Masukحين أحبك رغم المسافة هناك أشخاص لا يدخلون حياتنا من الباب. يتسللون إليها من شق صغير في جدار القلب، ثم يكبر الشق حتى لا يعود بإمكاننا معرفة أين انتهينا نحن، وأين بدأوا هم. كانت ليان قد أقسمت، ذات مساء، وهي تمسح دمعة لم تسمح لها بالسقوط، أن الحب لن يكون له مكان آخر في حياتها. لم تكن تكرهه. كانت فقط تعرف ثمنه. تعرف كيف يمكن لرجل أن يبدأ حياتك بوعد، ثم ينهيها بجملة باردة لا تشبه كل ما قاله قبلها. لذلك اختارت الكتب. فالكتب، في رأيها، لا تخون. قد تحزن نهاياتها، لكنها لا تكذب عليك بشأنها. وفي مساء خريفي هادئ، دخل آدم حياتها دون أن يستأذن. لم يكن يحمل وردة. لم يقل لها إنها أجمل امرأة رآها. ولم يحاول أن يثير إعجابها كما يفعل الرجال الذين اعتادوا أن تُفتح لهم الأبواب قبل أن يطرقوها. اكتفى بأن وقف أمام الكتاب الذي كانت تمد يدها إليه، وقال: "هذا الكتاب لا يليق بك." رفعت عينيها إليه باستغراب. ابتسم، وأضاف: "لأنك تبدين كمن يعرف كيف يكتب نهاية أفضل." كان يمكنها أن تضحك. كان يمكنها أن تغادر. لكنها، للمرة الأولى منذ سنوات، شعرت بشيء يشبه الخوف الجميل. ذلك النوع من الخوف الذي لا يأتي لأنك تكره شخصًا... بل لأن جزءًا منك بدأ يتمنى ألا يرحل.
Lihat lebih banyakالفصل الأول
الرجل الذي لم يشترِ كتابًا كانت ليان تؤمن أن بعض اللقاءات لا تبدأ حين نرى أصحابها، بل قبل ذلك بكثير. ربما تبدأ حين نقرأ جملة تشبهنا في كتاب لا نعرف لماذا اخترناه. أو حين نسمع أغنية في سيارة أجرة، فنشعر فجأة أن الكلمات كُتبت لنا وحدنا. أو حين نغير طريقنا المعتاد دون سبب واضح، ثم نكتشف أن الطريق الجديد كان ينتظر شخصًا لم نكن نعرف أننا سنلتقيه. لهذا، عندما استيقظت ليان في ذلك الصباح، لم تكن تعرف أن يومها قد قرر أن يغيّر شيئًا في حياتها. كل ما كانت تعرفه أنها تأخرت عشر دقائق عن موعدها. وعشر دقائق بالنسبة لامرأة مثل ليان كانت كافية لتجعلها تشعر بأنها فقدت السيطرة على اليوم كله. فتحت عينيها على ضوء شاحب يتسلل من بين ستائر غرفتها. ظلت للحظات تحدق في السقف، قبل أن تمد يدها نحو الهاتف. السابعة وأربعون دقيقة. جلست في سريرها دفعة واحدة. "ممتاز." قالتها لنفسها بسخرية. اليوم هو افتتاح معرض الكتاب الذي عملت عليه منذ أكثر من شهر، وهي التي يفترض أن تكون أول الموجودين. لكنها كانت قد قضت نصف الليل تقرأ رواية جديدة، رغم أنها أقنعت نفسها بأن الفصل الأخير فقط هو الذي يستحق القراءة. وكانت تعرف، مثل كل القراء، أن عبارة "الفصل الأخير فقط" واحدة من أكثر الأكاذيب التي نصدقها بإرادتنا. نهضت واتجهت إلى الحمام. لم تكن ليان من النساء اللواتي يقفن طويلًا أمام المرآة. كانت تعرف وجهها جيدًا. وجه هادئ، عينان واسعتان تحملان شيئًا من الحزن حتى حين تبتسم، وشعر بني