Share

ملامحٌ من كبرياء

last update publish date: 2026-05-22 00:40:15

مرت خمس سنوات كاملة.. خمس سنوات كانت كفيلة بأن تبدل ملامح الأرض، وتغير مصائر البشر، وتحول الدماء الحارة التي سالت في ممرات قصر العيني ذات يوم إلى جليدٍ قاسم يغلف القلوب. خمس سنوات لم يكن فيها الوقت بلسماً يداوي الجراح، بل كان إزميلاً حاداً يعيد نحت الأرواح من جديد وسط رماد الماضي.

في مدينة ساحلية هادئة تقع على أطراف الإسكندرية، حيث يمتزج صخب الأمواج برائحة اليود والحرية، كانت هناك عيادة طبية أنيقة تحمل لافتة نحاسية براقة كُتب عليها بخط كوفي متقن: "د. ليلى عبد السلام - أخصائية الأمراض الباطنية وسوء التغذية".

داخل العيادة، خلف مكتب خشب أبيض ينم عن ذوق رفيع وعصري، كانت تجلس امرأة تفيض بالثقة والجاذبية، امرأة لو رآها أشد المقربين من دفعة قصر العيني القديمة لما استطاع التعرف عليها، أو لظنها شبيهةً لليلى القديمة وليست هي.

لقد تلاشت "ليلى المنطوية" المكسورة تماماً، وحلت محلها امرأة في أوج أنوثتها وكبريائها. الحمية الغذائية الصارمة التي اتبعتها طوال السنوات الماضية، والرياضة المنتظمة، والاعتماد الكامل على النفس، أحدثت ثورة في جسدها. خسرت ليلى الوزن المرضي والمترهل الذي كان مادة لسخرية القلوب القاسية، لكنها لم تصبح نحيفة كعارضات الأزياء؛ بل تحول قوامها إلى جسد "كيرفي" ممتلئ، متناسق، ينطق بالأنوثة الطاغية والإثارة الراقية.

خصرها أصبح منحوتاً بشكل بارز يتباين مع استدارة وركيها وصدرها الممتلئ، مما جعل أي رداء ترتديه—حتى وإن كان واسعاً ورسمياً—يبدو عليها فاتناً ومثيراً للإعجاب. ملامح وجهها ظهرت أخيراً من وراء غياهب السمنة؛ عظام فكها أصبحت حادة ومحددة، وعيناها البنيتان الواسعتان، اللتان تخلتا عن النظارة الطبية القديمة واستبدلتاها بعدسات خفيفة أو تركهما لطبيعتهما الساحرة، باتتا تشعان بذكاء حاد ونظرة كبرياء باردة تضع حدوداً فاصلة بينها وبين الكون. لم تعد المأكولات هرباً لها، بل أصبح نجاحها وطفلها هما محور وجودها.

انفتح باب المكتب الصغير الملحق بالعيادة، ودخل منه طفل في الخامسة من عمره، يركض بخطوات واثقة متعثرة وضوضاء طفولية مبهجة. كان يرتدي ثياباً أنيقة، ويحمل في يده خصلات شعر سوداء ناعمة ثائرة، وعينين عسليتين واسعتين تشعان بذكاء حاد وجرأة غريبة.. إنه "يوسف".

ارتمى يوسف في حضن ليلى، فالتقت ذراعاها الممتلئتان حول جسده الصغير، وضمته إلى صدرها بشغف يعوضها عن مرارة الأيام. لثمت جبينه وقالت بنبرة تذوب حناناً:

"يا قلب ماما.. خلصت تلوين؟ الدادة أكلتك؟"

هز يوسف رأسه الصغير بحماس، ونظر في عينيها قائلاً بنبرة رجولية صغيرة تشبه نبرة مألوفة تكاد تمزق قلب ليلى كلما سمعتها:

"آه يا ماما خلصت.. وأنا بقيت قوي وشربت اللبن كله عشان لما أكبر أبقى دكتور كبير زيك وأحميكي من أي حد يزعلك."

ابتسمت ليلى والدموع تترقرق في عينيها. "يوسف" كان معجزتها، وسر قوتها، والنسخة الحية من الرجل الذي أحبته وافترس صمته قلبها. لم تخبر يوسف يوماً بأن أباه قد خذلها؛ بل زرعت في نفسه أنه ابن طبيب كبير، وأن الأقدار فصلت بينهم، لكنها كانت تجهزه لليوم الذي سيواجه فيه عائلة الدمنهوري، ليس كابن سر يستجدي الشفقة، بل كوريث شرعي يملك من الذكاء والقوة ما يجعله ينتزع حقه انتزاعاً.

