشقة الصغيرة. تلك الشقة التي كانت قبل ساعات فقط تسميها "جنتها الخاصة". دخلت وأغلقت الباب خلفها، وبدلاً من أن تشعر بالأمان، شعرت بالجدران تضيق عليها وتكاد تطبق على أنفاسها. لم تمنح نفسها وقتاً للبكاء أو الانهيار؛ فالوقت الآن كان حليفاً للرحيل.

توجهت نحو غرفة النوم بخطوات آلية كأنها جسد بلا روح. سحبت حقيبتها الكبيرة من فوق الخزانة، وبدأت تلم ملابسها وأغراضها الشخصية في دقائق معدودة. لم تأخذ معها أي شيء أحضره أدهم لها، تركت كل الهدايا، وكل الفساتين التي كان يشتريها لها لتلبسها وراء الباب المقفول. أخذت فقط ملابسها القديمة الواسعة الداكنة التي جاءت بها من حارتها الشعبية.

بعد أن انتهت، توجهت إلى مكتبها الصغير، سحبت ورقة بيضاء وقلماً، وكتبت بخط يدها المرتعش سراً وخوفاً، رسالة قصيرة، لكنها كانت تحمل في طياتها نهاية قصة وبداية رماد:

"شكراً على عطفك يا أدهم بيه.. بس أنا مش حمل شفقة حد.. انسى إن كان فيه واحدة اسمها ليلى في حياتك."

وضعت الرسالة في منتصف السرير، فوق الوسادة التي طالما شهدت على وعوده الكاذبة بالبقاء والإعلان.

خرجت ليلى من الشقة وهي تحمل حقيبتها الثقيلة بوعي جديد وقوة ولدت من رحم الانكسار. توجهت فوراً إلى مقر الجامعة، واستغلت هدوء المكاتب بعد انتهاء الامتحانات لتسحب قيد أوراقها من الكلية بهدوء تام وبمساعدة أحد الموظفين المعارف، لكي تقطع أي خيط قد يوصل أدهم إليها عن طريق السجلات الإدارية.

وبعد ساعات قليلة، كانت ليلى تجلس في مقعد خشبي بارد داخل قطار قديم يتحرك ببطء مطلقاً صافرته الحزينة، مغادراً أرصفة القاهرة المتعبة، ومتجهاً نحو المجهول.. نحو أقاليم بعيدة ونائية، حيث لا أحد يعرفها، ولا أحد يملك حق الحكم على جسدها أو شرفها. كانت تنظر من النافذة إلى أضواء المدينة التي تتلاشى تدريجياً، ويدها ثابتة فوق بطنها، مودعةً "ليلى القديمة" إلى الأبد.

في هذه الأثناء، ومع حلول ساعات الليل الأولى، كان أدهم يعود إلى الشقة. كان جسده منهكاً وعقله في حالة غليان كامل، لكن ملامحه كانت تحمل تصميماً غريباً. لقد أمضى الساعات الماضية في مواجهة عاصفة إدارية عنيفة داخل الكلية؛ حيث صدر قرار رسمي بفصله لمدة عام كامل وتأخير تكليفه كطبيب، بسبب المشاجرة الوحشية التي خاضها ضد مازن، والتي تسببت للأخير في عاهة مستديمة في وجهه وأنفه.

لكن أدهم لم يكن يهتم بالفصل أو بتأخير مستقبله؛ كان كل ما يشغل باله هو أنه أعلن للجميع أثناء التحقيق والدفاع عن نفسه وعن ضربه لمازن أن ليلى هي زوجته الشرعية! لقد طفح الكيل، وقرر ألا يعود للوراء. كان عائداً إلى الشقة وهو متحمس ليخبرها أن الجواز في الخفاء قد انتهى، وأنه سيواجه عائلته "الدمنهوري" بالحقائق غداً واليوم، وليحدث ما يحدث.

فتح باب الشقة بلهفة، ودخل وهو ينادي بصوته الرجولي الدافئ:

"ليلى! ليلى أنا جيت.. عندي ليكي أخبار.."