طويل كانت تتركه غالبًا منسدلًا على كتفيها. كانت في التاسعة والعشرين. العمر الذي يبدأ فيه الناس بسؤال المرأة عن الزواج كما لو كان مشروعًا تأخر موعد تسليمه. لكن ليان كانت قد توقفت عن الإجابة. في البداية كانت تقول: "لم أجد الشخص المناسب." ثم أصبحت تقول: "ليس الآن." ثم، بعد سنوات من الأسئلة نفسها، اكتفت بابتسامة. فالناس لا يريدون إجابة. إنهم يريدون قصة. وليان لم تعد ترغب في إعطاء أحد قصتها. ارتدت فستانًا أسود بسيطًا، فوقه معطف بلون بيج، وتركت شعرها كما هو. وقبل أن تخرج، عادت إلى غرفتها والتقطت رواية كانت ملقاة على الطاولة. ترددت قليلًا. ثم وضعتها في حقيبتها. لم تكن تعرف لماذا أخذتها. ربما لأنها كانت تشعر أن بعض الكتب تصلح كرفاق سفر. أغلقت باب شقتها خلفها، ونزلت الدرج بدلًا من انتظار المصعد. كانت تحب الدرج. الصعود والنزول بين الطوابق يمنحها وقتًا قصيرًا لترتيب أفكارها. أما المصعد، فكان سريعًا أكثر مما ينبغي. وفي حياتها، لم تكن ليان تحب الأشياء السريعة. لا الحب. ولا الوعود. ولا الرجال الذين يتحدثون عن المستقبل في اللقاء الأول. خرجت إلى الشارع. كانت القاهرة قد بدأت يومها بالفعل. السيارات تتدافع. المقاهي تمتلئ. أصوات الباعة تتداخل مع أبواق السيارات. والشمس تحاول أن تثبت وجودها خلف طبقة خفيفة من الغيوم. استقلت سيارة أجرة، وجلست في المقعد الخلفي. قال السائق: "رايحة فين؟" أعطته العنوان. ثم أخرجت هاتفها. رسالة من صديقتها مريم: "أين أنت؟" كتبت: "في الطريق." جاء الرد سريعًا: "أنتِ دائمًا في الطريق." ابتسمت ليان. كتبت: "لأنني لا أحب الوصول." "كذابة." "لماذا؟" "لأنك منذ ثلاث سنوات تهربين من الوصول إلى شيء واحد فقط." توقفت أصابع ليان فوق الشاشة. لم تحتج أن تسألها ما هو. كانت تعرف. الحب. أغلقت المحادثة. وأدارت وجهها نحو النافذة. كانت هناك أشياء لا تريد حتى التفكير فيها. الأفضل أن تظل بعض الأبواب مغلقة. ليس لأن خلفها أشباحًا. بل لأننا نعرف أننا إذا فتحناها، فسندخل مرة أخرى. --- كان المعرض مزدحمًا عندما وصلت. نزلت من السيارة، حملت حقيبتها، ودخلت المبنى. وجدت مريم تنتظرها عند المدخل. كانت مريم أقصر منها بقليل، وأكثر صخبًا منها بكثير. قالت فور رؤيتها: "أخيرًا!" "صباح الخير." "لا يوجد صباح خير. هناك كارثة." "ما الكارثة؟" "المدير يريدك." "هذا ليس جديدًا." "بل الجديد أن هناك رجلًا ينتظرك منذ نصف ساعة." رفعت ليان حاجبها. "رجل؟" "رجل." "ماذا يريد؟" "لا أعرف." "كيف شكله؟" ابتسمت مريم. "آه، وصلنا إلى السؤال المهم." "لم أسأل لهذا السبب." "طبعًا." ثم اقتربت منها وقالت: "طويل." "وماذا أيضًا؟" "وسيم." تنهدت ليان. "كل الرجال في رأيك وسيمون." "ليس كلهم." "إذن؟" "هذا تحديدًا يستحق أن تتأخري عن العمل من أجله." ضحكت