في هذه الأثناء، وفي قلب القاهرة الصاخب، وتحديداً في البرج الإداري الضخم لـ "مجموعة مستشفيات الدمنهوري الطبية"، كان "أدهم الدمنهوري" يجلس وراء مكتبه الزجاجي العملاق في الطابق الأخير، يطل على المدينة التي تبدو صغيرة من أوج نفوذه وثروته.

خلال السنوات الخمس الماضية، أصبح أدهم وحشاً حقيقياً في عالم المال والأعمال الطبي. تولى إدارة إمبراطورية والده، وضاعف ثروة العائلة وأرباحها ثلاث مرات. أصبح اسمه يتردد في المؤتمرات الطبية والاقتصادية كأحد أصغر وأنجح رجال الأعمال في الشرق الأوسط. لكن هذا النجاح الخارجي كان يوازيه خراب داخلي مرعب.

تحول أدهم إلى رجل شديد القسوة، بارد المشاعر، لا يبتسم أبداً. ملامحه الثلاثينية أصبحت أكثر حدة ورجولية طاغية، وعيناه العسليتان تحولتا إلى جمرتين من البرود والغموض. لم يتزوج، ولم ينظر لامرأة طوال خمس سنوات، رغم محاولات والدته المستميتة لإيقاعه في شباك بنات العائلات الأرستقراطية. بالنسبة لأدهم، كان يعيش جسداً بلا روح في قصر عائلته، بينما روحه لا تزال معلقة في تلك الشقة القديمة المتواضعة التي رفض بيعها أو تغيير أيام حطامها، حيث يذهب هناك كل أسبوع ليعيش ليلته وحيداً وسط ذكريات "ليلى".

لم يتوقف أدهم يوماً واحداً عن البحث. كان يوظف كبار المحققين الخاصين، ويستغل نفوذه في وزارة الصحة لتتبع أي طبيبة تحمل اسم ليلى أو تحاول قيد نفسها في النقابة، لكن ليلى كانت أذكى؛ إذ غيرت بيانات تواصلها ومكان سكنها ببراعة بمساعدة معارف قدامى، وظلت تعمل في عيادات خاصة صغيرة ونائية دون تسجيل رسمي يثير الانتباه حتى استقرت في عيادتها الحالية بالإسكندرية تحت غطاء اسم تجاري آخر.

دخل السكرتير الخاص لأدهم، وهو يحمل ملفاً جلدياً أسود، وبدا التوتر واضحاً على وجهه:

"دكتور أدهم.. الملف ده بخصوص التوسعات الجديدة للمجموعة في منطقة الساحل والإسكندرية. إحنا خلاص استحوذنا على قطاع المستشفيات هناك، وفي مؤتمر طبي كبير هينعقد الأسبوع الجاي في الإسكندرية لافتتاح الفرع الجديد، وحضرتك رئيس المؤتمر ولازم تكون موجود."

أخذ أدهم الملف دون أن ينظر إليه، وقال بصوت رخيم عميق يبعث الرعب في النفس:

"جهز العربية والترتيبات.. هتحرك للإسكندرية من يوم الأحد. المؤتمر ده لازم ينجح، ومش عاوز أي غلطة."

لم يكن أدهم يعلم، وهو يوقع على أوراق سفره إلى الإسكندرية، أن الأقدار قد سئمت من لعبة الغميضة، وأن نفس المدينة الساحلية التي تضم عيادة ليلى "الجديدة" ستكون المسرح الصادم الذي سيلتقي فيه الحبيبان مجدداً..

لقاءٌ لن يكون فيه مكان للدموع، بل ستتصادم فيه أمواج الكبرياء والأنوثة الطاغية مع نيران الندم والنفوذ القاسي.

كانت الإسكندرية في ذلك الوقت من العام تتنفس نسمات الخريف الساحرة؛ أمواج البحر تضرب الصخور بحرية، والغيوم الرمادية الخفيفة تحجب أشعة الشمس لتضفي على المدينة طابعاً درامياً غامضاً. وفي قاعة المؤتمرات الكبرى بأحد أفخم فنادق المدينة المطلة على البحر مباشرة، كانت الأجواء تشتعل بالحركة والنشاط.

