تسجيل الدخولتصلبت قامته الشاهقة فوقها، وانقبضت شرايين جبهته وعنقه بضيق حارق، كمن تلقى صاعقة أطاحت بجبروته. كان الصمت المخيم بينهما أثقل من صرخة غضب، ونظرات سيلينا المكسورة والخائفة تصوب في صدره عتباً لا يرحم. انفلقت قبضته عن معصمها فجأة، وابتعد عنها خطوتين إلى الخلف بجهد عارم، يمرر يده الكبيرة في شعره الأسود بعنف متوتر. أخذ يجوب الغرفة بخطوات ثقيلة وهادرة، وأنفسه المتسارعة تطرق أرجاء الجناح، محاولاً لملمة شتات سطوته التي أربكتها كلمة واحدة من شفاه صغيرة ترتجف. التفت نحوها بعينين تشتعلان بسواد مضطرب، وجسده الصلب يرتفع ويهبط برغبة متملكة في إعادة فرض هيمنته، ليصرخ بنبرة خفيضة، جافة، ومبتورة من هول التلبك: *"أنتِ لستِ بعقلكِ اليوم يا سيلينا! تتفوهين بترهات لا تدركين عواقبها مطلقاً!"* دنا منها مجدداً بخطوات مفترسة، وانحنى بجسده ليطوق السرير بيديه القويتين، يغرس عينيه في عينيها الشاحبتين بنظرة تفيض بوعيد جريح وقسوة حنونة محاصِرة: *"لو لم تكوني متعبة وتتألمين من يدكِ هذه... أقسم أنني كنتُ سأجعلُكِ تندمين على كل حرف نطقتِ به! كنتُ سأريكِ كيف تكون العقابات التي تدعين أنها لا تهمكِ، حتى تترجي
دوت كلماتها الخافتة والمكتومة في أذنيه كالصاعقة، لتهز ثباته الصارم وتزيد من غليانه الداخلي. لم تكن ضرباتها العاجزة على صدره تؤلمه بقدر ما كانت تخترق كبرياءه وتسلبه اتزانه؛ فكل كلمة يقطر منها القهر كانت تذكره بحجم الفجوة التي اتسعت بينهما، وبشدة تأثيره وقسوته على قلبها الصغير. انقبض فك كريس بصمت جهم، واشتدت قبضة ذراعه الفولاذية حول خصرها ليحملها ببطء وحذر شديد، محتفظاً بقربه منها دون أن يمنحها فرصة التملص. خرج بها من الحمام بخطوات ثقيلة وهادئة، وجسدها المرتجف لا يزال غارقاً في شهقاته المبتلة. أجلسها على حافة السرير برفق قسري يناقض جهم ملامحه، ثم جثو على ركبته الواحدة أمامها مباشرة، ليعيدها إلى مستواه ويمنعها من إشاحة وجهها عنه. أخرج من جيبه علبة مرهم جديدة وشاشاً نظيفاً كان قد أحضرهما معه، وأمسك بساعدها المعالج بحذر حذر للغاية. بدأ يحل الوشاح والشاش القديم الذي تبددت برودته بفعل المطر والماء، ينفخ أنفاسه الحارة ببطء فوق الجلد المحمرّ ليخفف عنها وابل الألم. كانت سيلينا تتأمله عبر ضباب دموعها؛ وجهه مشدود بصرامة مرعبة، وعيناه المظلمتان مركزتان بالكامل على يدها الصغيرة كأنه يرمم أث
تسمرت سيلينا في جلستها فوق طرف السرير، ولم ترتفع عيناها المكسورتان نحو باب الحمام المفتوح ولا نحو هيئته الشاهقة المنتظرة. اختنقت أنفاسها بغصة حارقة، ودارت في عقلها مشاهد الصباح كأشرطة سوداء تتوالى بقسوة؛ تذكرت كيف ترك جينا تتطاول وتستفزها أمام الجميع دون أن يوقفها، وكيف التزم الصمت والبرود وجعلها تشعر بأنها الغريبة الوحيدة في ذلك المكان، وصولاً إلى تلك اللحظة التي انسكب فيها الشاي المغلي على بشرتها دون أن يبدي رد فعل يشف الغليل أمام تلك الأفعى. أطبقت سيلينا على شفتيها المنتفضتين بكتمان مرير، وشعرت بأن قسوة صراخه الآن ونعوته الحادة ليست إلا استمراراً لهذا التجاهل الظالم. لم تتحرك إنشاً واحداً؛ بل ظلت تدلي رأسها الشاحب، وتضم يدها المعالجة بالشاش إلى صدرها بكسرة خاطر طفولية، مسلِمةً جسدها لثقل الحزن، وممتنعةً عن إجابة أمره بالنهوض بالكامل. تحجر كريس في مكانه عند عتبة الحمام، وعيناه المظلمتان ترصدان ثباتها الجاحد على السرير وانكماشها الرافض لتلبية كلمته. انقبض فكه بحدة مرعبة جعلت شرايين عنقه تنبض بضيق عارم؛ فقد أزعجه هذا العتب المكتوم وذلك الصمت المكسور أكثر بكثير من صراخها وتدافعها معه