ليان رغمًا عنها. "أنا لا أتأخر من أجل الرجال." "أعرف. الرجال هم الذين يتأخرون من أجلك." نظرت إليها ليان نظرة تحذير. "مريم." "حسنًا، حسنًا." ثم أشارت إلى القاعة. "إنه هناك." دخلت ليان القاعة. كان معرض الكتب يبدو كمدينة صغيرة. أرفف طويلة. طاولات تحمل إصدارات جديدة. ملصقات على الجدران. قراء يتنقلون بين الكتب. طلاب يحملون أكياسًا مليئة بالروايات. أطفال يركضون بين الممرات. ورائحة الورق الجديدة تختلط برائحة القهوة. كانت ليان تحب هذه الفوضى. الكتب وحدها كانت قادرة على جعل الفوضى تبدو جميلة. تقدمت نحو الجناح الذي تعمل فيه. ثم رأته. كان واقفًا أمام رف الروايات العربية. لم يكن يفعل شيئًا. وهذا أكثر ما لفت انتباهها. لم يكن يقلب الكتب. لم يكن يقرأ العناوين. كان فقط واقفًا، كأنه ينتظر شيئًا. كان في أواخر الثلاثينيات. طويلًا، عريض الكتفين، يرتدي بدلة رمادية داكنة دون ربطة عنق. ساعته تبدو باهظة. حذاؤه لامع. لكن أكثر ما لفت انتباهها كان هدوءه. ذلك النوع من الهدوء الذي لا يشبه اللامبالاة. بل يشبه رجلًا اعتاد أن يعرف ماذا يريد. وحين اقتربت منه، رفع عينيه. التقت عيناه بعينيها. لم يبتسم. ولم تقل شيئًا. كانت لحظة قصيرة. لكنها بدت أطول مما ينبغي. قالت: "هل تبحث عن كتاب معين؟" نظر إلى الرف، ثم عاد إليها. "ربما." "ما عنوانه؟" "لم أجده بعد." "كيف تعرف إذن أنك تبحث عنه؟" ظهرت ابتسامة صغيرة عند طرف فمه. "لأنني أعرف ما أشعر به عندما أجده." لم يعجبها الرد. أو ربما أعجبها أكثر مما ينبغي. قالت: "هذه ليست طريقة جيدة لشراء الكتب." "أنا لا أشتري الكتب عادة." نظرت إلى يده. لم يكن يحمل كتابًا. "إذن ماذا تفعل هنا؟" قال بهدوء: "أبحث." "عن ماذا؟" "عن امرأة." سكتت. ثم قالت: "أظن أنك أخطأت المكان." ضحك للمرة الأولى. وكانت ضحكته هادئة، قصيرة. "ربما." "المعرض مليء بالنساء." "لكن واحدة فقط هي التي أبحث عنها." لم تعرف ماذا تقول. فقال: "ليان؟" تجمدت. "من أخبرك باسمي؟" "مريم." نظرت خلفها. كانت مريم تقف بعيدًا وتراقبهما، وعندما التقت عيناها بعيني ليان، ابتسمت ابتسامة عريضة ثم اختفت بين الناس. تمتمت ليان: "سأقتلها." قال الرجل: "لا أنصحك." نظرت إليه. "ولماذا؟" "لأنها الوحيدة التي جعلتني أعرف أنك هنا." "وهذا يفترض أن يجعلني أشكرها؟" "ربما." "وأنت؟" "آدم." قالها وكأنه لا يحتاج إلى أكثر. لكن ليان كانت قد سمعت اسمه من قبل. آدم السيوفي. رجل أعمال ظهر اسمه كثيرًا في الصحف الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة. استثمارات. شركات. فنادق. مشروعات عقارية. لم تكن تهتم بعالم رجال الأعمال. لكنها كانت تعرف اسمه. قالت: "أنت آدم السيوفي." "للأسف." ابتسمت. "لماذا للأسف؟" "لأنني كنت أفضل أن أكون مجرد آدم." "وماذا يمنعك؟" "الناس." ثم أضاف: "وأنت؟ هل تستطيعين أن تكوني مجرد ليان؟" سؤال غريب. سؤال لا يحق له أن يسأله في اللقاء الأول. ومع ذلك، لم تجد ليان إجابة جاهزة. قالت: "أنا دائمًا مجرد ليان." نظر إليها طويلًا. ثم قال: "لا أظن." وقبل أن تسأله ماذا يقصد، جاء صوت من خلفهما. "أستاذة ليان، المدير يريدك الآن." التفتت. ثم عادت بعينيها إلى آدم. "سعدت بلقائك." قال: "لم تقولي ذلك." "ماذا؟" "لم تقولي سعدت بلقائك." "لأنني لم أشعر بذلك بعد." للمرة الثانية ابتسم. "إذن سأنتظر." "لا تنتظر." "أنا جيد في الانتظار." ثم ابتعدت. لكنها، وهي تسير نحو مكتب المدير، شعرت بنظراته تتبعها. ولم تلتفت. كانت تعرف أن الالتفات هو أول تنازل. وهي لم تكن مستعدة لتقديم تنازلات لرجل لا تعرف عنه سوى اسمه. --- استمر اليوم طويلًا. مقابلات. قراء. صحفيون. مناقشات. توقيعات. مئات الأسئلة. لكن وسط كل ذلك، كان هناك شيء واحد يتسلل إلى ذهنها رغمًا عنها. آدم. كانت تحاول ألا تفكر فيه. فكانت تفكر فيه أكثر. في الساعة الخامسة، خرجت من الجناح وهي تحمل كوب قهوة. وجدته جالسًا في مقهى صغير داخل المعرض. وحده. أمامه كتاب. توقفت. لماذا لا يغادر؟ ثم انتبهت إلى الكتاب. كان هو نفسه الكتاب الذي كانت قد أخذته من شقتها صباحًا. اقتربت. قال دون أن يرفع عينيه: "كتاب جيد." نظرت إليه. "من أين حصلت عليه؟" "اشتريته." "قلت إنك لا تشتري الكتب." "غيرت رأيي." "بسرعة." "أحيانًا يستحق الإنسان أن يغير رأيه." جلست أمامه دون أن تعرف لماذا. وضع الكتاب على الطاولة. قال: "أنتِ لا تحبين القهوة عندما تكون باردة." نظرت إلى كوبها. كان باردًا بالفعل. "كيف عرفت؟" "منذ ساعة وأنتِ تحملين الكوب نفسه." "كنت تراقبني؟" "كنت أراك." "هذا فرق؟" "كبير." لم تعرف لماذا شعرت بالارتباك. قالت: "ماذا تريد مني يا آدم؟" كانت تلك أول مرة تناديه باسمه. لاحظ ذلك. فقال: "سؤال مباشر." "أنا لا أحب الدوران." "وأنا لا أحب أن أكذب." "إذن؟" مال إلى الخلف. "أريد أن أتعرف عليك." ضحكت ضحكة قصيرة. "وهذا كل شيء؟" "في الوقت الحالي." "ولماذا أنا؟" "لأنك لا تنظرين إليّ كما ينظر الآخرون." "وكيف ينظر إليك الآخرون؟" "بما أملك." "وأنا؟" "تنظرين إليّ كأنك تحاولين معرفة ما أخفيه." صمتت. قالت: "ربما لأنني لا أثق بالرجال الذين يملكون كل شيء." "وأنا لا أثق بالنساء اللواتي لا يردن شيئًا." "أنا لا أريد شيئًا منك." "هذا تحديدًا ما يعجبني." رفعت حاجبها. "أنت متناقض." "وأنتِ متحفزة." "أنا حذرة." "من ماذا؟" توقفت. ثم قالت: "من الأشخاص الذين يدخلون حياتي وهم يظنون أنهم يستطيعون تغييرها." أصبح وجهه أكثر جدية. قال: "وأنا لا أريد تغيير حياتك." "ماذا تريد؟" "أن أكون جزءًا منها." صمتت. كانت الجملة بسيطة. لكنها لم تكن بريئة. نهضت. "يجب أن أذهب." "إلى