Share

ملامحٌ من كبرياء

last update Tanggal publikasi: 2026-05-22 00:40:15

مرت خمس سنوات كاملة.. خمس سنوات كانت كفيلة بأن تبدل ملامح الأرض، وتغير مصائر البشر، وتحول الدماء الحارة التي سالت في ممرات قصر العيني ذات يوم إلى جليدٍ قاسم يغلف القلوب. خمس سنوات لم يكن فيها الوقت بلسماً يداوي الجراح، بل كان إزميلاً حاداً يعيد نحت الأرواح من جديد وسط رماد الماضي.

في مدينة ساحلية هادئة تقع على أطراف الإسكندرية، حيث يمتزج صخب الأمواج برائحة اليود والحرية، كانت هناك عيادة طبية أنيقة تحمل لافتة نحاسية براقة كُتب عليها بخط كوفي متقن: "د. ليلى عبد السلام - أخصائية الأمراض الباطنية وسوء التغذية".

داخل العيادة، خلف مكتب خشب أبيض ينم عن ذوق رفيع وعصري، كانت تجلس امرأة تفيض بالثقة والجاذبية، امرأة لو رآها أشد المقربين من دفعة قصر العيني القديمة لما استطاع التعرف عليها، أو لظنها شبيهةً لليلى القديمة وليست هي.

لقد تلاشت "ليلى المنطوية" المكسورة تماماً، وحلت محلها امرأة في أوج أنوثتها وكبريائها. الحمية الغذائية الصارمة التي اتبعتها طوال السنوات الماضية، والرياضة المنتظمة، والاعتماد الكامل على النفس، أحدثت ثورة في جسدها. خسرت ليلى الوزن المرضي والمترهل الذي كان مادة لسخرية القلوب القاسية، لكنها لم تصبح نحيفة كعارضات الأزياء؛ بل تحول قوامها إلى جسد "كيرفي" ممتلئ، متناسق، ينطق بالأنوثة الطاغية والإثارة الراقية.

خصرها أصبح منحوتاً بشكل بارز يتباين مع استدارة وركيها وصدرها الممتلئ، مما جعل أي رداء ترتديه—حتى وإن كان واسعاً ورسمياً—يبدو عليها فاتناً ومثيراً للإعجاب. ملامح وجهها ظهرت أخيراً من وراء غياهب السمنة؛ عظام فكها أصبحت حادة ومحددة، وعيناها البنيتان الواسعتان، اللتان تخلتا عن النظارة الطبية القديمة واستبدلتاها بعدسات خفيفة أو تركهما لطبيعتهما الساحرة، باتتا تشعان بذكاء حاد ونظرة كبرياء باردة تضع حدوداً فاصلة بينها وبين الكون. لم تعد المأكولات هرباً لها، بل أصبح نجاحها وطفلها هما محور وجودها.

انفتح باب المكتب الصغير الملحق بالعيادة، ودخل منه طفل في الخامسة من عمره، يركض بخطوات واثقة متعثرة وضوضاء طفولية مبهجة. كان يرتدي ثياباً أنيقة، ويحمل في يده خصلات شعر سوداء ناعمة ثائرة، وعينين عسليتين واسعتين تشعان بذكاء حاد وجرأة غريبة.. إنه "يوسف".

ارتمى يوسف في حضن ليلى، فالتقت ذراعاها الممتلئتان حول جسده الصغير، وضمته إلى صدرها بشغف يعوضها عن مرارة الأيام. لثمت جبينه وقالت بنبرة تذوب حناناً:

"يا قلب ماما.. خلصت تلوين؟ الدادة أكلتك؟"

هز يوسف رأسه الصغير بحماس، ونظر في عينيها قائلاً بنبرة رجولية صغيرة تشبه نبرة مألوفة تكاد تمزق قلب ليلى كلما سمعتها:

"آه يا ماما خلصت.. وأنا بقيت قوي وشربت اللبن كله عشان لما أكبر أبقى دكتور كبير زيك وأحميكي من أي حد يزعلك."

