Se connecterتدفق الموظفون خارج المبنى في حالة من الفوضى المنظمة، حيث اختلطت أصوات الأقدام المهرولة بصفير الإنذار الذي ظل يمزق الصمت في الخلفية، كنبضٍ متسارع لقلبٍ على وشك الانفجار. في الساحة الخارجية، تشكلت تجمعات من الوجوه الشاحبة التي يكسوها الارتباك؛ بعضهم يراقب نوافذ المبنى بوجل، والبعض الآخر يغرق في همسات وتكهنات لا تنتهي. وقف ليث عند المدخل الرئيسي كصخرة وسط الأمواج، ملامحه متصلبة وصوته الحازم يشق الزحام: • "الجميع يبتعد عن المدخل.. التزموا بالجهة اليمنى واتركوا الممر مفتوحاً لفرق الطوارئ!" كان يتحرك بآلية احترافية، يتفحص الوجوه ويتأكد من إخلاء كل زاوية، بينما كان كريم إلى جانبه، ملتصقاً بهاتفه، يحاول انتزاع أي معلومة من إدارة أمن المبنى. لم تمضِ دقائق حتى شق عويل سيارات الإسعاف صمت الساحة، لتتوقف بصريرٍ حاد أمام المدخل. ترجل المسعفون بسرعة فائقة، واتجه أحدهم بملامح جادة نحو ليث متسائلاً: • "أين مصدر الحريق؟" هزّ ليث رأسه بضيق، وهو يراقب المبنى الصامت: • "لا يوجد تأكيد بعد.. الإنذار انطلق فجأة وبشكل شامل." تحرك الفريق للداخل برفقة عناصر السلامة، تاركين خلفهم حشداً يغلي بالترقب. كان ا
كانت الغرفة ساكنة على نحوٍ خانق، وكأن الهواء قد تجمّد داخلها ليتحول إلى ثقلٍ مادي يربض فوق الصدور ويحبس الأنفاس. نظرة آدم لم تفارق نادين؛ كانت نظرةً ثاقبة، هادئة ببرودٍ مرعب يخفي خلفه بركاناً من الغضب المكتوم، بينما كانت نادين تقاوم الانهيار بكل ما تبقّى لديها من قوة، تحاول جاهدة أن تُبقي قناعها متماسكاً رغم الشروخ الواضحة في ثباتها ورغم قطرات العرق التي بدأت تظهر على جبينها.سلمى، التي كانت تقف قرب الباب تراقب هذا الصراع الصامت بقلبٍ يخفق بشدة، شعرت أن شيئاً ما في هذا المشهد لم يعد يحتمل المزيد من الانتظار. كانت تقرأ في ارتعاشة شفاه نادين وتهدج أنفاسها المسموع أكثر مما تقوله الكلمات، وأدركت أن الحقيقة باتت على بعد شعرة واحدة من الانكشاف التام. اقتربت سلمى خطوة واحدة، ثم توقفت فجأة، وكان واضحاً من بريق عينيها المشتعل بالفضول والقلق أنها تريد أن تنطق بشيءٍ فاصل.. شيءٍ قد يغيّر مجرى هذه المواجهة للأبد ويضع حداً لهذا العذاب النفسي.لكن قبل أن تخرج الحروف من حنجرتها، اخترق المكان صوتٌ حادّ ومفاجئ، مزّق سكون الغرفة وجعل الجميع ينتفضون في أماكنهم كأنهم أصيبوا بصعقة كهربائية.إنه إنذار ال
بعد انتهاء الاجتماع العاصف، بدأ الموظفون يغادرون قاعة الاجتماعات بخطواتٍ وئيدة وثقيلة، وكأن كل واحد منهم يحمل فوق كاهله جبلاً من القلق والتساؤلات الحائرة. لم يكن أحدٌ منهم يجرؤ على النظر في عيني الآخر؛ فقد ساد شعورٌ عام بأن الشركة التي كانت ملاذهم قد تحولت فجأة إلى ساحة حرب باردة، ودخلت مرحلةً ضبابية لا يُعرف لها آخر.بقي آدم واقفًا في مكانه لثوانٍ معدودة، يراقب خروجهم بصمتٍ مهيب، وعيناه تلاحقان الظلال المغادرة خلف الزجاج. التفت أخيرًا إلى ليث، وبصوتٍ حاسم يقطع سكون الغرفة كالسيف، قال:• "ابدأ الاستدعاء.. الآن."أومأ ليث برأسه دون أن ينطق بكلمة، واتجه مباشرةً نحو قائمة الأسماء، وكأنه يجهز قائمة بضحايا المواجهة الوشيكة.في الخارج، كان التوتر قد بدأ يتسرب إلى أروقة الشركة كالدخان الخانق. لم يعد الأمر مجرد اجتماع طارئ لمناقشة أزمة عابرة، بل تحول إلى شيءٍ أكثر قسوة.. شيءٍ يشبه التحقيق الجنائي الذي لا يرحم. جلس الموظفون خلف مكاتبهم، لكن الإنتاجية كانت صفراً؛ فكل واحد منهم كان يحاول إخفاء ارتباكه بطريقةٍ مكشوفة. البعض يتجنب لقاء الأعين، والبعض الآخر يفتعل الانشغال بلوحة المفاتيح، لكن الصم
