FAZER LOGINالفصل التاسع: الرجل الميت
"لأن الشخص اللي شفتيه... مفروض يكون ميت من سبع سنين." شعرت فرح وكأن الأرض اختفت تحت قدميها. قبضت على الهاتف بقوة. "شو يعني ميت؟" جاء صوت عمر منخفضاً. ومتوتراً بشكل لم تعهده منه. "يعني حسب كل التقارير... مات." جلست على طرف السرير. وقلبها ينبض بعنف. "وأنا شفته." أغمض عمر عينيه للحظة في الطرف الآخر من المكالمة. كان يخشى هذه اللحظة منذ سنوات. لكن ليس الآن. وليس بهذه الطريقة. "اسمعيني منيح." قالها بجدية. "من هسا وطالع ما تروحي أي مكان لحالك." عقدت حاجبيها. "لهدرجة الموضوع خطير؟" ضحك بمرارة. "أنتِ ما بتعرفي نص الحقيقة." --- بعد ساعة. وصل عمر بنفسه إلى المنزل. لأول مرة لم يبدُ كرجل الأعمال الواثق والهادئ. كان متوتراً. يراقب الشارع. وينظر خلفه باستمرار. وكأنه يتوقع ظهور شخص ما في أي لحظة. راقبته فرح بصمت. ثم قالت: "أنت خايف." توقف عن الحركة. والتفت إليها. "أكيد." صدمتها إجابته. لم تتوقع أن يعترف بذلك بسهولة. اقتربت منه. "من شو؟" نظر إليها مطولاً. ثم قال: "مو على نفسي." تسارعت نبضات قلبها دون سبب مفهوم. أشاح نظره بسرعة. وكأنه ندم على ما قاله. --- في المساء. أصر عمر على نقلها مؤقتاً إلى منزله. رفضت في البداية. لكن بعد ساعات من الجدال. وافقت. خصوصاً بعد أن علمت أن والدها ووالدتها سيقيمان مؤقتاً عند خالها حتى تنتهي التحقيقات. --- عندما وصلت إلى منزل عمر. شعرت بالذهول. كان أقرب إلى قصر صغير منه إلى منزل. حديقة واسعة. نوافذ ضخمة. وأمن خاص عند البوابة. لاحظ نظراتها. فقال بهدوء: "ما رح يأكلك البيت." نظرت إليه بغيظ. "مغرور." ابتسم للمرة الأولى منذ الصباح. "بعرف." --- قادها إلى الطابق العلوي. ثم فتح باب إحدى الغرف. "هاي غرفتك." دخلت ببطء. كانت الغرفة جميلة. وأكبر من شقتها كلها تقريباً. وضعت حقيبتها جانباً. ثم استدارت نحوه. "شكراً." تجمد للحظة. وكأنه لم يتوقع سماع الكلمة. ثم أومأ فقط. وغادر. لكن قبل أن يغلق الباب. التفت إليها. وقال: "اقفلي الباب منيح." ثم اختفى. --- في منتصف الليل. استيقظت فرح على صوت غريب. جلست بسرعة. واستمعت. صوت خطوات. في الممر. شعرت بالخوف. نظرت إلى الساعة. الثانية والنصف فجراً. نهضت من السرير ببطء. واتجهت نحو الباب. فتحت الباب قليلاً. وأخرجت رأسها. الممر كان مظلماً. وفارغاً. لكن فجأة... سمعت صوتاً يأتي من الطابق السفلي. شخص يتحدث. نزلت الدرج بهدوء. حتى وصلت إلى نهاية الممر. وتوقفت. كان عمر في مكتبه. والباب نصف مفتوح. ويبدو أنه لم ينتبه لوجودها. سمعته يقول: "لا... أكيد مو صدفة." صمت للحظة. ثم أكمل. "إذا رجع فعلاً... معناته كل شي بلش من جديد." شعرت بالقشعريرة. تابعت الاستماع. "لازم نحميها." تجمدت مكانها. لأنه كان يتحدث عنها. "قبل ما يعرف إنها تذكرت." اتسعت عيناها. تذكرت؟ يعني هو كان يعرف أن ذاكرتها ستعود يوماً؟ وقبل أن تستوعب الصدمة... اصطدمت قدمها بطاولة صغيرة بجانب الجدار. صدر صوت خافت. لكن كافٍ. رفع عمر رأسه فوراً. واتجه نحو الباب. تراجعت بسرعة. لكن الأوان كان قد فات. فتح الباب. والتقت عيناه بعينيها. ساد الصمت لثوانٍ طويلة. ثم قال بهدوء خطير: "من قديش وأنتِ واقفة هون؟" ابتلعت ريقها. لأنها لم تعرف ماذا تقول. لكن شيئاً واحداً كانت متأكدة منه. أن عمر يخفي عنها أكثر بكثير مما كانت تتخيل. وأنها بدأت تقترب من الحقيقة... حقيقة قد تقلب حياتها بالكامل. بعد أن أغلق عمر الباب خلفه، بقيت فرح واقفة في الممر. كانت تشعر بأن عقلها يدور في دوامة لا تنتهي. كل يوم تكتشف معلومة جديدة. وكل معلومة تجعل الأمور أكثر غموضاً. إذا كان عمر يخفي عنها الحقيقة... فلماذا يحاول حمايتها في الوقت نفسه؟ وإذا كان صادقاً... فلماذا لا يخبرها بكل شيء؟ عادت إلى غرفتها ببطء. لكن النوم أصبح مستحيلاً. جلست قرب النافذة. تراقب الحديقة المظلمة. بينما كانت كلمات عمر تتردد داخل رأسها. "لازم نحميها." "قبل ما يعرف إنها تذكرت." تذكرت ماذا؟ وما الذي يخشاه إلى هذه الدرجة؟ أخرجت السلسلة القديمة من درج الطاولة. وتأملتها طويلاً. كان هناك شيء غير طبيعي في هذه القلادة. شيء لم تنتبه له سابقاً. قلبتها بين أصابعها. ثم توقفت فجأة. كان هناك نقش صغير جداً خلف القلادة. صغير لدرجة أنها لم تلاحظه طوال السنوات الماضية. اقتربت من المصباح. وحاولت قراءته. لكن الحروف كانت بالكاد واضحة. كل ما استطاعت تمييزه كان رقمين فقط. "27" عقدت حاجبيها. ما معنى هذا الرقم؟ وهل له علاقة بالحادث؟ أم أنه مجرد صدفة؟ في تلك اللحظة سمعت طرقاً خفيفاً على الباب. ارتبكت بسرعة. ثم أخفت القلادة داخل يدها. "ادخل." فُتح الباب ببطء. ودخل عمر. كان يبدو مرهقاً. وكأنه لم ينم منذ أيام. تبادل الاثنان النظرات لثوانٍ طويلة. قبل أن يقول: "لازم ترتاحي." رفعت حاجبها. "وأنت؟" نظر إليها باستغراب. "شو يعني؟" "واضح إنك مو مرتاح." ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. اختفت بسرعة. لكنها كانت كافية لتفاجئها. اقترب من النافذة. ونظر إلى الخارج. ثم قال بهدوء: "في فرق بين التعب والخوف." شعرت بشيء في نبرته. شيء جعلها تسأل دون تفكير: "وأنت خايف؟" صمت للحظة. ثم التفت نحوها. ونظر مباشرة إلى عينيها. "أكثر مما تتخيلي." لأول مرة... لم يكن يخفي مشاعره. ولأول مرة... شعرت أن الرجل الغامض الذي أمامها يحمل عبئاً أكبر بكثير مما كانت تظن...."من قديش وأنتِ واقفة هون؟"شعرت فرح بأن الدم تجمد في عروقها.كانت لا تزال واقفة أمام باب المكتب.بينما نظرات عمر معلقة بها.هادئة من الخارج.لكنها تحمل توتراً واضحاً.ابتلعت ريقها بصعوبة.ثم قالت:"ما سمعت كثير."رفع حاجبه."قديش يعني كثير؟"تنهدت بضيق."سمعت إنك بتحكي عني."ساد الصمت.ثوانٍ طويلة.قبل أن يبتعد عمر عن الباب.ويشير لها بالدخول."ادخلي."نظرت إليه باستغراب.كانت تتوقع أن يغضب.أو أن ينكر.أو أن يطلب منها الابتعاد عن أموره الخاصة.لكن ما حدث كان العكس تماماً.دخلت المكتب ببطء.وأغلقت الباب خلفها.---كان المكتب مختلفاً عن بقية المنزل.أقل فخامة.وأكثر خصوصية.رفوف مليئة بالملفات.وصور قديمة معلقة على الجدار.وعدة صناديق خشبية صغيرة.وكأن المكان يحتفظ بذكريات لا يريد صاحبها التخلص منها.جلست على الكرسي المقابل له.ثم قالت مباشرة:"بدي الحقيقة."جلس عمر خلف مكتبه.وشبك أصابعه أمامه."أي جزء من الحقيقة؟"نظرت إليه بعدم تصديق."لسا في أجزاء؟"ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه.لكنها اختفت سريعاً.ثم سحب درجاً جانبياً.وأخرج ملفاً قديماً.بدا وكأنه لم يُفتح منذ سنوات.وضعه أمامها.
