LOGINماجد بعد ما وصلها لبيتها واتأكد إنها دخلت خطت عتبة الأمان وقفل الباب وراها، سحب عربيته السودا الدفع الرباعي واندمج بيها في ضلمة شوارع القاهرة اللي بدأت تنام. الشوارع كانت شبه فاضية، مفيش فيها غير صوت احتكاك الكاوتش باألاسفلت البارد، وصوت أنفاسه هو اللي كانت لسه متلخبطة، طالعة نازلة بصعوبة كأنه كان في ماراثون جري مش مجرد موقف فيه مشاعر. إيديه اللي دايماً ثابتة كأنها مقطوعة من صخر، كانت لسه محتفظة بدفا إيديها، وريحة عطرها لسه معلقة في الهوا جوه كابينة العربية. رفع عينيه بالصدفة للمراية اللي فوق التابلوه عشان يبص على الطريق وراه، بس عينه مجاتش على الطريق.. عينه جت في عينه. وهناك.. في المساحة الضيقة اللي بتعكس وشه، شاف حاجة خلت دمه يتجمد في عروقه بجد. شاف لمعة.. لمعة غريبة بتنور في عينيه. لمعة عمره ما شافها في حياته كلها. عيونه اللي اتعود دايماً يبصلها في المراية ويشوفها حجر، جليد، بير ضلمة ملوش قرار، عيونه الجامدة اللي على طول اتعود إنها ملهاش ملامح وال بتعكس أي شعور، دلوقتي فيها حياة! فيها دفا، فيها حنية، وفيها رعب من نوع جديد... فيها "عشق". اللمعة دي كانت بالنسبة لأي إنسان طب
ماجد وغالية حيطان مكتبها اإلزاز الفخم في الدور العشرين كانت كأنها بتضيق عليها بالبطيء، بتتحرك عشان تقفل على صدرها وتعصر كل ذرة هوا باقية فيها. األرقام اللي على شاشات الكمبيوتر، ملفات القضايا، الديون المتلتلة، تهديدات المنافسين، ومسؤولية مئات الموظفين اللي بيوتهم مفتوحة من إمضتها... كل ده اتحول فجأة لوحش مش متشاف كاتم على نفسها. حاولت غالية تاخد نفس عميق، بس الهوا كان رافض يدخل صدرها. حست بتنميل بارد بيزحف من طراطيف صوابعها وبيطلع لدرعاتها. األاوضة بتلف بيها، واألصوات حواليها بقت مكتومة كأنها بتغرق في قاع محيط ضلمة. القلم وقع من إيدها، واندفعت ناحية باب المكتب، متجاهلة نداءات سكرتيرتها المرعوبة. كانت محتاجة الشارع، الفضا، أي مكان مفيهوش ريحة الورق والقهوة الباردة والصفقات الفاسدة. بخطوات بتكعبل، خرجت من البوابة اإلزاز للشركة على الشارع. هوا القاهرة الزحمة كان خانق هو كمان. سندت ضهرها على حيطة المبنى الرخام الباردة، واتزحلقت بالراحة لحد ما قعدت على الرصيف، مش مهتمة بنظرات الناس وال بصورتها كـ "إمبراطورة الحديد". حطت إيديها حوالين رقبتها بتحاول تفك زرار قميصها الحرير، بتنهج بصوت مس
ماجد جوة مزرعة "الخطاطبة" الواسعة، كان السكوت لافف المكان زي كفن حرير بارد مكنش فيه غير صوت الهوا اللي بيخبط في شجر الكافور العالي، وصوت أنفاس "ماجد" المنتظمة وهو بيتحرك في الضلمة بخفة فهد أسود مخلوق عشان يفترس في العتمة. الفيلا الفخمة اللي في نص المزرعة دي كانت بتاعت "صفوان"، الراجل اللي بيملك كل حاجة، واللي كان فاكر بغرور غبي إنه بيملك "ماجد" كمان. ماجد عدى أجهزة الإنذار المعقدة وكاميرات المراقبة الحرارية بابتسامة سخرية. مكنش محتاج يهكر أي نظام، لأن نظام الأمن نفسه كان بيرحب بيه بصمته متبرمجة، ووشه معروف للكاميرات. صفوان كان مأمنله لدرجة إنه إداله مفاتيح جحيمه الشخصي بإيده. وإيديه اللي لابسة جوانتي جلد أسود كانت بتزرع ألغام صغيرة جداً - في حجم العملات المعدنية - تحت سجاد المدخل الرئيسي، وفي زوايا العواميد الرخام اللي شايلة سقف الصالة الكبيرة، كان عقل ماجد بيسافر لبعيد.... للماضي اللي ما بيموتش. عشرة مليون جنيه. ده الرقم اللي اتعرض عليه عشان يصفي صفوان الكبارات في البلد الحيتان اللي بلعت صفوان وقرروا إن دوره خلص بعد ما اتمادى وعدى حدوده، مالقوش أداة تنضيف أحسن من "الشبحي".