المؤتمر الطبي السنوي لإمبراطورية "الدمنهوري" لم يكن مجرد حدث أكاديمي، بل كان استعراضاً حقيقياً للقوة والنفوذ. الأطباء من مختلف المحافظات، أساتذة الجامعات، الصحفيون، ورجال الأعمال، كانوا يملأون القاعة الفسيحة ذات الثريات الكريستالية الضخمة، والكل يترقب وصول رئيس المجموعة، الحوت الطاعن في عالم المال والطب، الدكتور أدهم الدمنهوري.

بين الحشود، كانت ليلى تسير بخطوات هادئة مفعمة بالثقة. لم تكن ترغب في الحضور، فالاسم "الدمنهوري" المكتوب على لافتات المؤتمر كان كفيلاً بإيقاظ وحوش الذكريات في صدرها، لكن صيدلي القرية العجوز ولجنة أطباء الإقليم أصروا على حضورها كممثلة متميزة عن أطباء المنطقة بعد نجاح عيادتها الباهر في علاج حالات سوء التغذية المعقدة.

كانت ليلى تبدو آية في الجاذبية والكبرياء. ارتدت بدلة رسمية أنيقة باللون الأخضر الزمردي—وهو اللون الذي كانت ترتديه قديماً لتختفي، لكنه اليوم كان يبرز تضاريس جسدها "الكيرفي" الفاتن المتناسق بشكل يخطف الأنفاس. جاكيت البدلة كان محدداً بدقة عند خصرها المنحوت، والبنطال القماشي يتحرك بانسيابية مع مشيتها الواثقة التي لم تعد تحمل أي أثر لانكسار الماضي. رفعت شعرها الأسود الكثيف إلى الأعلى في كعكة كلاسيكية أنيقة، تاركة خصلات متمردة تداعب عنقها الأبيض، واستغنت تماماً عن مساحيق التجميل المبالغ فيها، واكتفت بأحمر شفاه هادئ يبرز حدة ملامحها الجديدة. كانت تسير والعيون تتبعها بإعجاب ومهابة، كملكة تدخل عرشاً لم يكن لها.

وفجأة.. ساد الصمت في القاعة، وتراجعت الجموع تلقائياً إلى الجانبين ليفتحوا ممرًا واسعاً.

دخل أدهم الدمنهوري.

كان محاطاً بحراسه الشخصيين وسكرتاريته، يرتدي بدلة سوداء فاخرة حيكت له خصيصاً في إيطاليا، قميصه الأبيض ناصع، ورابطة عنقه منسقة بعناية، وساعته الثمينة تلمع تحت إضاءة القاعة الشديدة. ملامحه الثلاثينية كانت تحمل مزيجاً مرعباً من الوسامة الطاغية والبرود الكاسر البارد كصقيع الشتاء. كان يسير بنظرات حادة لا تلتفت لأحد، وكأنه يرى الجميع مجرد أرقام في حساباته.

بينما كان يتوجه نحو المنصة الرئيسية لإلقاء الكلمة الافتتاحية، حرك أدهم عينيه العسليتين في القاعة بنظرة روتينية اعتاد عليها. لكن.. في ثانية واحدة شاردة، تجمدت دقات قلبه.

على بعد أمتار قليلة، وسط زحام الأطباء، لمح "قواماً" مألوفاً بشكل لا يصدق. امرأة كيرفي، ممتلئة الأنوثة، تقف بشموخ وكبرياء لم يعهده من قبل، لكن التفاف كتفيها، وطريقة وقفتها، وتلك النظرة البنية الواسعة التي التقت بعينيه في نفس اللحظة.. كانت مطابقة للمرأة التي سكنت خياله وعاش على رمادها لخمس سنوات!

شعر أدهم وكأن صاعقة ضربت قاعة المؤتمرات بالكامل. تيبست قدماه على الأرض، وتوقف عن السير وسط دهشة حراسه ومرافقيه. اتسعت عيناه العسليتان بذهول ورعب، وابتلع ريقه بصعوبة وهو يهمس في داخله بجنون: "ليلى؟ مش ممكن.. ليلى كانت.."

في المقابل، لم تهتز ليلى. كانت تعلم أن هذه اللحظة ستأتي، ورغم أن قلبها انتفض بعنف في صدرها لرؤيته بعد كل هذه السنين، إلا أن وجهها ظل قناعاً من الجليد والكبرياء. نظرت إليه بعينيها البنيتين الحادتين نظرة باردة، غامضة، خالية من أي عتاب أو لهفة، نظرة طبيبة تنظر إلى غريب لا يعنيها أمره. ثم، ببطء شديد وبمنتهى الثقة، استدارت بجسدها الفاتن وتحركت بين الحشود لتختفي وراء أحد الأعمدة الضخمة للقاعة.