أين؟" "إلى البيت." "هل أوصلك؟" "لا." "سيارة؟" "لا." "إذن سأكتفي بأن أقول لك مساء الخير." نظرت إليه. "مساء الخير." قال: "ليان." توقفت. "نعم؟" "الكتاب الذي معك صباحًا." "ماذا عنه؟" "أعيديه لي." "لماذا؟" "لأنني اشتريته." ابتسمت للمرة الأولى بصدق. "ليس ملكك." "كيف؟" "لأنني اشتريته قبلك." "إذن..." توقفت. قال: "نحتاج إلى تسوية." "أي تسوية؟" "نتقابل مرة أخرى." نظرت إليه طويلًا. ثم قالت: "هذا ليس تفاوضًا." "أعرف." "ومع ذلك تقوله كأنه كذلك." "لأنني رجل أعمال." "وأنا لست صفقة." "أعرف." قالها هذه المرة دون ابتسامة. "ولهذا تحديدًا لا أريد أن أتعامل معك كصفقة." خرجت. وفي الطريق إلى الباب، كانت غاضبة من نفسها. ليس منه. من نفسها. لأنها كانت تبتسم. --- في الخارج، كانت السماء قد بدأت تمطر. وقفت ليان تحت المظلة أمام المعرض. أخرجت هاتفها. وجدت رسالة من مريم: "لا تسأليني." كتبت: "ماذا فعلتِ؟" "أنا؟ لا شيء." "مريم." "حسنًا... قلت له إنك هنا." "ولماذا؟" "لأنه سأل عنك." "كان يستطيع أن يسألني." "وأنا أحب قصص الحب." كتبت ليان: "هذه ليست قصة حب." جاء الرد: "كل قصة حب تبدأ بهذه الجملة." أغلقت الهاتف. ثم بدأت تمشي تحت المطر. كانت قد قطعت نصف الطريق تقريبًا عندما سمعت صوت سيارة تسير ببطء إلى جوارها. تجاهلتها. ثم توقفت السيارة. انخفض زجاج النافذة. آدم. قال: "ليان." تابعت السير. "سأتركك وشأنك، لكن على الأقل خذي المظلة." نظرت إلى يده. كان يحمل مظلة سوداء. قالت: "وأنت؟" "لدي أخرى." "هل تحمل مظلتين دائمًا؟" "لا." "إذن؟" "اشتريت هذه منذ خمس دقائق." ضحكت رغمًا عنها. "أنت رجل غريب." "قيل لي ذلك." مد يده بالمظلة. ترددت. ثم أخذتها. قال: "احتفظي بها." "سأعيدها." "أعرف." "متى؟" نظر إليها. "عندما تريدين أن تريني مرة أخرى." أغلقت المظلة بسرعة. ثم مشت. لكنها هذه المرة لم تكن غاضبة. كانت خائفة. ليس منه. بل من نفسها. --- في تلك الليلة، عادت ليان إلى شقتها في الحادية عشرة. وضعت حقيبتها على الأريكة. خلعت معطفها. ثم تذكرت المظلة. كانت لا تزال في يدها. وضعتها قرب الباب. دخلت المطبخ وأعدت كوب شاي. ثم جلست قرب النافذة. كان المطر ما يزال يهطل. أخرجت الكتاب من حقيبتها. فتحته. وجدت ورقة صغيرة بين صفحاته. توقفت. لم تكن الورقة موجودة صباحًا. فتحتها. كان مكتوبًا عليها بخط واضح: "بعض الناس نلتقيهم لأننا نبحث عنهم، وبعضهم لأنهم يبحثون عنا." عرفت الخط. آدم. وضعت الورقة على الطاولة. ثم عادت إلى الكتاب. لكنها لم تستطع القراءة. ظلت عيناها معلقتين بالسطر نفسه. بعد دقائق، أخذت هاتفها. فتحت جهات الاتصال. لم يكن رقمه موجودًا. فجأة وصلتها رسالة. رقم مجهول. "هل وصلتِ؟" نظرت إلى الشاشة. كتبت: "كيف حصلت على رقمي؟" جاء الرد: "لدي طرق كثيرة." حذفت الرسالة. ثم