كانت عقارب الساعة تقترب من التاسعة مساءً عندما خرجت فرح من الجامعة وهي تحمل حقيبتها على كتفها بتعب واضح.كان هذا اليوم واحداً من أسوأ أيامها.محاضرات طويلة، عمل جزئي مرهق، واتصالات متكررة من والدتها لم تستطع الرد عليها.أخرجت هاتفها أخيراً وهي تمشي نحو محطة الحافلات.وجدت أكثر من عشر مكالمات فائتة.شعرت بانقباض في قلبها.ضغطت على اسم والدتها واتصلت فوراً.لم تنتظر أمها أكثر من ثانية لتجيب.كان صوتها مرتجفاً."فرح... وينك؟"توقفت فرح عن المشي."شو صار؟"ساد الصمت للحظة.ثم قالت والدتها بصوت مختنق:"تعالي بسرعة."أغلقت المكالمة دون أي تفسير.تسارعت دقات قلب فرح.استقلت أول سيارة أجرة وجدتها، وخلال الطريق لم تتوقف عن التفكير بأسوأ الاحتمالات.بعد نصف ساعة وصلت إلى المنزل.لكنها لم تجد والدتها وحدها.كان والدها جالساً في الصالة ورأسه بين يديه.ووجهه شاحب بطريقة لم ترها من قبل.أما والدتها فكانت تبكي بصمت."شو في؟"لم يجبها أحد.شعرت بالخوف يتسلل إلى داخلها.اقتربت أكثر."حدا يحكيلي شو صار!"رفع والدها رأسه أخيراً.بدت عيناه حمراوين.قال بصوت مكسور:"خسرت كل شي يا بنتي."تجمدت في مكانها.ل
"زواج بعقد مؤقت... لمدة سنة واحدة."بقيت فرح تحدق به وكأنها لم تسمع ما قاله.كانت تنتظر أن يضحك أو يخبرها أن الأمر مجرد مزحة سيئة.لكنه لم يفعل.ظل جالساً في مكانه بكل هدوء، وكأن طلب الزواج من فتاة لا يعرفها أمر يحدث يومياً.نهضت من مكانها بسرعة."أنت مجنون."لم يتغير تعبير وجهه."سمعت هاي الجملة كثير."اشتعل الغضب داخلها."وبتتوقع إني أوافق؟"أغلق الملف الذي أمامه ووضع يديه فوق المكتب."أتوقع أنك رح تفكري بالأمر."ضحكت بسخرية."أفكر؟"ثم أشارت نحوه بغضب."بتعرف شو بتحكي أصلاً؟""نعم.""أنا ما بعرفك.""هذا صحيح.""وأنت ما بتعرفني."هنا نظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول:"أكثر مما تتخيلين."توقفت الكلمات في حلقها.كان في نبرة صوته شيء غريب.شيء جعلها تشعر بعدم الارتياح.لكنها تجاهلته."أنا راح أمشي."قالها بحزم وهي تتجه نحو الباب.لكن صوته أوقفها."إذا خرجتِ الآن... البنك رح يبدأ إجراءات الحجز خلال أيام."تجمدت مكانها.أغمضت عينيها بقوة.كانت تكره سماع ذلك.وتكره أكثر أنها تعرف بأنه يقول الحقيقة.استدارت نحوه ببطء."ليش أنا؟"هذه المرة لم يجب فوراً.بقي ينظر إليها بصمت.ثم قال:"لأنني اخترت
سر من الماضيبقيت فرح تحدق في الصورة طوال طريق العودة.كانت متأكدة أنها لم ترَ عمر من قبل.لو كانت تعرفه لتذكرته.شخص مثله يصعب نسيانه.ومع ذلك...كيف حصل على صورة التقطت قبل سنوات؟ولماذا احتفظ بها؟كانت الأسئلة تطاردها دون رحمة.عندما وصلت إلى المنزل، وجدت والدتها تنتظرها عند الباب.ركضت نحوها فوراً."شو صار؟"حاولت فرح أن تبدو هادئة."ما صار شي."لكن والدتها لم تقتنع."فرح..."تنهدت بعمق.ثم جلست على الأريكة وأخبرتهم بكل شيء.الصمت الذي تبع حديثها كان ثقيلاً.