ماجدملاك الملجأ طقوس الغفران عالم "ماجد" كان دايماً مصبوغ بلونين؛ الأسود بتاع الضلمة والدم، والرمادي بتاع الوحدة مكنش في مساحة لأي ألوان تانية، إلا في مكان واحد بس في العالم كله. شقة واسعة في حي هادي وراقي في المعادي، شقة بتدخلها الشمس من كل حتة، وريحتها دائماً مزيج دافي بين اللافندر، العود الأصلي، والمخبوزات الطازة. المكان ده كان "المطهر" الوحيد اللي ماجد بيغسل فيه روحه من وساخة الأيام. ركن عربيته تحت العمارة. قبل ما ينزل بص في مراية العربية، ومسح وشه بإيديه كأنه بيحاول يمسح ملامح "القاتل المأجور" ويلبس ماسك الابن البار". سحب من الكرسي اللي جنبه بوكيه صغير من ورد الفل والياسمين البلدي، الورد اللي ريحته بتفكرها بأيام زمان. طلع في الأسانسير للدور التالت ضرب الجرس بهدوء. ثواني والباب اتفتح، ووقفت قدامه "فاطمة"، الممرضة المتخصصة اللي ماجد معينها بمرتب خيالي عشان تبقى مرافقة ليها 24 ساعة. "أهلاً يا ماجد بيه " قالتها فاطمة بابتسامة محترمة ووطت صوتها. "أبلة زينب لسه فايقة من شوية، وقاعدة في البلكونة المقفلة بتتشمس كالعادة." ماجد هز راسه من غير كلام. دخل الشقة، وأول حاجة عمله
ماجد ريحة الرطوبة، والتوم المتقلي، والصرف الصحي اللي طافح في الشوارع الضيقة، كانت بتزاحم ريحة البيرفيوم الغالي اللي حاطه "ماجد". كان ماشي بخطوات ثابتة، هادية، وموزونة بالمللي في قلب حارة شعبية متطرفة، بيوتها من الطوب الأحمر اللي متغطاش بمحارة، وشوارعها عبارة عن متاهة من الطين والمطبات. وجوده في المكان ده ببالطوه الأسود الغالي، وملامحه الصارمة اللي مفيهاش ريحة التعبير، كان لافت للنظر جداً .. زي غراب أسود نزل وسط سرب حمام. بس محدش قدر يرفع عينه فيه. الهالة اللي حواليه كانت بتنطق بكلمة واحدة: "الخطر". في إيده اليمين، كان ماسك شنطة جلد سودة مقفولة برقم سري. الشنطة دي كان وزنها تقيل مش بس عشان فيها "مليون جنيه" كاش متستفين رزم، لكن عشان الفلوس دي كان ليها اسم تاني في قاموس ماجد السري: "دية الدم". وقف قدام عمارة قديمة، متهالكة، مدخلها ضلمة كحل ومفيش فيه لمبة واحدة شغالة. السلالم كانت مكسورة ومتاكلة من الرطوبة. بدأ يطلع السلم بهدوء، ومفيش في دماغه غير شريط ذكريات قصير بيرجع بيه لأسبوعين فاتوا.. في المخزن المهجور على أطراف البلد. (قبل أسبوعين - فلاش باك) المخزن كان ضلمة وريحته ترا
ماجد العدالة في شرع "ماجد" مكنتش تمثال لست مغمية عينيها وماسكة ميزان العدالة. في قاموسه كانت وحش أعمى، بيشم ريحة الدم، وما بيرتاحش غير لما يدوق لحم الظالمين. كان قاعد في كافيه بلدي هادي في أطراف القاهرة، المكان شبه فاضي مفيش فيه غير صوت أم كلثوم طالع من كاسيت قديم، ودخان الشيشة اللي معشعش في السقف. قدامه كوباية شاي أسود تقيل، وفي إيده جرنال الصبح. عينيه كانت بتتحرك على السطور ببرود، لحد ما وقفت عند صفحة الحوادث. المانشيت كان مستفز، مستفز لدرجة إن أي إنسان طبيعي يقرأه دمه يغلي. بس دم ماجد مكنش بيغلي.. دمه كان بيتجمد. "براءة أبناء رجال أعمال وذوي نفوذ من تهمة اختطاف واغتصاب فتاة جامعية لعدم كفاية الأدلة.. وإيداع الضحية مصحة للأمراض النفسية بعد فقدانها النطق." تحت المانشيت، كانت في صورة لـ أربع شباب في العشرينات، طالعين من باب المحكمة، لابسين أحدث ماركات، وبيضحكوا للكاميرات بتبجح وثقة، كأنهم طالعين من ماتش كورة كسبوه مش من قضية دمروا فيها شرف وروح وعقل بنت بريئة. وفي الجنب الثاني من الصفحة صورة صغيرة للبنت الضحية.. بنت ملامحها بسيطة مكسورة، عينيها فيها رعب الدنيا كله، وأبوها راجل