Mag-log in
نظرت ديما إلى انعكاسها في المرآة الطويلة، ولم تتعرف على الوجه الذي يقابلها. عروس بعينين هادئتين، شفتين مرسومتين بعناية، وثوب أبيض ينسدل حول جسدها كأنه نسيج من الثلج. كل شيء فيها يقول: امرأة سعيدة تنتظر يوم زفافها. لكن تحت هذا السطح الناعم، كان هناك شيء آخر تماماً، شيء بارد كالحديد، ينتظر لحظته منذ عشر سنوات.
منذ عشر سنوات، تخلّت عن اسم "خليل" كما يتخلى الجندي عن بدلته القديمة. صارت "ديما السرايا"، ابنة عائلة لا ماضٍ لها يستحق الذكر، لا أعداء، لا قصة دمٍ تستوجب الانتقام. هذا الاسم الجديد كان درعها طوال سنتين كاملتين من التخطيط الصامت، سنتين بنتهما خالتها سلمى حجراً حجراً، حتى وصلت ديما إلى هذه اللحظة بالضبط: عروساً تدخل بيت آل النجم من بابه الأمامي، دون أن يشكّ فيها أحد. "تأكدي أنك تتذكرين كل شيء." كان صوت سلمى يتردد في ذهنها وهي تضع آخر لمسة على شعرها. "زاهر النجم ليس رجلاً غبياً. هو الوحيد القادر على كشفك إن ارتكبتِ خطأً واحداً." ديما ابتسمت لنفسها في المرآة، ابتسامة لا تحمل فرحاً، بل تصميماً. "لن أرتكب أخطاء يا خالتي. لقد انتظرت طويلاً لهذا اليوم." لم تكن تتذكر وجوه عائلتها بوضوح كامل، الزمن كان قاسياً مع الذكريات الطفولية. لكنها تتذكر الصوت، صوت الانفجار الذي مزّق ليلتهم الأخيرة في ضيعة آل خليل قرب دمشق، وصوت أمها وهي تصرخ باسمها قبل أن تختفي إلى الأبد بين الدخان والنار. كانت ديما في الثامنة من عمرها. ولم يخبرها أحد لاحقاً بالحقيقة كاملة، إلا أن التحقيقات السرية التي قامت بها سلمى على مدى سنوات أشارت بثبات إلى اسم واحد: آل النجم. وعلى رأسهم، والد زاهر، الذي ورث عنه الابن العرش والسلطة، ومعهما — كما تظن ديما — جريمة لم تُغفر. اليوم، ستضع خاتمها في يد الرجل الذي تحمّله مسؤولية كل ما خسرته. لن يكون هذا حباً. سيكون بداية النهاية له. طرق الباب بهدوء، ودخلت إحدى مساعدات قاعة الزفاف لتعلن أن السيارة جاهزة. أخذت ديما نفساً عميقاً، ونظرت للمرة الأخيرة إلى صورة العروس في المرآة، قبل أن تستجمع كل خيوط هدوئها المصطنع وتسير نحو الباب. كان الممر الفسيح المؤدي إلى صالة الانتظار، حيث ستلتقي بموكب العائلة قبل دخولها رسمياً، خالياً إلا من بعض الحراس الواقفين بصمت. وبينما كانت تهمّ بالعبور، خرج رجل من غرفة جانبية، متأنق ببدلة سوداء فاخرة، وابتسامة هادئة على وجهه. كانت تعرفه: حسام النجم، عمّ زاهر، ويده اليمنى في كل شؤون العائلة. لم يكن هناك ما يستدعي القلق من وجوده، فهو ضيف شرف طبيعي في هذا اليوم. توقف حسام أمامها، وأطال النظر إليها بطريقة لم تستطع تفسيرها على الفور، بين الفضول والتقييم. "تبدين رائعة يا ديما." قال بصوت مهذّب، ثم اقترب خطوة واحدة، وأضاف بنعومة لا تخلو من شيء غامض: "زاهر محظوظ حقاً." أرادت أن تشكره وتمضي، لكنه لم يتحرك من مكانه. ابتسم ابتسامة هادئة أثارت قشعريرة لم تستطع كبتها، واقترب خطوة أخرى، وقال بصوت لا يتجاوز الهمس: "ثوبكِ جميل... يشبه كثيراً ثوب والدتكِ." ثم انصرف، كأن شيئاً لم يكن، تاركاً وراءه عبارة معلّقة في الهواء كحبل مشنقة. تجمّدت ديما في مكانها، وقلبها توقف عن النبض للحظة كاملة. لم يكن أحد يعرف عن والدتها، لم تذكر اسمها لأي إنسان غير سلمى منذ عشر سنوات. فمن أين يعرف حسام النجم شكل ثوب أمها؟ ولماذا يعرف عنها أصلاً؟