كانت جدران كلية طب قصر العيني العتيقة تشبه دفتي كتابٍ قديم يفوح برائحة التاريخ، والورق المجلد، والفورمالين، ومزيجٍ لا يهدأ من عرق الأجساد المتعبة وأنقاض الأحلام المعلقة. في تلك الممرات العريضة ذات الأسقف العالية، لم يكن الصوت مجرد همهمات عابرة، بل كان أشبه بطنين خلية نحل بشرية محبوسة في ترقب دائم. هنا، حيث يلتقي الخوف بالشغف، كانت الخطوات السريعة للطلبة قبل الامتحانات تعزف إيقاعاً متوتراً لا يتوقف طوال العام.لكن قصر العيني لم يكن مجرد صرح لتعليم الطب؛ كان "مجتمعاً" كاملاً مشوهاً وبديعاً في آن واحد. مجتمعاً مصغراً يملك قوانينه الخاصة، وطبقاته غير المكتوبة، وأسياده الذين يمشون على الأرض مرحاً، ومنسييه الذين يتمنون لو تبتلعهم شقوق البلاط القديم ليتخلصوا من ثقل الوجود.وعلى رأس هذا المجتمع، متربعاً فوق عرش غير مرئي صاغه المال والوسامة والنفوذ، كان يسير "أدهم الدمنهوري".لم يكن أدهم مجرد طالب متفوق يحصد الدرجات النهائية في امتحانات الأقسام الطبية المعقدة، بل كان حالة خاصة، هالة تسير على قدمين وتجبر الجميع على الالتفات. كان يملك وسامة هادئة لكنها طاغية، طولاً فارعاً يجعله يرى الجميع من أعل
آخر تحديث : 2026-05-21 اقرأ المزيد