Home / الرومانسية / زوجة أخي المتوفي / الفصل الخامس والخمسون: نسيجُ العتمة والضوء

Share

الفصل الخامس والخمسون: نسيجُ العتمة والضوء

Author: بهاء
last update publish date: 2026-10-07 01:09:40

المشهد الأول: حسابُ الخطوة التالية

قضيتُ ليلتي تلك أُقلّب صرة الدراهم النحاسية التي تركتها ياسمين على الطاولة، وكأن وزنها ثِقلٌ يدفعني للتحدي لا للرضا. لم يكن المال هو ما أبتغيه؛ بل تلك السلسلة الدقيقة من الحدود التي فرضتها بأسلوبها الرزين. لم ترفض العينة، لكنها رفضت المنّة، وحوّلت محاولتي للاقتراب إلى مجرد "معاملة ممتازة" بين تاجرٍ وزبونة رفيعة الشأن.

في صباح اليوم التالي، جلستُ عند مدخل الدكان وأنا أستحضر سوق الحارة الفوقا وطبيعة الدور العريقة فيها. دار الحاج عبد القادر ليست داراً تَبهرها الع
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل السابع والخمسون: ليلةُ العُودِ والجمر

    المشهد الأول: شراهةُ الخاطر وصيدُ الظلمنذ أن غادرت ياسمين الدكان ولوّحت بفسخ الصفقة، لم يكن المال أو أرباح المسك العالقين في ذهني؛ بل تلك الرغبة المشتعلة التي تسري في عروقي كالنار. لقد اعتدتُ أن أكون الرجل الذي يتناول النساء كما يشاء—من طوع سارة المستسلمة إلى مجازفات أمينة الخائفة—لكن ياسمين كانت تمثل صيداً من نوع آخر: امرأة تتلفع بوقارٍ عتيق، وتفرض هيبتها بذكاءٍ تاجر، مما جعل التمكن منها وإخضاع ذلك الوقار لشهوتي هدفاً يلتهم تفكيري.كنتُ أقف خلف الطاولة أزن البضاعة بحركاتٍ آلية، بينما عقلي يصوغ المشهد القادم. لم تكن اللعبة لعبة أوراق أو أرقام، بل كانت صراع إرادات؛ كنتُ أشتهي أن أرى تلك العيون الحادة وهي تفقد صرامتها أمامي، وأن أكون الرجل الذي يكسر ذلك السور العالي بيده، لا بصفقة عطارة مجردة."يا شيخ أحمد،" دخل حسني الدكان مقاطعاً أفكاري وهو يحمل رقعة صغيرة، "أبو صالح وكيل دار الحاج عبد القادر ينتظرك عند ناصية خان القماش، ويقول إن لديه كلاماً في أمر العقد."ابتسمتُ ابتسامة خبيثة كتمتُها في سرّي. لقد أرسلت ياسمين وكيلها ليفاوض مجدداً؛ كانت تلعب في ملعب التجارة، بينما كنتُ أهيّئ الميدان

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل السادس والخمسون: خيوطُ النحاس والحرير

    المشهد الأول: كبرياءُ التاجر وجمرُ الانتظارمرّت ثلاثة أيام على زيارة ياسمين ووكيلها "أبو صالح" للدكان، وكانت تلك الأيام أطول على خاطري من سنوات التجارة كلها. كلما نظرتُ إلى العلب المخملية وأواني المسك الجبلي الرابضة على الرفوف النحاسية، شعرتُ بغصة تنخر كبريائي. لقد نجحتُ في جلبها إلى دكاني للمرة الثانية، بل وفرضتُ اسمي كتاجرٍ نادِر لا يُستغنى عنه في الحارة الفوقا، لكنني في الوقت نفسه أدركتُ الحائط الصافن الذي أقامته بيني وبينها بذكاءٍ ناعم؛ لقد حوّلتْ محاولتي للاقتراب إلى مجرد صفقة تجارية جافة، تسلمت أوراقها يد الوكيل، وظلّت هي تقف خلف سياجٍ من الوقار والحدود الصارمة.كنتُ أقف خلف الطاولة الخشبيّة في الصباح الباكر، أزن العود بالملتقط النحاسي الصغير وأحثّ حسني على تنظيف البرطمانات، لكن عيني لم تكن مفارقةً لزاوية الشارع الهابط من أزقة دار الحاج عبد القادر. هل ستبعث الوكيل وحده لتوقيع العقد؟ أم ستأتي بنفسها لتقول الكلمة الأخيرة كما تفعل النساء اللواتي يمسكن بتلابيب الدور الكبيرة؟"شيخ أحمد،" قال حسني وهو يمسح الغبار عن الميزان الكبير، "أراك تزن العود مرتين ولا تضعه في الصرّة.. هل في الب

