INICIAR SESIÓN
دقّت أجهزة الساعة الرابعة عصراً لتعلن حلول الموعد الموعود. كانت خطواتي تثقل الأرض وأنا أعبر أزقة السوق العمومي المزدحمة، حيث تتداخل أصوات الباعة مع صخب المارة ورائحة البهارات والجلود. لم أكن خائفاً، بل كان كبريائي الذكوري يدفعني للمواجهة؛ أردتُ أن أضع حداً لهذه المطاردة ورسائل الكبريت الملتوية التي تحاول رانيا مكابرتي بها.وصلتُ إلى محل الأقمشة الكبير في منتصف السوق، وهو دكان عتيق تتكدس فيه ثنايا الثياب وأثواب الحرير والقطن حتى السقف، مما يخلق ممرات ضيقة وعتمة خفيفة في زواياه الخلفية. دخلتُ وأنا أتلفت ببرود حذر، فلم أجد صاحب المحل في الواجهة، بل صوتاً خفيفاً ينبعث من بين أثواب المخمل في العمق.تجاوزتُ الصفوف الأولى، وفي الزاوية الخلفية الأكثر حجباً عن أعين المارة، كانت رانيا تقف بوقار مزيف وهي تتفحص ثوباً من الساتان الكحلي بين يديها. عندما سمعت خطواتي، لم تتفاجأ، بل رفعت رأسها ببطء، وتأملتني بابتسامة نصر جريئة تفيض بالثقة والسيطرة."كنتُ أعلم أنك ستأتي يا أحمد..." همست رانيا بنبرة خافضة ومغرية تتداخل مع صخب الشارع الخارجي: "الرجل الحقيقي لا يختبئ خلف الأبواب المغلقة ولا يهرب من المواع
انتصفت ليلة طويلة لم يذق فيها جفني طعم النوم. كان كلام سارة واعترافها الصريح ينبض في رأسي، معيداً ترتيب كل الحسابات والمشاعر التي ظننتُ أنني سيطرتُ عليها. لم أعد أطيق البقاء وحدي في غرفتي مع هذا الغليان المكتوم؛ أردتُ أن أواجهها، أن أسمع منها الحقيقة مجدداً دون أقنعة أو حواجز. خرجتُ من غرفتي بخطوات هادئة كأنني أتسحب في العتمة، متوجهاً مباشرة نحو باب غرفتها. كانت هناك ثغرة من الضوء الأصفر الخافت تنبعث من أسفل الباب المغلق، مما أشار إلى أنها ما تزال مستيقظة. أدرتُ المقبض النحاسي ببطء شديد، ودخلتُ الغرفة ثم أغلقتُ الباب خلفي دون أن أصدر أي صوت. كانت سارة تقف أمام مرآة الزينة، وتمشط شعرها الأسود الطويل بمهل. عندما انعكست صورتي في المرآة، لم تفزع ولم تصرخ، بل توقفت يدها ببطء، وتلفتت نحوي بنظرة حذرة تفيض بفتنة صريحة. كانت ترتدي ثوب نوم قصيراً جداً من الحرير الأسود الناعم، يلتصق بجسدها بشكل صارخ كأنه جلدها الثاني. كان القماش ينحسر بجرأة عند أعلى فخذيها ليبرز استدارة خلفيتها الممتلئة والمستديرة بوضوح تام، بينما كانت فتحة صدر الثوب متسعة وهابطة بشكل مكشوف، تبرز معظم نهدها الممتلئ المشدود ال
عدتُ إلى البيت في المساء يحملني هدوء ظاهري بعد زوال خطر الفضيحة في الدكان، لكن ثقل المواجهة المحتومة مع سارة كان ينتظرني خلف الباب المغلق. دخلتُ الصالة بخطوات هادئة، وكانت الأنوار خافتة على غير العادة. لم تكن سارة تتحرك في المكان كعادتها بتوتر أو استجواب، بل كانت تجلس على الأريكة الرئيسية وفي يدها فنجان شاي دافئ، تبدو متبلدة الملامح كمن حسمت أمرها لاتخاذ خطوة فاصلة.وضعتُ المفاتيح على الطاولة الخشبية الصغيرة وجلستُ على الطرف المقابل. ساد الصمت بيننا لدقائق، وكان كل منا ينتظر أن يبدأ الآخر بالحديث. لم أعد أملك الطاقة للمناورة أو اختراع أسباب واهية للخروج والتأخر، وكانت هي تعرف ذلك جيداً من طبيعة الأجواء التي مرت بنا خلال الأيام الماضية.رفعت سارة رأسها ونظرت إليّ مباشرة، ثم وضعت الفنجان جانباً وقالت بصوت خفيض وخالٍ من نبرة الصراخ أو الحساب المعتاد: "أحمد... نحن بحاجة إلى الحديث بوضوح تام، دون لف أو دوران. هذا التوتر الذي يعيشه البيت واللعبة التي تدور بيننا وبين رانيا يجب أن تتوقف عند هذا الحد."نظرتُ إليها بثبات وقسوة مصطنعة، وقلتُ: "أي لعبة يا سارة؟ أنتِ التي تصنعين من كل تصرف شكاً وف