لكنه لم يجد رداً. ساد المكان هدوءٌ مريب وبارد، هدوءٌ يشي بالخلو والرحيل. خطت قدماه نحو الصالة، ثم نحو الغرفة. وقعت عيناه على السرير المرتب بعناية، ولمح تلك الورقة البيضاء الصغيرة المستقرة فوق الوسادة.

تقدم بخطوات متوجسة، وسحب الورقة. فور أن قرأ الكلمات: "شكراً على عطفك يا أدهم بيه.. بس أنا مش حمل شفقة حد.."، شعر وكأن الصاعقة ضربت رأسه. تذكر فوراً جلسته مع ياسر في الكافيه وسكوته اللعين! لقد فهم الآن كل شيء.. فهم أنها كانت هناك، وأنها سمعت صمته وتفسيره الخاطئ.

انفجر الغضب والندم والحسرة في صدر أدهم كبركان ثائر. شعر بجنون يجتاح عقله. بدأ يصرخ بكل ما أوتي من قوة، صرخة وحشية هزت جدران الشقة الفارغة:

"لييييييييييييييييييييييييييييلى!!!"

وبدأ يكسر كل ما تطاله يداه في المكان؛ حطم التلفاز، ألقى بالمقاعد، ومزق الأوراق، والدموع تنهمر من عينيه العسليتين بغزارة لأول مرة في حياته. لكن تكسير الأشياء لم يكن ليعيد الزمن إلى الوراء..

ليلى كانت خلاص.. اختفت، وتبخرت كأنها لم تكن موجودة قط، تاركةً وراءها رجلاً يحترق في رماد عشقه.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • رماد العشق والجسد   رقصةُ الأفاعي

    انقشعَت غيومُ الفجرِ الباردةِ عن أفقِ الساحلِ الشمالي لتتركَ خلفَها رطوبةً دافئةً غلّفَت واجهاتِ القصرِ الساحليِّ الشامخ، عاكسةً خيوطَ الشمسِ الأولى التي تسلّلَت بنعومةٍ بالغةٍ عبرَ النوافذِ الزجاجيةِ العملاقة. كان البحرُ بالأسفلِ قد استعادَ هدوءَهُ النسبي، لكنَّ الأجواءَ داخلَ الجناحِ الملكيِّ الفسيحِ كانت مشحونةً بأنفاسٍ متلاحقةٍ وتوتراتٍ خفيةٍ تكادُ تُسمعُ لها طنين. لم يكن هذا الصباحُ عادياً؛ بل كان أشبهَ بصلحٍ مؤقتٍ فوقَ أرضٍ ملغومةٍ بالمؤامراتِ التي بدأت خيوطُها القرمزيةُ تُغزلُ خلفَ السِّتارِ في العاصمةِ والصعيدِ على حدٍّ سواء.في داخلِ الصالةِ الكبرى، كانت ليلى تقفُ أمامَ الشرفةِ المطلةِ على جرفِ البحر، وقوامُها "الكيرفي" الفاتنُ الطاغي، الذي باتَ يضجُّ بأنوثةٍ أرستقراطيةٍ ساحرةٍ سحقَت ذكرياتِ التنمرِ القديمة، كان ملفوفاً برداءٍ من الحريرِ الناعمِ باللونِ الكحليِّ المنسدل. الفستانُ كان يلتصقُ بخصرِها المنحوتِ واستدارةِ وركَيها بليونةٍ تبرزُ جاذبيّتَها الطاغية، بينما كان صدرُها الممتلئ يعلو ويهبطُ بأنفاسٍ لاهثةٍ حذرة. شعرُها الأسودُ الكثيفُ كان مرفوعاً بكلاسيكيةٍ أنيقة،