استعاد أدهم وعيه كالمجنون. دفع سكرتيره الخاص بعنف، وتجاهل المنصة، والبروتوكول، وكاميرات الصحفيين التي بدأت تلمع، وانطلق يركض بين الأطباء بخطوات واسعة لاهثة، يزيح كل من يقف في طريقه وعيناه تدوران في المكان كالممسوس:

"أوسع! ابعد من وشي!" صرخ أدهم بصوت هادر أرعب الحضور.

وصل إلى المكان الذي كانت تقف فيه، لكنها كانت قد تبخرت وسط الزحام، تاركة وراءها عبيراً مألوفاً من عطر الياسمين البري.. العطر الذي كان يعرفه جيداً، والذي أكد له أن ما رآه لم يكن طيفاً من خياله، بل كانت هي.. ليلى الحقيقية، ليلى التي عادت ولكن لتسحق كبرياءه تحت أقدامها.

وقف أدهم في منتصف القاعة يلهث، وعروق جبهته تكاد تنفجر، بينما التفت حراسه حوله بقلق. نظر إلى سكرتيره وقال بنبرة تقطر جنوناً وتهديداً:

"قائمة الحضور.. قائمة أسماء الدكاترة اللي دخلوا القاعة دي حالا تكون على مكتبي في دقيقة واحدة! لو مقلوبتش الدنيا وجمعتلي بيانات الست اللي كانت واقفة هنا.. هنهي مستقبلكم كلكم!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد العشق والجسد   صراعُ العروشِ

    لم يكن ليلُ القاهرةِ ليمرَّ هادئاً فوقَ أسطحِ ناطحاتِ السحابِ والمباني الرخاميةِ الفخمةِ لشركاتِ الدمنهوري؛ بل كانَ أشبهَ بوجيبِ قلبٍ مثقلٍ بالانتظار، حيثُ تلاقت أنوارُ العاصمةِ المتلألئةُ بظلالِ المؤامراتِ التي بدأت خيوطُها الإداريةُ والماليةُ تلتفُّ حولَ عنقِ العشقِ الذي وُلدَ من بينِ الرماد. سادَ سكونٌ حذرٌ في الممراتِ الواسعةِ للبرجِ الرئيسي، سكونٌ يقطعُهُ فقط طنينُ أجهزةِ التكييفِ المركزيةِ والخطواتُ القلقةُ للموظفينَ الذين أدركوا أنَّ شمسَ الغدِ ستحملُ معها انقلاباً يغيرُ موازينَ القوى في القطاعِ الطبيِّ بمصر.في داخلِ المكتبِ الرئاسيِّ الفسيحِ الملحقِ بالجناحِ الخاص، كانت ليلى تقفُ ممسكةً بكوبٍ من القهوةِ الساخنةِ التي تصاعدَ أبخرتُها ليمتزجَ بعيرِ ياسمينِها البريِّ الساحر. قوامُها "الكيرفي" الفاتنُ الطاغي، الذي باتَ يضجُّ بأنوثةٍ أرستقراطيةٍ بالغةِ الجاذبية، كان ملفوفاً برداءٍ من الحريرِ الناعمِ باللونِ القُرمزيِّ الدافئ. تفاصيلُ الرداءِ كانت تلتصقُ بخصرِها المنحوتِ واستدارةِ وركَيها بليونةٍ تخطفُ الأنفاس، بينما كان صدرُها الممتلئ يعلو ويهبطُ بأنفاسٍ لاهثةٍ حذرة وهي ت