وصل آدم إلى مقر الشركة بخطواتٍ رزينة وثابتة، إلا أن ذلك الهدوء الذي كسا ملامحه لم يكن سوى قناعٍ خادع؛ فقد كان يشبه البحر في سكونه الذي يسبق العاصفة، ساكناً في ظاهره بينما تغلي أعماقه بعنفٍ لا يرحم.سارت سلمى بجانبه عبر الممرات الطويلة، وشعرت بوضوح بكيفية تبدّل الأجواء فور دخولهما؛ تلاشت الأحاديث الجانبية فجأة، وانخفضت نبرات الأصوات، حتى الموظفون الذين كانوا يتحركون بعشوائية قبل دقائق، سرت في أوصالهم حالة من التوتر والترقب. كان الجميع يستشعر بحدسه أن كارثةً ما قد وقعت، لكن حجمها الحقيقي ظل لغزاً يثير الرعب في النفوس.دخل آدم قاعة الاجتماعات دون أن يلتفت لأحد، وجلست سلمى بجانبه في صمتٍ مطبق، موجهةً حواسها كلها لمراقبة الوجوه المحيطة بالطاولة المستطيلة: ليث، وكريم، ورؤساء الأقسام، ونادين التي كانت هناك أيضاً. رفعت نادين نظرها نحو آدم لثانيةٍ واحدة، لكنها سرعان ما أشاحت بعينيها بعيداً، وكأنها تخشى أن يقرأ في ملامحها سراً لا تريد كشفه.ساد صمتٌ خانق عندما وقف آدم أخيراً، ولم يكن بحاجة لرفع صوته؛ فحضور طاغٍ وحده كان كافياً لسلب الأكسجين من المكان. نطق بكلماتٍ وقعت كالصاعقة:• "قبل ساعات قلي
كان التوتر لا يزال عالقاً في الأجواء حتى بعد انتهاء المكالمة، كأن الكلمات القاسية التي قيلت تركت أثراً غير مرئي يملأ أركان الشقة. لم يعد ذلك الهدوء الصباحي الحميم موجوداً، بل حلّ محله شعور بالخطر الوشيك، كأن جدران المكان بدأت تضيق عليهما.وقف آدم قرب الطاولة للحظات، شارد الذهن، بينما كانت سلمى تراقبه بصمت وجسدها متصلب من شدة القلق. لم يكن بحاجة لأن يشرح مدى خطورة الموقف؛ فملامحه التي تحولت إلى قناع من الحجر، وعيناه اللتان أخذتا تلمعان ببرود حاد، كانت كافية لتعرف أن ما فُقد ليس مجرد ورقة، بل هو قلب الشركة النابض.رفع نظره إليها أخيرًا، واستعاد نبرته الآمرة التي لا تقبل الجدل، وقال بهدوء حاسم:• "جهّزي نفسكِ فوراً… سنذهب إلى الشركة."أومأت سلمى برأسها دون نقاش، واتجهت نحو الغرفة بخطوات سريعة عبر الممر. كانت تشعر بتغير جذري في موازين القوى؛ لم يعد آدم ذلك الرجل الذي يحاول إبعادها عن النيران حمايةً لها، بل أصبح يشركها في قلب العاصفة، وكأن وجودها بجانبه في هذه اللحظة صار ضرورة لا غنى عنها. كانت حالتها النفسية مزيجاً من الارتباك بسبب قربه المفاجئ الليلة الماضية، والرهبة من الكارثة التي تنتظ
استيقظ المنزل في صباح اليوم التالي على هدوءٍ غريب، هدوء يشبه ذلك السكون الذي يلي العواصف الكبرى، حين يبدو كل شيء ساكناً في مكانه، لكن الهواء يظل ثقيلاً ومشبعاً بآثار ما حدث. كانت أشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الواسعة، ترسم خطوطاً ذهبية فوق الأرضية، لكن هذا الدفء لم يكن كافياً لتبديد الارتباك الذي يسكن قلب سلمى منذ الليلة الماضية.كانت سلمى تشعر بحالة من التشتت الذهني؛ فداخلها صراع مرير بين رغبتها في تصديق أن ما حدث بالأمس كان حقيقة نابعة من القلب، وبين خوفها من أن يكون مجرد لحظة ضعف عابرة فرضتها الظروف. خرجت من غرفتها ومشت في الممر بخطوات حذرة وشبه صامتة، وكأنها تخشى أن يكسر صوت قدميها هذا الصمت الهش الذي يغلف المكان. وما إن وصلت إلى نهاية الممر حتى وجدته هناك، في قلب الصالة.كان آدم جالساً على الأريكة، يراجع بعض الملفات على حاسوبه، لكنه لم يكن "آدم" الذي تعرفه ببروده المعتاد. بدا وجهه شاحباً بعض الشيء، وعيناه تحملان أثراً لليلة طويلة من السهر والقلق. كان هناك شيء في نظراته قد انكسر؛ ذلك الحاجز الجليدي الذي كان يحيط به نفسه دائماً تلاشى، ليحل محله نوع من القرب الذي يثير الرهبة والسكينة







