Se connecterوجيه عبد المعطي
أنا رجل بلا حياة عاطفية. رجلٌ وُجّهت كل عواطفه نحو محرك سيارته، وحيواناته الأليفة، ومجموعته الخاصة من الأحجار الكريمة النادرة التي جمعها من أسفاره حول العالم. لم تكن لي في كتاب العشق إلا تجربة واحدة؛ زواج قصير الأمد—وإن امتد لثماني سنوات في السجلات—انتهى بطلاق، ولم يثمر سوى عن فتاة وحيدة أسميتها "سما".أسميتها "سما" نكاية في أمها؛ فقد كانت تكره السماء التي تحرمني منها لعملي كطيار، وكأن الأمر بيدي، أو كأن بإمكاني الطيران فوق الأرض، أو نقل قاعدة جوية حربية كاملة إلى مدينة "الزقازيق" حيث كنت أسكن معها حينها!
لكن الآن.. سارة.
سارة، سارة، سارة.. ماذا فعلتِ بي وبنفسي؟ أي مواضيع قد أختلقها لأجلها في مسافة تمتد من السادس من أكتوبر وحتى المهندسين؟ مسافة لا تقل عن تسعين كيلومتراً من الصمت أو المحاولات البائسة. أأدعوها للغداء؟ أم نتبادل أرقام الهواتف؟ ماذا لو رفضت الأمر برمته وخسرتُ ألفين من الجنيهات في ليلة وضحاها؟
لكم شعرت بالتورط والندم بعدما ناولتُ صبي النارجيلة الألف الأولى. تمنيتُ من قاع قلبي أن يعود بي الزمن إلى الوراء بضع ساعات، لأرفض دعوة أيمن لكافيه "أمسية سارة وسعيدة"، وألا تكتحل عيناي برؤيتها أبداً.
في اليوم التالي، استيقظت في السابعة صباحاً وأنا ألعن الأمس ونتائجه الصادمة. هبطتُ من الطابق الثالث والأخير—حيث تقع شقتي الخاصة في فيلا أبي بمدينة العبور—إلى الطابق الأول. وكالعادة، كان الطابق يعج بالفوضى؛ شقيقاتي الثلاث يعلّمن أولادهن ويجهزونهم للذهاب إلى المدرسة.
ثلاث شقيقات فحسب، لكنهن أنجبن إحدى عشر ولداً! لكل منهن بيتها وزوجها، ورغم ذلك يقطنّ في فيلا أبي لمجرد "الاستجداء". هذه تستعطف أبيها لنفحة مالية، والأخرى تشتكي مصاريف المدارس التي قصمت ظهر زوجها، وهكذا دواليك.
والمدهش في الأمر؟ أن أزواجهن جميعاً يعملون في معارض ومراكز صيانة السيارات المملوكة لأبي. تقريباً—بل تحديداً—أبي هو المتكفل بكل شيء: الشقيقات، الأزواج، وحتى شقيقاي التوأم الطائشين "وليد" و"وفيق". لم أكن بحاجة لاستحضار شفقة أبي العائلية أو السكن معه وسط هذا الفريق المصغر لكرة القدم الذي يلتف حولي بمجرد ظهوري، صارخاً بعبارة واحدة: "مصروف يا خالو!".
تجاوزتُ الصغار بخطوات واسعة، فاستقبلتني زوجة أبي بنبرتها الهادئة المعتادة:
— صباح الخير يا أستاذ وجيه. أجبتها بوقار رسمي: — صباح الخير يا حاجة. — نحضر لك الفطور؟ — شكراً يا حاجة، هفطر برة مع أصحابي.دائماً ما تناديني بـ "أستاذ وجيه". كنت "وجيه" في نظرها حتى تخرجت في الكلية الجوية، فتحولت فجأة إلى "أستاذ". يخيل لي أحياناً أنها تظنني سأستوقفها في ممر الغرف لأطلب هويتها الشخصية لفرط جديتي وعسكريتي. هي امرأة بسيطة لا تقرأ ولا تكتب كأبي، تحبني.. ولكن لغرض. فأنا الوحيد الذي يملك السيطرة على شقيقاي التوأم ويمنعهما من افتعال الكوارث.