مر عامٌ كاملٌ على تلك الليلة الاستثنائية التي أُعلنت فيها البشرى داخل قصر النجم، عامٌ انطوت فيه آخر أوراق الخوف وأطياف الماضي، وتبدلت فيه ملامح المكان والزمان لتكتسي بصلابة الأمان ودفء الحياة العادية الهادئة. كانت حدائق قصر النجم في ذلك الصباح الربيعي المشمس تتألق بأبهى حلتها؛ يمتد المرج الأخضر الفسيح تحت ظلال الأشجار العالية، وتنعكس أشعة الشمس الذهبية على أسطح البركة الرخامية، بينما كانت نسمات الهواء العليل تحرك الأزهار المتفتحة وتملأ الأجواء بعبق الياسمين والورد الجوري. لم تعد هذه الحدائق اليوم مسرحاً لخطط الحراسة المجهدة، ولا منطقة ترقب لصفارات الطوارئ أو اختراقات التشويش الإلكتروني؛ بل استحالت مرفأً عائلياً يضج بالحياة، والدفء، والصحبة الصافية التي لا تكدرها الشكوك. على الأريكة الخشبية العريضة المظللة بظلال الأشجار الكثيفة، كانت ديما تجلس في سكينة تامة، تحمل بين يديها طفلها الأول "سليم"، الذي أتم شهره الثالث؛ كانت تتأمل ملامحه الصغيرة الناعمة، وترى في عينيه لمعة الشغف والصلابة التي ورثها عن أبيه. وإلى جوارها، كانت كل من إيرينا وفيكتوريا تتشاركان مداعبته، والابتسامات العفوية
مرت ستة أشهر كاملة على حفل الزفاف الأسطوري الذي شهدته دبي، وفي خلال تلك الأشهر الستة، تبدلت إيقاعات الحياة داخل أروقة قصر النجم وفي مجالس إدارات المجموعات التجارية بالكامل. لم تكن تلك الفترة مجرد استراحة محارب عقب انتهاء المعارك الميدانية والقانونية، بل كانت مرحلة إعادة بناء حقيقية وترميم شامل لكل الجراح والأخطاء التي خلّفها عقود من الصراع والشبهات. تلاشى التوتر المكتوم الذي طالما خيم على نظرات الجميع، وأصبحت أصداء الماضي وأشباحه مجرد ذكريات أرُشفت بنظام ودقة في السجلات القانونية للمحاكم، بينما توطدت ركائز الاستقرار العائلي والمهني على أرضية صلبة لا تهزها العواصف. في المقر الرئيسي للشركة بوسط المدينة، وعلى ارتفاع خمسين طابقاً يطل على أفق الساحل الممتد، ترأس زاهر النجم اجتماعاً موسعاً لمجلس الإدارة بحضور شركاء استراتيجيين وممثلين عن قطاعات الاستثمار، لإطلاق المخطط الهندسي والاستثماري الأضخم والأهم في تاريخ المجموعة: "مؤسسة النجم الجديدة". لم يكن المشروع الجديد مجرد توسع عقاري كلاسيكي أو إضافة أبراج جديدة إلى المحفظة المالية للمجموعة، بل كان عبارة عن مجمع معطيات وعقارات ذكية متكامل
تفتّحت آفاق الصباح في دبي على أبهى صورة؛ كان نسيم البحر العليل ينساب برقة عبر أروقة الفندق الشاطئي الفاخر الذي استأجره زاهر بالكامل لإقامة حفل الزفاف العلني الكبير. لم يكن هذا اليوم مجرد احتفال روتيني بتقاليد اجتماعية، بل كان إعلانًا ساطعًا بالفوز الشامل، واستردادًا للحق في الحياة والسعادة بعدما أُزيحت كل الظلال والدسائس التي طالما جثمت على أنفاس الجميع. داخل الأجنحة الملكية للفندق، كانت التحضيرات تجري على قدم وساق منذ بزوغ الفجر. وفي جناح العروس المزين بأكاليل الزهر الأبيض والياسمين الناصع، كانت ديما تقف أمام المرآة الكريستالية الكبيرة، ترتدي فستان زفاف أبيض استثنائيّ التصميم؛ صُمم بطرز كلاسيكية راقية تزينها تطريزات اللؤلؤ الخالص دقيقة الصنع. كانت ملامحها تفيض بسكينة عميقة، واختفت من عينيها تلك النظرات الحذرة القلقة التي رافقتها لسنوات طويلة أثناء صراعها مع طيف الانتقام والتهديدات المتواصلة. كانت سارة وسلمى تقفان إلى جوارها، تضعان اللمسات الأخيرة على الطرحة الحريرية الطويلة، والضحكات العفوية تملأ أرجاء الغرفة. "لا أصدق أننا وصلنا أخيراً إلى هذه اللحظة يا ديما،" قالت سارة وهي ت