ابتسمت ليلى والدموع تترقرق في عينيها. "يوسف" كان معجزتها، وسر قوتها، والنسخة الحية من الرجل الذي أحبته وافترس صمته قلبها. لم تخبر يوسف يوماً بأن أباه قد خذلها؛ بل زرعت في نفسه أنه ابن طبيب كبير، وأن الأقدار فصلت بينهم، لكنها كانت تجهزه لليوم الذي سيواجه فيه عائلة الدمنهوري، ليس كابن سر يستجدي الشفقة، بل كوريث شرعي يملك من الذكاء والقوة ما يجعله ينتزع حقه انتزاعاً.

في هذه الأثناء، وفي قلب القاهرة الصاخب، وتحديداً في البرج الإداري الضخم لـ "مجموعة مستشفيات الدمنهوري الطبية"، كان "أدهم الدمنهوري" يجلس وراء مكتبه الزجاجي العملاق في الطابق الأخير، يطل على المدينة التي تبدو صغيرة من أوج نفوذه وثروته.

خلال السنوات الخمس الماضية، أصبح أدهم وحشاً حقيقياً في عالم المال والأعمال الطبي. تولى إدارة إمبراطورية والده، وضاعف ثروة العائلة وأرباحها ثلاث مرات. أصبح اسمه يتردد في المؤتمرات الطبية والاقتصادية كأحد أصغر وأنجح رجال الأعمال في الشرق الأوسط. لكن هذا النجاح الخارجي كان يوازيه خراب داخلي مرعب.

تحول أدهم إلى رجل شديد القسوة، بارد المشاعر، لا يبتسم أبداً. ملامحه الثلاثينية أصبحت أكثر حدة ورجولية طاغية، وعيناه العسليتان تحولتا إلى جمرتين من البرود والغموض. لم يتزوج، ولم ينظر لامرأة طوال خمس سنوات، رغم محاولات والدته المستميتة لإيقاعه في شباك بنات العائلات الأرستقراطية. بالنسبة لأدهم، كان يعيش جسداً بلا روح في قصر عائلته، بينما روحه لا تزال معلقة في تلك الشقة القديمة المتواضعة التي رفض بيعها أو تغيير أيام حطامها، حيث يذهب هناك كل أسبوع ليعيش ليلته وحيداً وسط ذكريات "ليلى".

لم يتوقف أدهم يوماً واحداً عن البحث. كان يوظف كبار المحققين الخاصين، ويستغل نفوذه في وزارة الصحة لتتبع أي طبيبة تحمل اسم ليلى أو تحاول قيد نفسها في النقابة، لكن ليلى كانت أذكى؛ إذ غيرت بيانات تواصلها ومكان سكنها ببراعة بمساعدة معارف قدامى، وظلت تعمل في عيادات خاصة صغيرة ونائية دون تسجيل رسمي يثير الانتباه حتى استقرت في عيادتها الحالية بالإسكندرية تحت غطاء اسم تجاري آخر.

دخل السكرتير الخاص لأدهم، وهو يحمل ملفاً جلدياً أسود، وبدا التوتر واضحاً على وجهه:

"دكتور أدهم.. الملف ده بخصوص التوسعات الجديدة للمجموعة في منطقة الساحل والإسكندرية. إحنا خلاص استحوذنا على قطاع المستشفيات هناك، وفي مؤتمر طبي كبير هينعقد الأسبوع الجاي في الإسكندرية لافتتاح الفرع الجديد، وحضرتك رئيس المؤتمر ولازم تكون موجود."

أخذ أدهم الملف دون أن ينظر إليه، وقال بصوت رخيم عميق يبعث الرعب في النفس:

"جهز العربية والترتيبات.. هتحرك للإسكندرية من يوم الأحد. المؤتمر ده لازم ينجح، ومش عاوز أي غلطة."

