LOGINلم يخرج ملف حريق المزرعة من ذهن حسام منذ الليلة التي وصل فيها الخاتم.كان التقرير الرسمي واضحاً؛ ماس كهربائي تسبب في الحريق، ثم أُغلقت القضية... لكن الرسالة التي وصلته جعلته يشك في كل شيء.لذلك قرر إعادة فتح الملف بشكل سري، دون إبلاغ بقية المحققين.أخرج النسخة القديمة من الأرشيف، وبدأ يراجع تفاصيلها من جديد؛ كان التقرير مختصراً بشكل غريب، وبعض النقاط المهمة لم تكن موضحة كما ينبغي.بحث حسام عن اسم خبير الإطفاء الذي أعد التقرير، حتى تمكن من الوصول إليه... كان يدعى "إلياس فولت"جلس إلياس أمام حسام في مكان هادئ، وبدا عليه الهدوء أكثر من القلق.وضع حسام نسخة من التقرير أمامه وسأله:ـ أنت من كتب هذا التقرير؟نظر إلياس إلى الورقة وأومأ:ـ نعم.ـ وذكرت أن سبب الحريق ماس كهربائي.ـ نعم هذا ما تم اعتماده.توقف حسام قليلاً:ـ هل كنت متأكداً من ذلك؟تنهد إلياس:ـ عندما وصلت إلى المزرعة، كان الحريق قد دمر جزءاً كبيراً من المكان... لم تكن الأدلة كافية للجزم بكل التفاصيل.رفع حسام حاجبه:ـ ومع ذلك أُغلق الملف.أومأ إلياس ببطء:ـ نعم.ـ لماذا؟صمت الرجل لحظة، ثم قال:ـ لأنني تلقيت أوامر بإغلاق التقري
أشرقت شمس المدينة بعد أسابيع طويلة من الإشاعات، وعادت الحركة إلى الشوارع شيئاً فشيئاً.وفي المدرسة الثانوية، بدا كل شيء طبيعياً من جديد.دخل الأستاذ كريم إلى المبنى بخطوات ثابتة، مرتدياً مظهره المعتاد؛ ملابس أنيقة، ابتسامة هادئة، ونظرات توحي بالثقة والاتزان.كان من السهل على أي شخص أن يراه في تلك اللحظة ويظن أن كل شيء عاد إلى مكانه.لكن خلف ذلك الهدوء، كان كريم يشعر بشيء مختلف.كان يعتقد أن العاصفة مرت، وأن ما حدث خلال الأسابيع الماضية أصبح مجرد صفحة يمكن طيها.حتى رنا شريكته بدأت تستعيد هدوءها، وكأنهما نجحا أخيراً في إبعاد الشكوك عنهما.لم يعرف أيٌّ منهما أن الماضي، الذي ظنّا أنه دُفن إلى الأبد، بدأ يتحرك من جديد.وفي مكتب المباحث، كان المحقق حسام يعيش يوماً مختلفاً تماماً.جلس أمام مكتبه تحيط به الملفات القديمة والجديدة، يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرىمحاولاً العثور على الخيط الذي ظل مفقوداً طوال الفترة الماضية.كانت قضية اختفاء الفتيات تشغل تفكيره باستمرار، وكلما ظن أنه اقترب من الحقيقة، ظهرت أمامه علامة جديدة تدفعه إلى الخلف.وبينما كان يراجع أحد الملفات، طرق الشرطي الباب ودخل، ثم و
مرّت أيام قليلة منذ بدأت منشورات مريم تنتشر في المدينة.ومع أن كثيرين صدّقوا ما كتبته، وبدأت الأنظار تتجه نحوها، إلا أن قضية قديمة بقيت حاضرة في أذهان الجميع.نور ومي.الاسمان اللذان لم يتوقف الناس عن الحديث عنهما.فتاتان اختفتا منذ وقت طويل، ولم يعرف أحد حتى الآن ما الذي حدث لهما.ومع كل قصة جديدة تظهر، كان السؤال نفسه يعود من جديد.أين ذهبت نور ومي؟وهل كان اختفاؤهما مجرد حادثة قديمة انتهت مع مرور الزمن؟أم أن وراءه شيئاً لم تكتشفه الشرطة بعد؟في مكتب التحقيق، كان حسام يجلس أمام مجموعة من الملفات القديمة.فتح أحدها.ثم آخر.حتى وصل إلى الملف الذي أصبح يعرف تفاصيله أكثر مما يتمنى.ملف نور ومي.ظل يحدق في الصور القديمة للحظات.ثم قال لنفسه:ـ لماذا أشعر أن هذه القضية لم تنتهِ بعد؟أغلق الملف، لكنه لم يضعه جانباً.على العكس، حمله معه وغادر المكتب.كان يريد أن يسمع المدينة بنفسه.ليس ما تقوله التقارير...بل ما يقوله الناس والشهود.بدأ حسام جولته في الأحياء القديمة.مرّ بالمحال الصغيرة، وجلس لبعض الوقت في أحد المقاهي، ثم انتقل إلى الشوارع التي كانت نور ومي تترددان عليها وتسكنان فيها قبل