أعاد إرسال واحدة: "تصبحين على خير، ليان." وضعت الهاتف جانبًا. ثم عادت وأخذته. كتبت: "وأنت من أهله." توقفت. حدقت في الرسالة طويلًا. ثم ضغطت إرسال. بعدها وضعت الهاتف بعيدًا كأنها ارتكبت خطأ. لكنها ابتسمت. وفي مكان آخر من المدينة، كان آدم ينظر إلى الرسالة نفسها. قرأها مرة. ثم مرة ثانية. ولأول مرة منذ سنوات، شعر أن امرأة لا تعرفه استطاعت أن تجعله ينتظر كلمة واحدة منها طوال اليوم. أما ليان، فكانت تعرف شيئًا واحدًا فقط. أنها في الصباح لم تكن تعرف آدم. وفي الليل أصبح لاسمه مكان في هاتفها. وكان ذلك، بالنسبة لامرأة مثلها، بداية خطيرة جدًا. لأن الحب لا يبدأ دائمًا بقبلة. أحيانًا يبدأ برسالة قصيرة. بمظلة سوداء. بكتاب مشترك. وبرجل يقول لك إنه لا يريد تغيير حياتك... ثم يقضي بقية الأيام محاولًا أن يصبح أجمل جزء فيها.الفصل العشرونالحقيقة التي تأخرت عشرين عامًالم تنم ليان طوال الليل.كانت جملة محمود الأخيرة تدور في رأسها بلا توقف:«هو ليس والدك فقط.»لم تكن تعرف ماذا يقصد.لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.أنها لم تعد مستعدة لتصديق أي شخص لمجرد أنه يحمل اسمًا تعرفه أو وجهًا أحبته.جلست في غرفة المعيشة، والدفتر الأسود أمامها.كان آدم يقف بجوار النافذة.يوسف جلس في المقعد المقابل.أما سيف، أو كريم كما عرفوه لسنوات، فكان صامتًا تمامًا.لم يكن أحد منهم يعرف ماذا يقول.وأخيرًا قال آدم:"لن نذهب إلى الرجل الذي أرسل الصورة."رفعت ليان رأسها."لماذا؟""لأن محمود قال لا."قال يوسف:"ولأن محمود أخفى عنا أشياء كثيرة."نظر آدم إليه."أعرف."قال سيف:"المشكلة ليست في الرجل.""إذن في ماذا؟""في أن الرسالة وصلت إلى ليان وحدها."قالت:"ماذا تقصد؟"أجاب:"لو كان يريد مقابلتنا جميعًا، لكان أرسل الرسالة للجميع."قال آدم:"صحيح."قال يوسف:"إذن يريد ليان لسبب محدد."قالت ليان:"ربما لأنه أبي."صمت الجميع.قال سيف:"أو لأنه يريدك أن تظني ذلك."وضعت يدها على الدفتر."إذن لنذهب."قال آدم فورًا:"لا."نظرت إليه."لن أسمح لك
الفصل التاسع عشرتحت شجرة الليمونلم يكن الممر السري طويلًا.لكنه بدا لهم أطول من عشرين عامًا.كان ضيقًا، تتدلى من سقفه أسلاك قديمة، وتغطي جدرانه طبقة من الغبار، بينما كانت خطواتهم تتردد كأن شخصًا آخر يسير خلفهم.في المقدمة كان محمود.خلفه آدم.ثم ليان.ثم يوسف وكريم.لم يتحدث أحد.كان كل واحد منهم يحاول استيعاب حقيقة واحدة فقط:أصبحوا أربعة.أربعة أطفال فصلتهم يد واحدة، ثم أعادتهم إليها بعد سنوات طويلة.لكن ليان لم تستطع أن تتوقف عن النظر إلى كريم.أو إلى سيف.لم تكن تعرف أي الاسمَين يجب أن تناديه به.كان يمشي أمامها ببطء، كتفاه مثقلتان بشيء أكبر من جسده.ربما كان يحاول هو الآخر أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يقضي نصف حياته باسم، ثم يكتشف فجأة أن الاسم لم يكن له.