لم يكن أدهم يعلم، وهو يوقع على أوراق سفره إلى الإسكندرية، أن الأقدار قد سئمت من لعبة الغميضة، وأن نفس المدينة الساحلية التي تضم عيادة ليلى "الجديدة" ستكون المسرح الصادم الذي سيلتقي فيه الحبيبان مجدداً..

لقاءٌ لن يكون فيه مكان للدموع، بل ستتصادم فيه أمواج الكبرياء والأنوثة الطاغية مع نيران الندم والنفوذ القاسي.

كانت الإسكندرية في ذلك الوقت من العام تتنفس نسمات الخريف الساحرة؛ أمواج البحر تضرب الصخور بحرية، والغيوم الرمادية الخفيفة تحجب أشعة الشمس لتضفي على المدينة طابعاً درامياً غامضاً. وفي قاعة المؤتمرات الكبرى بأحد أفخم فنادق المدينة المطلة على البحر مباشرة، كانت الأجواء تشتعل بالحركة والنشاط.

المؤتمر الطبي السنوي لإمبراطورية "الدمنهوري" لم يكن مجرد حدث أكاديمي، بل كان استعراضاً حقيقياً للقوة والنفوذ. الأطباء من مختلف المحافظات، أساتذة الجامعات، الصحفيون، ورجال الأعمال، كانوا يملأون القاعة الفسيحة ذات الثريات الكريستالية الضخمة، والكل يترقب وصول رئيس المجموعة، الحوت الطاعن في عالم المال والطب، الدكتور أدهم الدمنهوري.

بين الحشود، كانت ليلى تسير بخطوات هادئة مفعمة بالثقة. لم تكن ترغب في الحضور، فالاسم "الدمنهوري" المكتوب على لافتات المؤتمر كان كفيلاً بإيقاظ وحوش الذكريات في صدرها، لكن صيدلي القرية العجوز ولجنة أطباء الإقليم أصروا على حضورها كممثلة متميزة عن أطباء المنطقة بعد نجاح عيادتها الباهر في علاج حالات سوء التغذية المعقدة.

كانت ليلى تبدو آية في الجاذبية والكبرياء. ارتدت بدلة رسمية أنيقة باللون الأخضر الزمردي—وهو اللون الذي كانت ترتديه قديماً لتختفي، لكنه اليوم كان يبرز تضاريس جسدها "الكيرفي" الفاتن المتناسق بشكل يخطف الأنفاس. جاكيت البدلة كان محدداً بدقة عند خصرها المنحوت، والبنطال القماشي يتحرك بانسيابية مع مشيتها الواثقة التي لم تعد تحمل أي أثر لانكسار الماضي. رفعت شعرها الأسود الكثيف إلى الأعلى في كعكة كلاسيكية أنيقة، تاركة خصلات متمردة تداعب عنقها الأبيض، واستغنت تماماً عن مساحيق التجميل المبالغ فيها، واكتفت بأحمر شفاه هادئ يبرز حدة ملامحها الجديدة. كانت تسير والعيون تتبعها بإعجاب ومهابة، كملكة تدخل عرشاً لم يكن لها.

وفجأة.. ساد الصمت في القاعة، وتراجعت الجموع تلقائياً إلى الجانبين ليفتحوا ممرًا واسعاً.

دخل أدهم الدمنهوري.

كان محاطاً بحراسه الشخصيين وسكرتاريته، يرتدي بدلة سوداء فاخرة حيكت له خصيصاً في إيطاليا، قميصه الأبيض ناصع، ورابطة عنقه منسقة بعناية، وساعته الثمينة تلمع تحت إضاءة القاعة الشديدة. ملامحه الثلاثينية كانت تحمل مزيجاً مرعباً من الوسامة الطاغية والبرود الكاسر البارد كصقيع الشتاء. كان يسير بنظرات حادة لا تلتفت لأحد، وكأنه يرى الجميع مجرد أرقام في حساباته.