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل الخامس والخمسون: نسيجُ العتمة والضوء

    المشهد الأول: حسابُ الخطوة التاليةقضيتُ ليلتي تلك أُقلّب صرة الدراهم النحاسية التي تركتها ياسمين على الطاولة، وكأن وزنها ثِقلٌ يدفعني للتحدي لا للرضا. لم يكن المال هو ما أبتغيه؛ بل تلك السلسلة الدقيقة من الحدود التي فرضتها بأسلوبها الرزين. لم ترفض العينة، لكنها رفضت المنّة، وحوّلت محاولتي للاقتراب إلى مجرد "معاملة ممتازة" بين تاجرٍ وزبونة رفيعة الشأن.في صباح اليوم التالي، جلستُ عند مدخل الدكان وأنا أستحضر سوق الحارة الفوقا وطبيعة الدور العريقة فيها. دار الحاج عبد القادر ليست داراً تَبهرها العينات الهينة؛ وإن أردتُ أن أكسر ذلك الجدار المتين الذي تسوره ياسمين حولها، فلن يكون ذلك برقعة ثناء ولا بعينة بخور عابرة، بل بصفقة تجارية كبيرة تجبرها على الجلوس معي، وتداول الأرقام والأصناف طويلة الأمد، حيث تسقط الدبلوماسية العابرة ليحل محلها التفكير المشترك."حسني،" ناديتُ الصبي بقلة صبر وأنا أضع العصا جانباً. "اذهب إلى وكالة الشيخ عمران في خان التجار، وسلّم عليه وقل له إن الشيخ أحمد يطلب الاطلاع على سجل بضائع العنبر الخام والمسك الملكي الوارد من بلاد الهند هذا الأسبوع."نظر إليّ الصبي بدهشة: "و

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل الرابع والخمسون: اختبارُ الظلّ الأوّل

    المشهد الأول: أثر الرسالة ورسول الصدفةفي صباح اليوم التالي، كان الدكان يعبق برائحة الهيل والدّارسين، لكن تفكيري كان معلّقاً بصندوق المستكة الذي بعثته المساء مع حسني إلى دار الحاج عبد القادر. كنتُ أترقّب عودة الصبي بأي كلمة أو إشارة تُكدّس الظنون التي بنيتها في رأسي ليلة أمس؛ هل تسلّمت ياسمين الصرّة بنفسها؟ هل أبدت ملاحظةً على الختم المجلُوّ بالنحاس؟ أم أنّ الأمر مرّ كخدمةٍ تجارية عابرة لا أثر لها في خاطرها؟دخل حسني الدكان يجرّ قدميه بكسل الصباح، وألقى بالقفّة الفارغة عند الزاوية: "سلّمتُ الصرّة للخادمة عند الباب يا شيخ أحمد.. وقالت لي إن السيدة ياسمين تشكرك على حرصك."تجمّدت في مكاني لحظة، وسرت في صدري خيبة أمل صامتة كتمتها تحت ملامح الرزانة. "للخادمة عند الباب؟" سألتُ ببرودٍ متكلّف وأنا أعيد ترتيب البرطمانات الزجاجية."نعم يا شيخ، السيدة كانت في الديوان الداخلي ولم تخرج،" أجاب حسني بغير اهتمام وهو يمسح الطاولة.وقفتُ أزن المستكة لزبونٍ آخر، وأنا أشعر بغيظٍ خفيّ ينهك كبريائي. لقد حوّلتُ في عقلي ابتسامة أمس الخفيفة إلى بداية حكاية شائكة، بينما تعاملت هي مع الأمر بأعراف الدور الكبيرة:

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل الثالث والخمسون: نسيجٌ يدويّ تحت الضوء

    المشهد الأول: انسحاب الخان وضيق المسرح القديمفي الأيام التي تلت ليلة المطر، صار خان التشاركة يبدو في عينيّ قصيّاً وباهتاً، كمسرحٍ قديم انفضّ عنه سامروه ولم يتبقَّ منه سوى ظلال جدرانه الرطبة.كانت أمينة تحاول بين الحين والآخر إرسال صبي المقهى برقعة أو سلامٍ متكتّم، لكن حركة "عمر" الشامي الواجفة في الحارة، وتردده المتكرر على دكاكين التوابل بحجة التأكد من جودة البضائع، جعلت أي اقتراب جديد من ذلك الزقاق أشبه بوضع العنق تحت الشفرة مجاناً.غير أن الخوف لم يكن السبب الوحيد لتركي الخان؛ بل إحساسٌ جديدٌ وباردٌ بدأ يتسلل إلى صدري. لقد غدت أمينة، بلهفتها الممزوجة بالخوف ورعشتها المستمرة من عين زوجها والحُساب، حكاية معلومة البداية والنهاية. لم يعد اللقاء بها يمنحني ذلك الأدرينالين القديم؛ بل أصبحتُ أرى في طلباتها المتوارية ثقلاً يضاف إلى ثقل الدفاتر، وأنا الذي اعتاد عقله على صيد الغنائم، لا على حراسة الخوف.وقفتُ أطوي أكياس القماش خلف الميزان الخشبي، وأستشعر في داخلي ذلك الشغف الفاسد الذي نبت في روحي مؤخراً: شهوة أن أكون الرجل الذي تلتفت إليه العيون دون أن ينحني، وأن أجد امرأة أخرى تقف أمامي لا

  • زوجة أخي المتوفي   الفصل الثاني والخمسون: رهانٌ فوق أرضٍ هشّة

    المشهد الأول: اشتعال الغرور وتحدي الخطرفي الصباح التالي، كان دكاني يضج بالزبائن الذين يفدون كالعادة مع بزوغ الشمس، لكن عقلي لم يكن حاضراً في أكياس الدارسين أو علب الميرمية المنسقة. كان سؤال "عمر" عن مواعيد الاستلام المتأخرة في الخان يرن في رأسي كرنين جرس قديم يرفض أن يصمت.بدلاً من أن يزرع الخوف في صدري تراجعاً أو حذراً، أوقد في روحي العطشى نوعاً أعمق وأعتى من الصلف والغرور. لقد توهمتُ طويلاً أنني رجل ينقاد لشهوته فقط، لكني اكتشفتُ الليلة أن للسيطرة لذة أشد ضراوة؛ لذة أن أقف فوق أرضٍ جارفة وأقود الجميع كما أشاء، متحمساً لتحدي النقطة ذاتها التي كدتُ أنكشف منها.وقفتُ أزن بضاعة لشيخ من الحارة الفوقا، وأرد على تحياته بهيبة وثبات متكلف، بينما كانت عيناي تتسللان بين الحين والآخر نحو زوايا السوق الترابي. كنتُ أترقب مرور أمينة أو من ينوب عنها، ليس من أجل اللقاء السرّي بحد ذاته، بل لأبرهن لنفسي ولها أن عين "عمر" الشامية لن تمنع الشيخ أحمد الرزين من نيل ما يشتهيه، وأن قواعد اللعبة في هذا السوق ما زالت بين أصابعي أنا.المشهد الثاني: رسالة الخان والتجمع الخفيلم ينتصف النهار حتى مر صبيّ المقهى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status