وصل كريس إلى جناحهما الخاص في نهاية الممر، ودفع الباب بيده الحرة ليفتحه بقوة، ثم سحب سيلينا إلى الداخل وأغلقه خلفهما بثقل، ليحدث صدى حاداً هز جنبات الغرفة الشاسعة وأعلن نهاية رحلة الهروب. تركت سيلينا يده فوراً وتراجعت خطوتين إلى الخلف، تضم معصمها الملفوف بالشاش الطبي إلى صدرها، وعيناها المبتلتان تتسعان برهبة من هيئته الشاهقة التي تسد المخرج كالجدار. كانت أنفاسه الحارة والمضطربة تملأ الفراغ الفاصل بينهما، وفكه ينقبض بقسوة تجعل شرايين عنقه مشدودة من هول الغضب والتملك المكتوم. تقدم كريس نحوها بخطوات بطيئة ومفترسة، يقلص المساحة بينهما حتى أجبرها على الالتصاق بحافة السرير العريض. انحنى بجسده الضخم فوقها، يضع يديه القويتين على طرفي السرير ليحاصرها بالكامل، وغاصت عينيه المظلمتان في عينيها الشاحبتين بنظرة تشتعل بسواد مرعب. *"والآن يا سيلينا..."* تمتم كريس بنبرة خفيضة، حادة وجافة كالرعد، أنفاسه تطرق وجهها المبتل بالدموع: *"انتهى استعراض العناد أمام أمي وأمام الجميع. سحبتِ يدكِ مني ثلاث مرات اليوم... وتجاهلتِ وجودي وكأنكِ لا تهابين عقابي!"* اهتز جسد سيلينا بالكامل بين ذراعيه المحاصرين، واخت
توقفت السيارة بأزيز خفيف أمام الدرج الرخامي العريض للقصر، وأسرع أحد الحراس بفتح الباب. لم تنتظر سيلينا أن يلتفت كريس نحوها؛ بل لملمت طرف ثوبها بخفوت وتسللت خارجة، تضم يدها الملفوفة بالشاش الطبي إلى صدرها، وتنزل رأسها بقلب يخفق بوعر ووجل من ذلك الوعيد الذي لا يزال يتردد في أذنيها. ترجل كريس بجسده الشاهق، وأغلق بابه بقوة مدوية أحدثت صدى في الفناء الخارجي. كانت عينيه المظلمتان تطاردان حركاتها الانكماشية بحدّة وضيق مكتوم، يتقدم خلفها بخطوات ثقيلة وهادرة كأنه ظل يلتهم كل مساحة تهرب إليها. وما إن وطأت قدم سيلينا البهو الرئيسي الفسيح، حتى استقبلتها الأجواء الدافئة والمعطرة بالرياحين. وفي منتصف الصالة الكبرى، كانت ميلينا—والدة كريس—تقف بكبريائها الرفيع، وفور أن وقعت عينها على سيلينا، تجاوزت ابنها كلياً وأسرعت بخطوات حثيثة ونظرات يملؤها القلق نحو سيلينا فوراً. *"سيلينا! حبيبتي... ماذا حدث؟! أهلاً بعودتكما!"* دوت نبرة ميلينا الدافئة في الأرجاء وهي تحتضن وجنتي سيلينا بكفيها الدافئتين، تتفقد وجهها الشاحب بلهفة أموية صادقة. تسمر كريس في مكانه لكسر من الثانية، وانعقد حاجباه باستغراب وذهول مكتو
لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى انفتح باب السيارة مجدداً، ليعود كريس بجسده الشاهق الذي يملأ الفراغ. كان يحمل في يده كِيساً صيدلانياً صغيراً، ونظراته المظلمة تتفقد سيلينا فوراً، وكأنه يخشى أن يتغير موقعها أو يختفي وجودها في غيابه اللحظي. أغلق الباب خلفه بإحكام، يعزل المكان عن ضجيج الطريق الخارجي. لم يشغل المحرك، بل التفت بجسده بكامل عضلاته نحوها، ألقى الكيس جانباً، ثم امتدت يده الكبيرة لتمسك بساعد سيلينا السليم ببطء، يشدها بنعومة حازمة لتجلس بالقرب منه. انصاعت سيلينا بضعف، وأنفاسها تتعثر بخفوت أمام هذا التواجد الطاغي. كانت تعابير كريس حادة وقاسية، لكن حركاته كانت تناقض تلك القسوة كلياً؛ إذ تناول يدها المحترقة بحذر شديد، وأخذ يحل وشاحها الحريري طية تلو الأخرى بأصابع ثابتة ومشدودة. تراجع الوشاح ليظهر الجلد المحمر والمشتعل عند معصمها الناعم. انقبض فك كريس بقسوة مرعبة حين رأى أثر الحرق عن قرب، وسرت زمجرة خفيفة في صدره أظهرت مدى الغضب والتملك المشتعل في داخله. أخرج علبة المرهم والشاش الطبي، ووضع كمية من الكريم البارد على طرف إبهامه. وقبل أن يلمس بشرتها، رفع عينيه ليثبتهما في عينيها المبتلت