بينما كان يتوجه نحو المنصة الرئيسية لإلقاء الكلمة الافتتاحية، حرك أدهم عينيه العسليتين في القاعة بنظرة روتينية اعتاد عليها. لكن.. في ثانية واحدة شاردة، تجمدت دقات قلبه.

على بعد أمتار قليلة، وسط زحام الأطباء، لمح "قواماً" مألوفاً بشكل لا يصدق. امرأة كيرفي، ممتلئة الأنوثة، تقف بشموخ وكبرياء لم يعهده من قبل، لكن التفاف كتفيها، وطريقة وقفتها، وتلك النظرة البنية الواسعة التي التقت بعينيه في نفس اللحظة.. كانت مطابقة للمرأة التي سكنت خياله وعاش على رمادها لخمس سنوات!

شعر أدهم وكأن صاعقة ضربت قاعة المؤتمرات بالكامل. تيبست قدماه على الأرض، وتوقف عن السير وسط دهشة حراسه ومرافقيه. اتسعت عيناه العسليتان بذهول ورعب، وابتلع ريقه بصعوبة وهو يهمس في داخله بجنون: "ليلى؟ مش ممكن.. ليلى كانت.."

في المقابل، لم تهتز ليلى. كانت تعلم أن هذه اللحظة ستأتي، ورغم أن قلبها انتفض بعنف في صدرها لرؤيته بعد كل هذه السنين، إلا أن وجهها ظل قناعاً من الجليد والكبرياء. نظرت إليه بعينيها البنيتين الحادتين نظرة باردة، غامضة، خالية من أي عتاب أو لهفة، نظرة طبيبة تنظر إلى غريب لا يعنيها أمره. ثم، ببطء شديد وبمنتهى الثقة، استدارت بجسدها الفاتن وتحركت بين الحشود لتختفي وراء أحد الأعمدة الضخمة للقاعة.

استعاد أدهم وعيه كالمجنون. دفع سكرتيره الخاص بعنف، وتجاهل المنصة، والبروتوكول، وكاميرات الصحفيين التي بدأت تلمع، وانطلق يركض بين الأطباء بخطوات واسعة لاهثة، يزيح كل من يقف في طريقه وعيناه تدوران في المكان كالممسوس:

"أوسع! ابعد من وشي!" صرخ أدهم بصوت هادر أرعب الحضور.

وصل إلى المكان الذي كانت تقف فيه، لكنها كانت قد تبخرت وسط الزحام، تاركة وراءها عبيراً مألوفاً من عطر الياسمين البري.. العطر الذي كان يعرفه جيداً، والذي أكد له أن ما رآه لم يكن طيفاً من خياله، بل كانت هي.. ليلى الحقيقية، ليلى التي عادت ولكن لتسحق كبرياءه تحت أقدامها.

وقف أدهم في منتصف القاعة يلهث، وعروق جبهته تكاد تنفجر، بينما التفت حراسه حوله بقلق. نظر إلى سكرتيره وقال بنبرة تقطر جنوناً وتهديداً:

"قائمة الحضور.. قائمة أسماء الدكاترة اللي دخلوا القاعة دي حالا تكون على مكتبي في دقيقة واحدة! لو مقلوبتش الدنيا وجمعتلي بيانات الست اللي كانت واقفة هنا.. هنهي مستقبلكم كلكم!"

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • رماد العشق والجسد   عبور الجحيم وولادة الفجر الجديد