لقد عبث أحدهما مؤخراً مع "المنشاوية".. والمنشاوية عائلة إن غضبت على أحد، جعلته يستجدي الموت بعد أن يحكموا عليه بالفقر الأبدي، ولو كان بثراء "أوناسيس". أيديهم متوغلة في شتى أنواع التجارات، وتكفي إشارة واحدة من كبيرهم ليُقفل في وجهك كل باب للرزق. ولولا علاقة الصداقة القوية التي تربطني بـ "مالك المنشاوي"، وتذللي له ليعفو عن الحماقة التي ارتكبها أخي الأصغر، لعاد أبي للعمل كـ "ميكانيكي سيارات" في ورشته القديمة بالزقازيق حيث نشأ، ولما أصبح اليوم "ملك البودرة".
وليست "البودرة" التي قد تتبادر إلى أذهانكم؛ بل سيارات "مرسيدس E200" التي لُقبت بـ "البودرة" لغلاء ثمنها الباهظ، الذي لا يقدر على دفعه في هذا البلد سوى كبار رجال الأعمال.. أو تجار الممنوعات.
خرجتُ إلى باحة الفيلا، فوجدت جميلتي "الهوندا سيفيك" تنتظرني في كامل أناقتها الفاتنة. كان البستاني قد غسلها وجففها، وجلى نوافذها بجهد وعناية لا تجد مثلها حتى في أفخم محطات الوقود.
لمحني، فوقف يؤدي لي التحية العسكرية بابتسامة متمرسة:
— صباح الخير يا وجيه باشا. ابتسمتُ له راداً التحية: — انت اللي باشا.. تسلم إيدك يا عم عبده.دستتُ في يده ورقة من فئة العشرين جنيهاً، قاطعاً محاولاته المستميتة وتذرعه بالحجج كالعادة لئلا يأخذ مني نقوداً. لكنني رجل يحب أن يدفع لجميلته ثمن تزيّنها لأجله.
اعتليتُ مقعد القيادة، وداعبتُ مقودها برفق، قبل أن يدور المحرك ليطلق ذلك الهدير الوحشي المرعب لموتورها المعدل بقوة تقارب الثلاثة آلاف حصان. دقيقة واحدة من الإحماء.. وها هي مستعدة للانطلاق نحو ما أظنه سيكون أجمل—أو أخطر—يوم في حياتي.
يكفي أنني سأراها عن قرب اليوم.. سأسمع صوتها الحقيقي بعيداً عن شاشات الهواتف وفيديوهاتها الدعائية، تلك الفيديوهات التي قضيت الليل بطوله في تأملها ومشاهدتها مراراً، علّني أجد بين تفاصيلها مدخلاً لائقاً لحديث يبدأ يوم الأحد.. ولا ينتهي.
قبل أن تطأ إطارات سيارتي حدود مدينة العبور، توقفتُ عند أول محطة وقود لأملأ خزان جميلتي حتى آخره؛ فرحلة اليوم طويلة ومحفوفة بالمجازفات، وأغلب الظن أنني سأحتاج للتزود بالوقود مجدداً عند العودة. لم يكن الوقود كل ما يلزمني لخوض هذه المعركة الصامتة، بل توقفتُ أمام ماكينة الصراف الآلي لأسحب خمسة آلاف جنيه دفعة واحدة؛ ألف جنيه مخصصة لذلك الصبي الماكر، والباقي لتأمين متطلبات اليوم.. فهي "سارة أنور" في النهاية. امرأة لو كانت تشتري نصف المنتجات والمساحيق التي تعرضها على جمهورها للنصح والإرشاد، لكانت تملك الملايين في حساباتها.انطلقتُ، لكن الرياح لم تأتِ كما تشتهي سفني الحربية.. تأخرتُ في لقائنا الأول.
ولسوء حظي، اكتشفتُ لاحقاً أنها امرأة تقدس المواعيد وتكره الانتظار حد اللعنة. كانت الساعة قد دقت الواحدة ظهراً عندما لمحتها تقف على حافة طريق المحور السريع، تستند بملل وغضب واضحين على مؤخرة سيارة أبيها المعطلة. بدا عليها الإرهاق الشديد؛ فقد نالت الشمس الحارقة منها، وأكلت وشربت من طاقتها، بل وتجرأت وتناولت حلواها المفضلة من وجنتيها اللتين تحولتا إلى لون الكرز القاني من فرط الغيظ والحرارة.
ولأنني رجل محظوظ—كما يحلو للكثيرين وصفي—كانت ترتدي في ذلك اليوم ذات التنورة الحريرية القصيرة التي أسرتني بها في المرة الأولى. كانت تبدو كلوحة إغريقية متمردة، ولم يكن ينقص ذلك المشهد البهي سوى أن ترتدي حذاءً ذو كعب عالٍ ليبرز فتنتها الطاغية، لكنها استعاضت عنه بحذاء أسود مسطح وبسيط، يحاذي الأسفلت الساخن ويتناسب مع ورطتها الحالية.