عاد الهدوء إلى المدينة من جديد.وهذا الهدوء جعل كريم يتنفس للمرة الأولى منذ أيام.عادت الطالبات إلى المدرسة.تراجعت الأحاديث في الشوارع.وانشغلت الشرطة بالخيوط التي قادتها إليها القصة الجديدة.كان كل شيء يسير كما أراد.لكن كريم كان يعرف أن شيئاً واحداً لا يزال يقلقه... الماضي.في مساء ذلك اليوم، اجتمع مع رنا في شقتها.كانت الغرفة هادئة، لكن الصناديق المنتشرة على الأرض كسرت ذلك الهدوء.فتح كريم أحدها، فظهرت أمامه ملابس الفتيات المدرسية.تأملها للحظات، ثم أخرج هواتفهم القديمة من الصندوق.قالت رنا:ـ هل هذه كل الأشياء؟أجاب دون أن يرفع عينيه:ـ نعم معظمها.ـ وماذا ستفعل بها؟نظر إليها:ـ أتخلص منها.فهمت رنا ما يقصده.بدأت تجمع المتعلقات القديمة، بينما كان كريم يفتح صندوقاً تلو الآخر.ملابس... هواتف... أغراض شخصية صغيرة.أشياء تبدو عادية لأي شخص، لكنها بالنسبة إليهما كانت آثاراً لا يريدان بقاءها.قالت رنا:ـ يجب ألا يبقى شيء.ـ لن يبقى.وضعت بعض الأغراض جانباً، ثم بدأت بإتلاف ما يمكن إتلافه، بينما تولى كريم التخلص من بقية المتعلقات والملابس بإحراقها.لم يتحدثا كثيراً، كان كل واحد منهما ي
في صباح اليوم التالي، لم يعد كريم يحتمل الانتظار. جلس مع رنا في غرفة مغلقة، والهدوء يحيط بهما من كل جانب. وضعت رنا هاتفها على الطاولة وقالت: ـ المدينة ما زالت تتحدث. ـ وستظل تتحدث إذا لم نفعل شيئاً. ـ والشرطة أيضاً تعيد فتح الملفات القديمة. رفع كريم عينيه إليها. ـ إذن علينا أن نجعلهم ينظرون إلى مكان آخر. فهمت رنا ما يقصده، لكنها لم تجب. ظل كريم صامتاً للحظات، ثم قال: ـ سنوقف كل شيء مؤقتاً. اتسعت عيناها. ـ نوقفه؟ ـ نعم. ـ ولماذا؟ ـ لأن الخوف أصبح أكبر من أن نتحكم به. أدركت رنا أن كلامه صحيح. حين يتحول المجتمع كله إلى عين مفتوحة، يصبح أي تحرك مخاطرة غبيه عليهم. قال كريم: ـ نحتاج إلى قصة جديدة. ـ قصة؟ ـ قصة تجعل الناس يعتقدون أنهم فهموا ما حدث وتخرسهم. بقيت رنا تنظر إليه. ثم قالت: ـ مريم؟ ساد الصمت. قال كريم ببرود: ـ نعم ستكون جزءاً من القصة. في الغرفة الأخرى، كانت مريم تجلس بصمت. دخل كريم إليها، ولم يتحدث كثيراً. أخبرها أن عليها أن تظهر أمام الكاميرا، وأن تقول كلمات محددة. نظرت إليه طويلاً. ـ ولماذا؟ ـ لأن الناس يجب أن يعرفوا أنك بخير. كانت تعرف أن الأم
الجزء الثالث: (بداية النهاية...).بعد مرور أسبوع....لم يكن اختفاء مريم مجرد حادثة عابرة في المدينة، بل كان الخوف هذه المرة مختلفاً تماماً.انتشر الذعر في البيوت، وتسلل إلى أحاديث الأمهات، ومكالمات الآباء، ونظرات الطالبات اللاتي أصبحن يلتفتن خلفهن مع كل خطوة غريبة.وفي صباح اليوم التالي، بدا فناء المدرسة كئيباً وغريباً. المقاعد التي كانت تضج بالضحكات أصبحت خاوية، والأصوات التي تملأ الممرات اختفت تقريباً. حتى جرس الحصص بدا وكأنه يوقظ مبنى فقد روحه.وقف كريم عند نافذة مكتبه يراقب الفناء بصمت. طال انتظاره وهو يتوقع أن يرى الطالبات يتجمعن كعادتهن، لكن نصف الفناء بقي فارغاً.وعندها دخلت المديرة مسرعة وهي تحمل أوراقاً عدة، وقالت بنبرة قلقة:ـ هناك عدد كبير من الأهالي رفضوا إرسال بناتهم اليوم.لم يلتفت إليها كريم وسأل ببرود:ـ كم عددهم؟ـ أكثر مما توقعنا.ساد الصمت لحظة، ثم تابعت:ـ بعضهم يفكر جدياً في نقل بناته إلى مدارس أخرى.شد كريم أصابعه على حافة النافذة. كان هذا أكثر ما يزعجه؛ ليس اختفاء مريم بحد ذاته، بل ما أحدثه هذا الاختفاء. فالخوف يفسد كل شيء، وحين يخاف الناس يبدأون في السؤال، ومع