    بضربة قاطعة مدوية، ألقى أدهم بشقيقه من فوق الصخرة الشاهقة ليهوي نحو لجة البحر الأبيض المتوسط المتلاطمة، حيث ابتلعته الأمواج العاتية وسط صخور المضيق، مخلفاً وراءه بقعة من الدماء امتزجت بمياه البحر الثائرة.تنفس أدهم الصعداء، والتفت بجسده المنهك المدمى نحو ليلى التي كانت تقف بكامل طولها الفارع ورداؤها المخملي يرفرف مع الرياح. تقدم نحوها، وحملها بين ذراعيه من جديد، محكماً قبضته على انحناءات خصرها المنحوت، شاداً قوامها الكيرفي ليلتصق بضلوعه الساخنة المشتعلة بالوفاء الجارف، معلناً أمام كابتن طارق وحراس العرين المتبقين أن الأرض قد طُهرت، وأن صكه السيادي قد ثُبت بالدم والنار لأخر الزمان.ولكن... القدر أبى أن يغلق الستار على سلام.بينما كان أدهم يسير بليلى نحو الطائرة العمودية الفاخرة المتبقية للشقيق لإنقاذها ونقلها للعرين الاحتياطي، اهتزت الأرض تحت أقدامهم باهتزاز جيولوجي مريب وعميق، أصدرت معه شاشة طارق اليدوية صوتاً جنائزياً متصلاً. نظر طارق إلى الشاشة، وتجمدت ملامحه العسكرية برعب مطلق فاق كل ما سبق، وصاح بصوت متحشرج:> **"سيدي القائد... الأمر لم ينتهِ! سقوط الشقيق وتوقف م

  • رماد العشق والجسد   الصفقة الدموية

    أمسك أدهم بيد ليلى الرقيقة، وسحبها خلف ظهره الفولاذي الشامخ وسط حطام المختبر المتفحم. كان الصراع النفسي يلتهم جوانح ليلى؛ عقلها الأكاديمي الفذ يحلل الكارثة الجديدة... كيف لشبيه أدهم، الذي يحمل ذات الشفرة الوراثية وذات التكوين التشريحي، أن يكون هو المهندس الخفي وراء لعنة "انشطار الوتين"؟ هل هي مصيدة جينية صُممت لتصفية أحدهما على حساب الآخر؟تحرك الثلاثة عبر نفق جيولوجي سري حُفر في صخور الساحل الشمالي، دهليز مظلم لا تضيئه سوى كشافات الطوارئ الحمراء التي عكست ظلالاً دموية على ثوب ليلى القرمزي. كانت الممرات تهتز بعنف إثر الانفجارات المرتدة في الأعلى؛ فقوات حلف الأوركيد الموالية للتوأم الآخر كانت تتقدم بدم بارد، مستغلةً الصلاحيات الجينية الممنوعة التي يملكها القائد الخفي.في منتصف النفق، توقفت ليلى فجأة إثر تقلص بيولوجي حاد جعلها تطلق آهة دافئة من بين شفتيها المكتنزتين. التفت إليها أدهم في جزء من الثانية؛ وبحركة رومانسية عنيفة وتملكية عارمة، حمل جسدها الممتلئ المتناسق بالكامل بين ذراعيه الفولاذيتين، دافناً وجهه الحاد في عنقها، مستنشقاً عبير ياسمينها البري الساحر الممتزج بأثير بنه

  • رماد العشق والجسد   الحد الفاصل بين عالمين

    انطلق أدهم نحو المدخل السري للقصر بخطوات حاسمة تكاد تحطم الأرضية. أدرك بلحظة صفاء مرعبة أن الهجوم البرمائي لم يكن إلا فخاً لوجستياً لعزله عن امرأته. كان الصراع النفسي يحرقه؛ ذكاؤه ونفوذه المالي اللامحدود بدا أمامه كالهباء إن لم يسعفه في إنقاذ نبض التوأم الذي يقسم بجمر عينيه على حمايته.وصل إلى البوابة الهيدروليكية العلوية للمصعد، والتي كانت مغلقة بأمر تنفيذي من النظام المخترق. لم ينتظر طارق أو الأكواد البديلة؛ رفع سلاحه المصبوب الثقيل وأطلق قذيفة مغناطيسية مباشرة على قلب البوابة، ليتطاير الفولاذ تحت وطأة الانفجار العنيف. وبدون تردد، ألقى بجسده الضخم القوي داخل الفراغ العمودي للمصعد، متمسكاً بكابلات التعليق الفولاذية بجرأة انتحارية، منزلقاً نحو عمق الأرض بسرعة فائقة تحرق قفازاته العسكرية، والدم يقطر من كفيه مخلفاً خطاً أحمر كُتب بالوفاء والشغف الجارف.داخل المختبر السفلي، وصل العداد التنازلي إلى **(00:05)**. أغلقت ليلى عينيها، ضامةً بطنها الممتلئ بقوة، منتظرةً الضربة الليزرية القاتلة، ودموعها الدافئة تبلل قرميز حريرها.**(00:02)**...وفجأة، تحطم السقف الفولاذي للمختبر