هدأتُ من سرعة المحرك المرعب، واقتربتُ بسيارتي الهوندا سيفيك لتتوقف ببطء أمامها.. وها أنا ذا، على بعد ثوانٍ قليلة من مواجهة الإعصار الذي صنعته بيدي.
سارة أنور.غادرت الغرفة وأغلقت الباب. تنهدتُ وأنا أتحسس أذني.. نعم، كان حمزة فاسداً حتى النخاع؛ يسرق، ويحرق، ويلفق التهم، وفي النهاية.. يقتل. وكما لا أتمنى أبداً، حدثت الـمعجزة التي لم تكن في الحسبان، وسقط حمزة من فوق برجه العاجي الساخر لـما اندلعت ثورة يناير عام 2011. أو هذا ما حسبتُه أنا، لأنني كنتُ مجرد "غِرّة حمقاء" لا تفقه في السياسة شيئاً؛ فقد استغل حمزة حالة الانفلات الأمني والسرقات التي تمت في كافة أقسام الشرطة، وسرق كل ما طالته يداه الآثمتان من أسلحة ميرية، وبالطبع.. كافة الـمواد الـمخدرة الـمحتجزة في الـمخازن.وأمسيتُ أنا، بغبائي، الـمخولة الرسمية والواجهة لتوزيع كافة تلك الـمسروقات والسموم! ولـما أبديتُ اعتراضاً وخوفاً في البداية، انتظرتُ منه تهديداً ببطشي، لكنه بدلاً من ذلك، ارتدى قناع الضحية وقال بنبرة متباكية مستعطفة:— أنا ضعت يا سارة.. ومحدش باقيلي في الدنيا دي كلها غيرك انتي. بالفلوس اللي هنلمها ونعملها من البيعة دي، هاخدك ونسافر برة مصر فوراً، وهطلق لبنى ونعيش سوا مع بعض على طول.. لبنى خانتني وأخدت كل الفلوس القديمة وهربت بيها ولازم نشتغل من تاني عشان نأمن نفسنا.وصد
سارة أنور لم يكن ما بيني وبين حمزة حباً على الإطلاق؛ بل كان فخاً مُحكماً.كان حمزة رجل تجارب قذرة، أقام تجاربه الدنيئة على أجساد ومصائر أكثر من فتى وفتاة، وجميعهم انتهى بهم الـمطاف خلف القضبان.. فيما عداي أنا. كان وجهي الياباني البريء وملامحي الناعمة وعيناي الضيقتان أسلحة تبعد عني الشبهات تماماً، ناهيك عن أنني عُرفت في الأوساط الـمخملية بالثراء الفاحش، بسبب ما أرتديه من ملابس تحمل تواقيع ماركات عالمية شهيرة، وحليّ ذهبية براقة.. ولم تكن تلك الأشياء سوى "مستنسخات مزيفة" وفرها لي حمزة بدهاء.لقد كان يعاملني معاملة "الكبش"؛ يسمنّي بالوجاهة الاجتماعية والـمظاهر، ليذبحني لاحقاً حين يجعل مني وجهاً مألوفاً في الـمجتمع يصعب التشكيك في سلوكه. استخدمني بلا رحمة للتربح؛ كان يسرق الـمخدرات والـممنوعات من أحراز مخازن القسم، ثم يودعها في بيت أنور! فالجميع في سلك الشرطة يعرفون أن أبي "لص شيكات" وقروض، وليس تاجر سموم. تقنياً.. كان بيتنا أنظف من الخزف الصيني بعد غسله في نظر مكافحة الـمخدرات، وحتى عندما كانت تأتي قوة لتفتيش المنزل، لم تكن تبحث عن شيء سوى إلقاء القبض عليّ وعلى أخواتي كرهائن للضغط على أبي
سارة أنور. يكفي فقط ذكر اسمه بأي مكان لتفسح الطرقات لبنات أنور، كان دمث خلوق كريم ومحب حقيقي يبذل من أجلي الغالي والنفيس فطالما طلبتُ وأمسية لأقسام الشرطة، وهو كان من ورانا دائماً يخلصنا مما أوقعنا أنور به. حسبته الحب الذي انتظرته ولكني كنت له صفقة رابحة؛ لم أكن شهيرة مثل الآن فقد كنت حينها مجرد فتاة جميلة تستعرض صورها الفتوغرافية الغير حرفية على صفحات التواصل الاجتماعي ومن صنعني حمزة ولست مدينة له بأي