  • رماد العشق والجسد   وُجوهٌ خلفَ السِّتار

    انقشعت غيومُ الفجرِ المُمطرة عن سماءِ الساحلِ الشمالي رويداً رويداً، لتتركَ خلفها رطوبةً دافئةً غلّفت جدرانَ القصرِ الساحليِّ الشامخ، وأرضيتَهُ الرخاميّة التي شهدت ليلةً من نيرانِ الغضبِ والتملُّكِ الأعمى. عادَ السكونُ الظاهريُّ ليفرضَ سلطانهُ على المكان، لكنَّهُ كانَ سكوناً مشحوناً بأنفاسٍ متلاحقة، وأجسادٍ أضناها السهرُ والركضُ في ملاحمِ الدفاعِ عن العِشقِ والدم.في داخلِ الجناحِ الملكيِّ الفسيح، حيثُ يمتدُّ الزجاجُ العملاقُ كلوحةٍ حيّةٍ تعرضُ حركاتِ أمواجِ البحرِ الهادئةِ الآن، كانت ليلى تستلقي على الأريكةِ المخمليّةِ العريضة. قوامُها "الكيرفي" الفاتنُ الطاغي، الذي باتَ يضجُّ بأنوثةٍ أرستقراطيّةٍ راقية سحقت مقاييسَ التنمرِ القديمة، كانَ ملفوفاً برداءٍ من الحريرِ الناعم باللونِ القُرمزيِّ الدافئ. كانَ فستانُها الأحمرُ القاني مبللاً بعرقِ الخوفِ والنجاة، يلتصقُ بخصرِها المنحوتِ واستدارةِ وركَيها وصدرِها الممتلئ الذي يعلو ويهبطُ بأنفاسٍ لاهثةٍ حذرة.شعرُها الأسودُ الكثيفُ كانَ مبعثراً بنعومةٍ بالغةٍ فوقَ كتفَيها الممتلئتين، يفوحُ منهُ عيرُ الياسمينِ البريِّ الساحرِ المخ

  • رماد العشق والجسد   مخالبُ الغدرِ

    لم تكن صرخة أدهم الدمنهوري مجرد صوتٍ شقَّ سكون القصر الساحلي، بل كانت زلزالاً نفسياً مدمراً أعلن فيه وحش التملك والغضب الكاسر عن ولادته الثانية. تلاشت هالة البرنس الأرستقراطي الهادئ في ثانية واحدة، ليحل محلها غضبٌ دموّي أعمى برزت معه عروق جبهته ورقابه كحبالٍ مشدودة تكاد تنفجر من فرط التوتر الحارق. اندفعت الدماء الحارة في عروقه وهو ينظر إلى الأريكة حيث استقرت ليلى، وقوامها "الكيرفي" الفاتن الطاغي بالفستان الأحمر القاني يتشنج برعبٍ لاهث بعد أن استعادت وعيها في لمح البصر، لتنطلق من صدرها الممتلئ صرخة أمومة مفزوعة مزقت حجب الليل:"يوسف!! أدهم.. ابني ضاع! أرجوك رجعهولي.. مش هقدر أعيش من غيره!"ارتجف صدرها الممتلئ وخصرها المنحوت مع أنفاسها المتلاحقة الهيستيرية، وعيناها البنيتان الواسعتان اللتان تخلصتا من نظارتها القديمة باتتا تفيضان بنيران الذعر والجلد. وقبل أن تنهض، اندفع أدهم نحوها، وبحركة رجولية عنيفة وتملكية قاطعة، قبض على كتفيها الممتلئتين، وجذب جسدها الممتلئ بالكامل ليلتصق بصدره العريض، ودفن وجهه الحاد في عنقها الأبيض يستنشق عير ياسمينها البري الممزوج بعرق الخوف، ووشوش

  • رماد العشق والجسد   نيرانُ الغيرة

    انقشعت أضواء الفلاشات الهيستيرية ورويداً رويداً بدأت همسات الاندهاش تتراجع في قاعة المؤتمرات الفخمة بفندق الإسكندرية، لكن صدى الكلمات القاطعة التي أطلقها أدهم الدمنهوري كان لا يزال يتردد في الأركان كزلزالٍ حطم كبرياء الطبقات المخملية في ثانية واحدة. تفرق الجمع الأرستقراطي إلى مجموعات صغيرة، والكل يتبادل نظرات مذهولة؛ فالمرأة "الكيرفي" الساحرة التي تقف بجوار الحوت المالي بكامل شموخها وعنفوانها، أصبحت رسمياً الملكة المتوجة لإمبراطورية الدمنهوري الطبية.كان أدهم لا يزال يطوق خصر ليلى المنحوت بيده القوية، ضاغطاً على قوامها الممتلئ الفاتن بتملكٍ أزلي أمام العيون الحاقدة. انحنى نحو أذنها وسط صخب القاعة، ونبرة صوته الرخيمة العميقة دوت دافئة وحارقة لتخترق حجاب وعيها:"شفتي عيونهم يا ليلى؟ شفتي إزاي الكل بقا بينحني قدام كبريائك وجمالك اللي كانوا بيتنمروا عليه زمان؟ أنتي تاجي.. والنهاردة أنا رديتلك اعتبارك قدام الكون كله، ولسه اللي جاي هيبهرك أكتر."نظرت إليه ليلى بعينيها البنيتين الواسعتين اللامعتين بدموع الانتصار الحارة التي قاومتها طويلاً خلف نظارتها القديمة. فستانها ا