  • رماد العشق والجسد   نذرُ الصِّدامِ الأخير

    كان صوتُ محركاتِ المروحيةِ الخاصةِ بأدهم الدمنهوري يرتفعُ كزئيرِ وحشٍ فولاذيٍّ يشقُّ عنانَ السماء، مغادراً أراضي الدلتا بعد أن تركت خلفها صيدليةَ القريةِ غارقةً في حطامِ المؤامرةِ المجهضة. من نافذةِ الطائرةِ المرتفعة، كانت المساحاتُ الخضراءُ الشاسعةُ الممتدةُ تحتَ ضبابِ الخريفِ تتلاشى تدريجياً، ليحلَّ محلَّها تدريجياً المشهدُ الخرسانيُّ الرماديُّ الشاخصُ لمدينةِ القاهرة الكبرى، مدينةِ الأسرارِ والصراعاتِ الطبقيةِ التي لا تهدأ.داخلَ مقصورةِ القيادةِ الفخمةِ والمعزولة، ساد هدوءٌ مؤقتٌ يفيضُ بأنفاسٍ حارةٍ وتوتراتٍ رومانسيةٍ مكتومة. كانت ليلى تستندُ برأسِها الحادِّ إلى المقعدِ الجلديِّ الوثير، وقوامُها "الكيرفي" الفاتنُ الطاغي، الذي باتَ يشعُّ بأنوثةٍ أرستقراطيةٍ طاغية تزلزلُ النفوس، كان ملفوفاً برداءٍ من الحريرِ الناعم باللونِ الكحليِّ المنسدل. تفاصيلُ الفستانِ كانت تلتصقُ بعنايةٍ فائقة بخصرِها المنحوت واستدارةِ وركَيها، مبرزةً انحناءاتِ جسدِها الممتلئ المتناسق الذي صاغتهُ أوجاعُ السنين الماضية.صدرُها الممتلئ كان يعلو ويهبطُ بأنفاسٍ متلاحقة، وشعرُها الأسودُ الكثيفُ كان

  • رماد العشق والجسد   رقصةُ الأفاعي

    انقشعَت غيومُ الفجرِ الباردةِ عن أفقِ الساحلِ الشمالي لتتركَ خلفَها رطوبةً دافئةً غلّفَت واجهاتِ القصرِ الساحليِّ الشامخ، عاكسةً خيوطَ الشمسِ الأولى التي تسلّلَت بنعومةٍ بالغةٍ عبرَ النوافذِ الزجاجيةِ العملاقة. كان البحرُ بالأسفلِ قد استعادَ هدوءَهُ النسبي، لكنَّ الأجواءَ داخلَ الجناحِ الملكيِّ الفسيحِ كانت مشحونةً بأنفاسٍ متلاحقةٍ وتوتراتٍ خفيةٍ تكادُ تُسمعُ لها طنين. لم يكن هذا الصباحُ عادياً؛ بل كان أشبهَ بصلحٍ مؤقتٍ فوقَ أرضٍ ملغومةٍ بالمؤامراتِ التي بدأت خيوطُها القرمزيةُ تُغزلُ خلفَ السِّتارِ في العاصمةِ والصعيدِ على حدٍّ سواء.في داخلِ الصالةِ الكبرى، كانت ليلى تقفُ أمامَ الشرفةِ المطلةِ على جرفِ البحر، وقوامُها "الكيرفي" الفاتنُ الطاغي، الذي باتَ يضجُّ بأنوثةٍ أرستقراطيةٍ ساحرةٍ سحقَت ذكرياتِ التنمرِ القديمة، كان ملفوفاً برداءٍ من الحريرِ الناعمِ باللونِ الكحليِّ المنسدل. الفستانُ كان يلتصقُ بخصرِها المنحوتِ واستدارةِ وركَيها بليونةٍ تبرزُ جاذبيّتَها الطاغية، بينما كان صدرُها الممتلئ يعلو ويهبطُ بأنفاسٍ لاهثةٍ حذرة. شعرُها الأسودُ الكثيفُ كان مرفوعاً بكلاسيكيةٍ أنيقة،

  • رماد العشق والجسد   وُجوهٌ خلفَ السِّتار

    انقشعت غيومُ الفجرِ المُمطرة عن سماءِ الساحلِ الشمالي رويداً رويداً، لتتركَ خلفها رطوبةً دافئةً غلّفت جدرانَ القصرِ الساحليِّ الشامخ، وأرضيتَهُ الرخاميّة التي شهدت ليلةً من نيرانِ الغضبِ والتملُّكِ الأعمى. عادَ السكونُ الظاهريُّ ليفرضَ سلطانهُ على المكان، لكنَّهُ كانَ سكوناً مشحوناً بأنفاسٍ متلاحقة، وأجسادٍ أضناها السهرُ والركضُ في ملاحمِ الدفاعِ عن العِشقِ والدم.في داخلِ الجناحِ الملكيِّ الفسيح، حيثُ يمتدُّ الزجاجُ العملاقُ كلوحةٍ حيّةٍ تعرضُ حركاتِ أمواجِ البحرِ الهادئةِ الآن، كانت ليلى تستلقي على الأريكةِ المخمليّةِ العريضة. قوامُها "الكيرفي" الفاتنُ الطاغي، الذي باتَ يضجُّ بأنوثةٍ أرستقراطيّةٍ راقية سحقت مقاييسَ التنمرِ القديمة، كانَ ملفوفاً برداءٍ من الحريرِ الناعم باللونِ القُرمزيِّ الدافئ. كانَ فستانُها الأحمرُ القاني مبللاً بعرقِ الخوفِ والنجاة، يلتصقُ بخصرِها المنحوتِ واستدارةِ وركَيها وصدرِها الممتلئ الذي يعلو ويهبطُ بأنفاسٍ لاهثةٍ حذرة.شعرُها الأسودُ الكثيفُ كانَ مبعثراً بنعومةٍ بالغةٍ فوقَ كتفَيها الممتلئتين، يفوحُ منهُ عيرُ الياسمينِ البريِّ الساحرِ المخ