اقتربت منه.قالت:"سيف."توقف.لم يلتفت.قالت مرة أخرى:"سيف."أغمض عينيه.ثم استدار.كانت عيناه ممتلئتين بشيء لم تره فيهما من قبل.الخوف.قال:"لا أعرف هذا الاسم."ابتسمت بحزن."لكنك كنت تحبه.""كنت طفلًا.""وأنا أيضًا.""هل تتذكرينني حقًا؟"اقتربت منه."أتذكر يدك."نظر إليها."يدي؟""كنت تمسك يدي عندما نخاف."سأل:"وماذا كنت أ
الفصل الثامن عشرأبي الذي عاد من الموتلم تتحرك ليان.كانت تنظر إلى الرجل الواقف أمامها، وكأن عقلها يرفض أن يمنح عينيها الإذن بتصديق ما تراه.الرجل لم يكن صورة.ولم يكن تسجيلًا قديمًا.ولم يكن ذكرى مدفونة في عقلها.كان حيًا.يقف أمامها.يتنفس.ينظر إليها بالطريقة نفسها التي كانت تتذكرها من طفولتها.نفس العينين.نفس الهدوء.حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبه الأيسر كانت موجودة.الندبة التي كانت تلمسها بأصابعها عندما كانت طفلة وتسأله دائمًا:"هل تؤلمك؟"وكان يجيبها:"تؤلمني فقط عندما تخافين."ارتجفت شفتاها.قالت بصوت بالكاد خرج:"أبي؟"لم يجب.فقط نظر إليها.ثم تحرك خطوة.تراجعت هي.توقفت عيناه عند حركتها.وفهم.قال:"كنت أعرف أنك ستفعلين ذلك."سألته:"كيف؟""لأنك كبرتِ.""أنت حي.""نعم.""كل هذه السنوات؟""نعم.""كنت تراقبني؟"خفض رأسه."أحيانًا."ضحكت.لكن ضحكتها كانت مليئة بالألم."أحيانًا؟"لم يجب.اقترب آدم منه.قال:"أنت تعرف من أنا."رفع محمود عينيه إليه.ابتسم بحزن."عرفتك قبل أن تعرف نفسك.""أنت أبي.""نعم.""لماذا لم تقل لي؟""لأنني لم أكن أملك الحق."صرخ آدم:"أنا ابنك!""وأنا من س
الفصل السابع عشرالاسم الذي لم يكن يجب أن يكون هناكلم تفهم ليان.حدقت في الصفحة الأخيرة من الدفتر، ثم رفعت عينيها ببطء نحو مريم.كان الاسم واضحًا.ليان.لا مجال للخطأ.لا مجال لتفسير آخر.كان اسمها مكتوبًا بخط محمود، وتحت الاسم دائرة سوداء كثيفة، كأن الرجل الذي كتبها كان يريد أن يمنحها معنى أكبر من مجرد اسم.قال آدم بصوت خافت:"هذا مستحيل."لم تجبه.مد يده نحو الدفتر، لكنه لم يلمسه.قال:"ليان، انظري إليّ."رفعت عينيها إليه.كان وجهه هادئًا، لكنه لم يكن هدوءًا طبيعيًا.كان هدوء رجل يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار.قال:"أنت لم تقتلي أبي."قالت:"لكن اسمي هنا.""أعرف.""ومحمود كتبه.""أعرف.""إذن ماذا يعني؟"نظر إلى مريم.قالت:"يعني أن محمود كان يعرف أنها ستصل إلى هذه الصفحة."قال آدم:"وهذا لا يفسر شيئًا."أجابت مريم:"بل يفسر كل شيء."اقتربت منها ليان."قولي."تنهدت مريم."اسمك لم يكن مكتوبًا باعتبارك قاتلة.""إذن؟""كان مكتوبًا باعتبارك المفتاح.""مفتاح ماذا؟"نظرت مريم إلى الدفتر."لمحمود عادة غريبة."قالت ليان:"أي عادة؟""كان عندما يخشى أن تقع أوراقه في يد شخص آخر، يكتب اسم الشخ