  • رماد العشق والجسد   فوقَ جمرِ الطبقات

    مع إشراق شمس الصباح التالي فوق ضفاف الساحل الشمالي، كان البحر قد تخلص تماماً من غضبه العارم، ليستحيل إلى مرآة زرقاء شاسعة تعكس زرقة السماء الصافية وخيوط الشمس الذهبية الدافئة التي تسللت بنعومة عبر النوافذ الزجاجية العملاقة للقصر الساحلي المنعزل. كانت نسمات الصباح تحمل رطوبة البحر الممتزجة برائحة الندى والياسمين البري، لتضفي على المكان هدوءاً ظاهرياً يخفي خلفه براكين مؤجلة من العشق والتحدي والمؤامرات المشتعلة.في داخل الجناح الملكي الفسيح، كانت ليلى تستلقي على الفراش الوثير، وقوامها "الكيرفي" الفاتن الطاغي كان ملفوفاً برداء حريري ناعم باللون الكحلي الداكن، يحدد بدقة متناهية تفاصيل جسدها الممتلئ المتناسق الذي أعادت صياغته جراح السنين. كان خصرها المنحوت يستند بليونة إلى الوسائد البيضاء، وصدرها الممتلئ يعلو ويهبط بأنفاس هادئة ومضطربة في آن واحد، وهي تتأمل ملامح أدهم الدمنهوري المستلقي بجانبها.أدهم.. الرجل الذي حارب الكون كله بالأمس من أجلها، كان ينام بسلام لم يذقه منذ خمس سنوات. خصلات شعره السوداء الناعمة كانت مبعثرة على جبهته الحادة، وملامحه الرجولية القاسية الطاغية قد ارتخت قليلاً في ق

  • رماد العشق والجسد   ممراتٌ من الوجع

    أشرقت شمس القاهرة فوق أسطح الأبراج الإدارية والمباني الخرسانية، لتزيح ببطء ستائر الضباب الكثيف الذي خلفه وراءه ليل الخريف البارد، معلنةً عن بداية يومٍ لا يحمل في طياته سوى نيران المواجهة وساعات الحساب الشرسة. لم يكن ذلك الفجر عادياً في العاصمة؛ بل كان أشبه بهدوءٍ حذر يسبق زلزالاً مدمراً، حيث كانت خيوط المؤامرات تُغزل في الخفاء داخل الصالونات الأرستقراطية، بينما كانت دقات الساعة تعلن اقتراب ساعة الصِدام.في تلك الأثناء، كانت المروحية الخاصة بمجموعة الدمنهوري تشق السماء، عائدةً بجنون من أطراف الساحل الشمالي نحو مهبط الطائرات الخاص بالبرج الرئيسي للعائلة في قلب العاصمة. وفي المقعد الخلفي، كان أدهم الدمنهوري يجلس مستنداً برأسه الحاد إلى المقعد، وعيناه العسليتان اللتان انطفأ نورهما لخمس سنوات تشتعلان الآن ببريقٍ وحشي، بريق تملكي قاطع لا يعرف التراجع أو المهادنة.كان يرتدي قميصاً قطنياً أسود يلتصق بعضلات صدره العريض وظهره الرياضي، وخصلات شعره السوداء الناعمة كانت ثائرة بفعل الرياح، بينما كانت تقارير النيابة العامة بالإسكندرية—التي أرسلها كابتن طارق فجراً—مستقرة بين أصابعه الطويلة القوية. ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status