والدتها بدت مصدومة.أما والدها فأخفض رأسه.كأنه شعر بالذنب أكثر من أي وقت مضى."سامحيني يا بنتي."همس بها.فشعرت بوخزة في قلبها.كانت ترى الانكسار في عينيه.ولأول مرة أدركت حجم المأزق الذي وصلوا إليه.في تلك الليلة لم تستطع النوم.كلما أغلقت عينيها ظهر وجه عمر أمامها.وكلماته الباردة.ونظرته الغامضة.والصورة.خصوصاً الصورة.---في صباح اليوم التالي.رن هاتفها.رقم مجهول.ترددت للحظة.ثم أجابت."ألو؟""صباح الخير."عرفت الصوت فوراً.عمر.اعتدلت في جلستها."كيف جبت رقمي؟"سمعت ضحكة خفيفة من الطرف الآخر."هذا أول سؤال خطر ببالك؟"
الفصل الرابع: القرار المستحيلشعرت فرح وكأن العالم كله توقف حولها.بقيت تحدق في الصورة على شاشة هاتفها غير قادرة على استيعاب ما يحدث.المنزل الذي عاشت فيه طوال حياتها.المنزل الذي شهد طفولتها وضحكاتها وأحلامها.أصبح الآن مهدداً بالضياع.رفعت عينيها نحو عمر.كان واقفاً أمامها بهدوء غريب.وكأنه كان يتوقع هذه اللحظة منذ البداية.أغلقت الهاتف ببطء.ثم قالت بصوت منخفض:"خلص... وصلوا لهون."لم يجب.بل سحب الكرسي المقابل وجلس بهدوء.شعرت برغبة في الصراخ.في البكاء.في الهروب.لكنها لم تفعل شيئاً من ذلك.كانت متعبة أكثر من أن تقاوم."أنت كنت عارف."قالتها وهي تنظر إليه.رفع حاجبه."عارف شو؟""إنهم رح يبدؤوا الحجز اليوم."صمت لثوانٍ.ثم قال:"نعم."اشتعل الغضب داخلها."وليش ما حكيت؟""لو حكيت، كان تغير شيء؟"كرهت اعترافها الداخلي بأنه محق.لم يكن بيدها أي حل.ولا أي مخرج.ولا حتى أي شخص يمكن أن يساعدها.تنهدت ببطء.ثم همست:"إذا وافقت..."رفع رأسه فوراً."إذا وافقت على الزواج..."أكملت بصعوبة."بتوقف كل هاد؟"نظر إليها مباشرة."خلال ساعات."شعرت بقلبها ينقبض.كانت تكره أنها تفكر بالعرض.وتكره
"أنا موافقة."خرجت الكلمات من فم فرح بصعوبة.شعرت وكأنها وقّعت على مصير لا تعرف نهايته.بقي عمر ينظر إليها بصمت.لثوانٍ طويلة لم يتكلم.لم يبدُ سعيداً.ولم يبدُ متفاجئاً.وكأنه كان يعرف منذ البداية أن الأمور ستنتهي بهذه الطريقة.أخرج هاتفه بهدوء.وأجرى اتصالاً قصيراً."ابدؤوا الإجراءات."ثم أغلق الخط.نظرت إليه فرح باستغراب."هيك بس؟"رفع عينيه نحوها."هيك بس."شعرت بالضيق من هدوئه.حياتها كلها انقلبت خلال دقائق.أما هو فكان يتصرف وكأنه ينظم اجتماع عمل عادي.وقفت من مكانها."أنا راجعة عند أهلي."أومأ برأسه."السيارة بتوصلك."غادرت المستشفى وهي تشعر أن كل شيء أصبح ثقيلاً.الهواء.الأفكار.حتى خطواتها.---في المنزل.كانت والدتها أول من استقبلها."كيف أبوكي؟"سألت فرح.ابتسمت والدتها لأول مرة منذ أيام."أحسن."تنهدت براحة.ثم جلست بجانبها.ترددت قليلاً قبل أن تقول:"أنا وافقت."تجمدت والدتها للحظة.ثم امتلأت عيناها بالدموع."سامحيني يا بنتي."أمسكت فرح بيدها بسرعة."ما بدي أسمع هيك."لكن الحقيقة كانت تؤلمها.كانت تعرف أنها لم توافق لأنها تريد الزواج.وافقت لأنها لم تجد طريقاً آخر.وفي ت