  • رماد العشق والجسد   الحقيقة المُرعبة

    تجمدت ليلى في مكانها، وشعرت برعب دافئ يسرى في عروقها، بينما تحول أدهم في جزء من الثانية إلى وحش كاسر لا يعرف الرحمة. لم يظهر عليه أي ذهول، بل تجاوز الموقف بدم بارد مخيف وسيادة مطلقة. التفت نحو طارق وأصدر أوامره اللوجستية والعسكرية المرتدة:> "طارق... فعل بروتوكول 'الأرض المحروقة' فوراً. الجناح المصفح للمختبر ينفصل هيدروليكياً ويهبط إلى العمق الجيولوجي أسفل القصر. خذ النخبة المتبقية، واستخدم السلاح الثقيل المصبوب؛ أريد إبادة شاملة لكل من يطأ رمال هذا الشاطئ. لا أريد أسرى... طهر المقرات اللوجستية للمهاجمين واجعل البحر يبتلع جثثهم."> انطلق طارق لتنفيذ الأوامر السيادية، وبدأت جدران القصر تهتز تحت وطأة الانفجارات المدمرة المتبادلة في الخارج. كانت قذائف السلاح المصبوب تضيء سماء الساحل الشمالي بوميض مرعب، ودوي المدافع يتغلغل عبر التحصينات الخرسانية. وفي وسط هذا الجحيم المشتعل، التفت أدهم إلى ليلى التي كانت ترتجف رغماً عن كبريائها الأكاديمي.تقدم نحوها، وبحركة رومانسية عنيفة وتملكية قاطعة لا تقبل الشراكة، أحكم ذراعيه حول قوامها المخملي القرمزي الفاتن، ضاماً إياها إلى صدره

  • رماد العشق والجسد   صراع العروش

    عادت الطائرة الشبحية، وهبط كابتن طارق في الجناح المصفح حاملاً حقيبة الترياق المصنوعة من الكاربون المقوى. اندلع الأمل في عينى أدهم وهو يرى الترياق أمامه؛ تقدم بسرعة فائقة، وبدأ بدمج المادة النانوية بالنواة المضادة تحت إشراف ليلى التي كانت تتابع الأرقام والمؤشرات الحيوية بوعي يكاد يغيب من شدة الألم والآهات الدافئة التي تخرج من صدرها.جهز أدهم الحقنة الطبية المتطورة، واقترب من ليلى، محكماً ذراعيه حول قوامها الكيرفي المتناسق لتثبيتها، هامساً برومانسية تملكية جارفة:> "تحملي يا حبيبتي... ها قد طوعتُ علم الكون تحت قدميكِ، الحياة تعود إليكِ الآن."> غرس الإبرة برفق شديد في وريدها، وضخ المصل اليمين. لثوانٍ معدودة، بدأت المؤشرات الحيوية على الشاشات تستقر، وتلاشى اللون الأحمر القاني ليحل محله اللون الأخضر الآمن، وتنفست ليلى الصعداء وهي تشعر بالدفء يسرى في أوصالها، متشبثة بقميص أدهم الساخن بامتنان وعشق لا ينتهي.ولكن... الفرحة لم تكتمل، والقدر كان يخبئ لهما صفعة أكثر دموية.فجأة، بدأت شاشات المراقبة الخارجية المحيطة بالجناح المصفح والمجمع الطبي بأكمله تنقل بثاً حياً وم