  • رماد العشق والجسد   مخالبُ الغدرِ

    لم تكن صرخة أدهم الدمنهوري مجرد صوتٍ شقَّ سكون القصر الساحلي، بل كانت زلزالاً نفسياً مدمراً أعلن فيه وحش التملك والغضب الكاسر عن ولادته الثانية. تلاشت هالة البرنس الأرستقراطي الهادئ في ثانية واحدة، ليحل محلها غضبٌ دموّي أعمى برزت معه عروق جبهته ورقابه كحبالٍ مشدودة تكاد تنفجر من فرط التوتر الحارق. اندفعت الدماء الحارة في عروقه وهو ينظر إلى الأريكة حيث استقرت ليلى، وقوامها "الكيرفي" الفاتن الطاغي بالفستان الأحمر القاني يتشنج برعبٍ لاهث بعد أن استعادت وعيها في لمح البصر، لتنطلق من صدرها الممتلئ صرخة أمومة مفزوعة مزقت حجب الليل:"يوسف!! أدهم.. ابني ضاع! أرجوك رجعهولي.. مش هقدر أعيش من غيره!"ارتجف صدرها الممتلئ وخصرها المنحوت مع أنفاسها المتلاحقة الهيستيرية، وعيناها البنيتان الواسعتان اللتان تخلصتا من نظارتها القديمة باتتا تفيضان بنيران الذعر والجلد. وقبل أن تنهض، اندفع أدهم نحوها، وبحركة رجولية عنيفة وتملكية قاطعة، قبض على كتفيها الممتلئتين، وجذب جسدها الممتلئ بالكامل ليلتصق بصدره العريض، ودفن وجهه الحاد في عنقها الأبيض يستنشق عير ياسمينها البري الممزوج بعرق الخوف، ووشوش

  • رماد العشق والجسد   نيرانُ الغيرة

    انقشعت أضواء الفلاشات الهيستيرية ورويداً رويداً بدأت همسات الاندهاش تتراجع في قاعة المؤتمرات الفخمة بفندق الإسكندرية، لكن صدى الكلمات القاطعة التي أطلقها أدهم الدمنهوري كان لا يزال يتردد في الأركان كزلزالٍ حطم كبرياء الطبقات المخملية في ثانية واحدة. تفرق الجمع الأرستقراطي إلى مجموعات صغيرة، والكل يتبادل نظرات مذهولة؛ فالمرأة "الكيرفي" الساحرة التي تقف بجوار الحوت المالي بكامل شموخها وعنفوانها، أصبحت رسمياً الملكة المتوجة لإمبراطورية الدمنهوري الطبية.كان أدهم لا يزال يطوق خصر ليلى المنحوت بيده القوية، ضاغطاً على قوامها الممتلئ الفاتن بتملكٍ أزلي أمام العيون الحاقدة. انحنى نحو أذنها وسط صخب القاعة، ونبرة صوته الرخيمة العميقة دوت دافئة وحارقة لتخترق حجاب وعيها:"شفتي عيونهم يا ليلى؟ شفتي إزاي الكل بقا بينحني قدام كبريائك وجمالك اللي كانوا بيتنمروا عليه زمان؟ أنتي تاجي.. والنهاردة أنا رديتلك اعتبارك قدام الكون كله، ولسه اللي جاي هيبهرك أكتر."نظرت إليه ليلى بعينيها البنيتين الواسعتين اللامعتين بدموع الانتصار الحارة التي قاومتها طويلاً خلف نظارتها القديمة. فستانها ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status