تصلبتُ في مكاني وكأن صاعقة ضربت أركان البيت، وتجمدت الدماء في عروقي وأنا أقف مشلول الحركة عند الباب الخارجي. كانت سارة تقف في منتصف الصالة كظلال متأهبة، وشعرها الأسود ينسدل غزيراً على روبها الناعم، بينما كانت عيناها النافذتان تصوبان نحوي نظرات مشتعلة بمزيج حارق من الغيرة والشك. انخفضت عيناي برعب نقي نحو يدي المرتجفة، حيث كنتُ أقبض بضراوة دون أن أشعر على المفتاح الحديدي القديم الخاص بباب مطبخ رانيا الخلفي. كان المفتاح يلمع تحت ضوء الأباجورة الخافت كأنه دليل إدانة صريح يصرخ بحقيقتي.اقتربت سارة بخطوات حثيثة وقالت بصوت هادئ لكنه يقطر حسرة واستجواباً: "ما بك يا أحمد؟ لماذا وجهك أصفر كالميت، وتتصبب عرقاً وتلهث كأنك كنت تركض هرباً من الموت في الأزقة؟ وما هذا المفتاح الذي تعتصر عليه أصابعك بحرص؟" ابتلعتُ ريقي بصعوبة بالغة، وأدخلتُ المفتاح في جيبي بحركة مباغتة، محاولاً لملمة بقايا شتاتي وقلتُ بصوت متقطع يرشح بالتوتر: "سارة... أرجوكِ ليس الآن، كنتُ أستنشق بعض الهواء النقي في الشارع بعد أن خنقني النوم، وهذا مجرد مفتاح قفل قديم للمخزن أخذته معي من الدكان لأصلحه."ابتسمت سارة ابتسامة مريرة لم تخف
لم أستطع النوم في تلك الليلة؛ كان صمت قطعة الدانتيل في درج الدكان يضارب بعنف مع نبرة سارة الغيورة في الصالة. كنت أتقلب على فراشي وعقلي مشتت بين امرأتين: واحدة تأسرني بغموضها وتترك لي ألغازاً صامتة، والأخرى تحاصرني بالقرب والغيرة وتطلب مني الاستسلام لسيطرتها.مع بواكير الصباح الأولى، ارتديت ملابسي بآلية وخرجت متسللاً قبل أن تستيقظ سارة. كنت بحاجة للمسافة، وبحاجة للهروب إلى الدكان لأستوعب ما يحدث حولى.فتحت باب الدكان الخشبي، واستقبلتني رائحة التوابل والورق القديم. توجهت فوراً نحو الطاولة، وسحبت الدرج ببطء. كانت قطعة القماش المغسولة ما تزال قابعة في مكانها أسفل الدفاتر. رفعتها ووضعتها في جيبي الداخلي بالقرب من قلبي، وكأنني أتحصن بها.مرت ساعات الصباح الأولى ثقيلة وبطيئة جداً. العم كريم لم يأتِ بعد، والشارع كان شبه خالٍ بسبب برودة الجو الخفيفة. وفي تمام الساعة الحادية عشرة، سمعت صرير الباب الخارجي.رفعت رأسي متوقعاً رؤية زبون عابر، لكن صدمتي كانت عارمة؛ كانت رانيا تدخل الدكان بخطوات متسارعة، لكنها هذه المرة لم تكن ترتدي شالاً يخفي وجهها، بل كانت شاحبة الملامح، وعيناها محاطتان بهالات سودا
بقيتُ أقف خلف الطاولة الخشبية في الدكان كالمسمار الملقى في قاع حفرة، أستمع إلى صدى خطوات العم كريم وهي تتلاشى رويداً رويداً في الزقاق الخارجي بعد مغادرته. ساد السكون أرجاء المكان، ولم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسي المتسارعة وصوت دقات قلبي التي كانت تقرع جدران صدري بعنف.تأكدتُ من خلو الشارع تماماً، ورفعتُ يدي المرتجفة ببطء لتصل إلى مقبض درج الطاولة الخشبي. سحبته، فظهر المظروف الورقي المغلق الذي وضعته رانيا ببرود الذعر البارحة، قابضاً على أسراره. كانت تفوح منه رائحة عطرها المميز، تلك الرائحة التي دخلت أعماقي وتغلغلت في وجداني.التقطتُ المظروف بحذر، وكأنني أمسك بجمرة متقدة أخشى أن تحرق أصابعي. مررتُ إبهامي تحت الساتر الورقي فأنشق بخفة. أدخلتُ أصابعي إلى جوفه الداكن، فخفق قلبي بعنف عندما التقطت أصابعي قطعة القماش الناعمة التي فرغت عليها ناري البارحة. كانت القطعة مغسولة ونظيفة تماماً، تفوح منها رائحة صابون المسك، مطوية بأناقة أنثوية لافتة.لكن لم يكن هناك أي رسالة.أفلتُّ المظروف من يدي، وبقيتُ أنظر إلى قطعة الدانتيل الصامتة بذهول وحيرة عارمة. الصمت كان أكثر بلاغة من الكلمات؛ هي لم توبخ