  • رماد العشق والجسد   الشفرة التشريحية المفقودة

    وسط الضجيج الصامت الذي يبتلع الجناح المصفح، وفي أعقاب تلك الصدمة الرقمية التي هزت أركان يقينهم، كانت المؤشرات الحيوية لليلى تتأرجح على حافة الخطر. لم يكن جسدها الممتلئ الفاتن في شهره السادس مجرد وعاء لطفلهما المنتظر، بل غدا ساحة معركة بيولوجية شرسة بين جينات الحياة الفطرية وبين طفرة "انشطار الوتين" اللعينة التي بدأت تلتهم خلاياها بنهمٍ مرعب. ورغم التقلصات الدافئة العنيفة التي كانت تضرب أحشاءها، وتلك الوعكة التي صبغت وجهها بشحوب مرمرى أخاذ، إلا أن عقلها الأكاديمي الرفيع أبى الاستسلام لسطوة الألم أو الركون إلى ضعف الأنوثة الخائفة.سحبت ليلى نفساً عميقاً، محاولةً تثبيت جسدها المنهك فوق المقعد الجلدي أمام شاشات العرض الضخمة. تحركت أصابعها المرتجفة برقة وجسارة على واجهة التحكم، مستعرضةً مخطوطات ومسودات تاريخية بالغة السرية؛ إنها "مسودة جيل 1890"، الوثيقة التشريحية الأم التي وضعها لوردات حلف الأوركيد الأوائل لتأسيس السلالة الجينية المحورة.تأملت ليلى الخطوط التشريحية الدقيقة المرسومة بالحبر الشاحب الرقمي، وشعرت بضلوع أدهم القوية تحيط بكتفيها من الخلف كدرع سرمدي. كان صراعه النفسي ي

  • رماد العشق والجسد   حياةٌ من ركام

    مرت الأيام والأسابيع، ثم تلتها الشهور ثقيلةً كئيبة، لتطوي صفحة الماضي وتترك خلفها جراحاً تنزف في الخفاء. تحولت شوارع القاهرة الصاخبة في عين أدهم إلى المتاهة الأكبر في حياته. لم يترك باباً إلا وطرقه، ولم يترك خيطاً، مهما كان رفيعاً، إلا وتبعه بجنون. استعان بمعارف عائلته ونفوذها، ودفع مبالغ طائلة لشر

  • رماد العشق والجسد   البحثُ عن السراب

    مرّت الساعات الأولى من الليل على أدهم وكأنها دهورٌ من الجحيم. الشقة التي كانت تنبض بالدفء والضحكات الخافتة تحولت في عينيه إلى مقبرة إسمنتية باردة. كان يجلس وسط الحطام الذي صنعه بيده، يداه ملطختان بخدوش وجروح طفيفة إثر تكسيره للزجاج والمقاعد، لكنه لم يكن يشعر بأي ألم جسدي؛ فالألم الذي يعتصره من الدا

  • رماد العشق والجسد   خنجرُ الصمت

    كانت تعرف تماماً أين تجده في هذا الوقت من اليوم؛ كان لديه مقهى (كافيه) فاخر وشهير قريب من منطقة الكلية، معتاد أن يجلس فيه مع أصدقائه المقربين بعد انتهاء الامتحانات ليتناولوا القهوة ويتحدثوا. استقلت سيارة أجرة، وطوال الطريق كانت دقات قلبها تسابق عجلات السيارة، تتخيل مواجهته، تتخيل كيف سيضمها إلى صدر

  • رماد العشق والجسد   ممرات الجامعة

    كانت جدران كلية طب قصر العيني العتيقة تشبه دفتي كتابٍ قديم يفوح برائحة التاريخ، والورق المجلد، والفورمالين، ومزيجٍ لا يهدأ من عرق الأجساد المتعبة وأنقاض الأحلام المعلقة. في تلك الممرات العريضة ذات الأسقف العالية، لم يكن الصوت مجرد همهمات عابرة، بل كان أشبه بطنين خلية نحل بشرية محبوسة في ترقب دائم.

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status