شهدت الأيام التالية لصدور القرارات القضائية تحولاً ملموساً في أروقة قصر النجم؛ فقد تلاشى الاستنفار الأمني المشدود الذي خيّم على أرجاء المكان لأشهر طويلة، واستُبدلت الحركة العسكرية المتوترة بجلسات هادئة تسودها ترتيبات المستقل وإغلاق الملفات العالقة. انقضت أوقات الصباح في إعادة الهيكلة القانونية والإدارية لتركة الماضي. اجتمع زاهر في القاعة الرئيسية رفقة المستشارين القانونيين، وبحضور إيرينا وفيكتوريا وديما، لبدء إجراءات التسوية الشاملة للحقوق والممتلكات العائلية. لم يدع زاهر مجالاً لأي لبس أو نزاع مستقبل؛ فقد أُعدت وثائق رسمية ملزمة تضمن تخصيص حصص عادلة ومكتملة الشروط لكل من إيرينا وفيكتوريا في الأصول العقارية والشركات الاستثمارية التابعة للتركة في موسكو ودبي، بما يعوض سنين الشتات والضياع التي فرضتها ألعاب دميتري وشبكاته القديمة. "هذه ليست أصولاً معروضة للمساومة،" قال زاهر وهو يوقع النسخ المعتمدة من عقد التسوية النهائية، ثم يمرر القلم نحو إيرينا وفيكتوريا. "هذا حقكما الشرعي والقانوني الذي حاول البعض سحبه منكما طوال عقود... وبإغلاق هذا الملف اليوم، نضع حداً لأي محاولة للتفريق بين
تسللت أشعة شمس الصباح الدافئة لتغمر قمم المباني وشوارع المدينة العريضة، ممارسةً دورها في تبديد آخر أطياف الضباب والرطوبة الثقيلة التي خيّمت على المنطقة طوال الليلة الماضية عقب انهيار بوابات السد المائي. كانت الساحة الممتدة أمام المبنى الرئيسي لدائرة التحقيقات والنيابة العامة تشهد حركة غير عادية منذ ساعات الفجر الأولى؛ سيارات أمنية مظللة، وقوات حراسة خاصة، ووسائل إعلام تجمعت عند السور الخارجي بعد الاستنفار الاستخباراتي والقضائي الواسع النطاق الذي أعقب الاقتحام السريع لنفق السد واقتتياد دميتري فولين — أو "إيغور بتروفيك" — مصفداً تحت حراسة مشددة. لم تعد القضية اليوم تنحصر في نطاق خصومة عقارية، ولا في زوايا خلاف عائلي قديم ينبش في أوراق الصندوق الأزرق؛ بل تحولت بفضل حجم البيانات المفككة إلى ملف استخباري وقضائي دولي ضخم، وضع حدًا لواحد من أطول صراعات الظل وأكثرها تعقيداً. في الطابق الرابع داخل مكاتب النيابة العامة ذات السقوف المرتفعة والنوافذ الزجاجية المطلة على المدينة، خيم صمت مهيب يُقطعه فقط صوت تقليب الأوراق وثقل خطوات المحققين والقضاة. جلس زاهر النجم في قاعة التحقيق الرئيسي
تردد صدى اندفاع المياه الجارفة داخل الفتحة الضيقة للنفق المائي السفلي، مكسواً بصوت هطول المطر العنيف الذي أخذ يضرب أسطح السد المهدوم بقسوة، صانعاً إيقاعاً متسارعاً يواكب دقات القلوب المتلاحقة في تلك الظلمة الموحشة. كان النفق مظلماً وموحشاً إلى أقصى حد، يلفه رذاذ بارد ورائحة طحالب وعفن قديم تراكم عبر عقود من الإهمال والنسيان. خاض زاهر في المياه الباردة التي ارتفعت بسرعة لتصل إلى منتصف ساقيه، ممسكاً بسلاحه التكتيكي بثبات وموجهاً نظراته النارية نحو الأعماق المعتمة، بينما كان ياسين يتقدمه ببضع خطوات بمهارة ميدانية عالية، يمسح بظلال كشافه اليدوي القوي الانحناءات الخرسانية الرطبة والجدران المتآكلة. "السيد زاهر، احذر حواف السقف والمياه الثائرة!" صرخ ياسين وهو يتفادى بحذر كتلة خشبية حادة جرفتها السيول بسرعة من الأنابيب العليا. "المنفذ البحري الخلفي للنفق يبعد زهاء مئة متر فقط من موقعنا الحالي، ودميتري يعرف هذا الشريط الجبلي وهذه الأنفاق المائية القديمة أفضل من أي شخص آخر!" "لن يفلت الليلة يا ياسين، لو كان هذا النفق مسدوزاً للهاوية!" أجاب زاهر بصوت صارم يتردد صداه قتّالاً بين جدران النفق