شيء. أرسلني لأقدر المصففين وأشهرهم، أغدق علي من ماله بالهدايا والملابس المترفة، استأجر لي مصور خاص ليظهر جمالي الحقيقي كما قال لي، فقد أخبرني أن له عائلة كبيرة قد لا تمرر موافقة شارحة على زواجنا لأنني ببساطة بنت أنور ولكن قد يتغاضوا لو كنت نجمة مجتمع ذو صيت محبب شهير، أرسل لي العقود من كبرى الماركات العالمية لأكون واجهتهم بمصر فأمسيت سارة أنور مدونة الموضة الشهيرة. أختي الكبرى زاد تقلقها من تعلقي وظهوري الدائم مع الضابط المتعاطف مع البنات اليتيمات كما كان يطلق علينا حمزة وسط الجموع، بينما أمسية طلبت تتمة فلم أجد ما أقوله فوجدت هي بعد بحث وتقصي وواجهتني به: - الظابط بتاعك مجوز. -
سارة أنور. كنتُ بالكاد أنقل قدماً بعد أخرى، والصقيع يلفح أكتافي الـمنحنية ونحن نمر سريعاً في ممر بارد، رطب، ومظلم، كأن من ورائنا أسواطاً غير مرئية تأمرنا بالرحيل والتواري.في ذلك الـممر، تكشفت لي الحقيقة الثالثة: الـمجرمون من أمثالي لا يشبهونني في شيء. كان الرجال مقرفصين أرضاً في ذلّ مهين؛ ممزقي الثياب، داميي الأجساد، تعلو وجوههم كدمات زرقاء من أثر "التظبيط". أما النساء، فقد التزمن السواد بعباءات سمراء رخيصة، تداخلت فيها زخارف شرقية باهتة من الذهب والفضة المزيفة، واختلطت بأتربة الأرصفة، بينما بدت رؤوسهن ملتزمة بحجاب أسود فضفاض يظهر الكثير من شعورهن الـمنتهكة بالصبغات الرديئة وأثر الكي الحراري.كان المشهد سوقاً للـمهانة؛ رجال يتذللون للضباط دفاعاً عن بقايا كرامتهم، ونساء ينحنين للعساكر بقلة حيلة كي يرسلن لرجالهن الـمحتجزين في السجن الـمؤن الغذائية.. كانت بسطة يد أنثوية مخفية، تحمل ورقة واحدة حمراء من فئة الخمسين جنيهاً، كفيلة بأن تجعل العسكري يصفح، ويمرر المؤن خلف القضبان."مكتب الضابط النوبتجي".. هذا ما كُتب بخط رديء على الباب الخشبي الـمتهالك. وقفنا أمامه إلى أن طرق العسكري الباب، و
سارة أنورقفزت أختي الصغرى "سعيدة"—أو "سيا" كما تحب—من أمام شاشة حاسبها حيث كانت تتربع على الأريكة، وتقدمت مني بلهفة وفضول عارم:— عملتي إيه مع الضابط؟أجبتها وأنا أخلع حذائي:— ما طلعش ضابط شرطة.— أومال إيه؟— طيار.برقت عيناها وهتفت:— Wow, lucky you! (يا ل حظكِ!)بالطبع، غباء سيا جعلها تحسب أن وجيه طيار مدني يقود طائرات الركاب الضخمة كالجامبو، ويقبض راتبه بالدولار ويجوب عواصم العالم. فأحبطتُ آمالها العريضة قائلة بتهكم:— مش من الطيارين دول يا فكيكة.. ده من اللي بيطيروا بالطيارات الحربية الصغيرة اللي شبه الدبان دي!ارتسمت خيبة الأمل على وجهها وقالت:— Shit!.. المهم، عرفتي توزعّي الشغل والـمستحضرات اللي معاكي؟ابتسمتُ بظفر وسعادة حقيقية حركت مشاعري:— بعت كل اللي معايا.. وبكرة عندي "سيشن" تصوير في فندق مينا هاوس، هاخد فيه مية ألف جنيه كاش!وفي تلك اللحظة، نسينا كل شيء، وصرخنا فرحاً معاً، وأخذنا نضرب الأرض بأرجلنا في جذل طفولي صاخب، حتى أتانا الصوت الأجش المرعب من منور البناية؛ صوت "طنط حافظة" ساكنة الطابق الثالث أسفلنا وهي تصرخ بتهديد قاطع:— يااااا سااااااارة!انطفأت فرحتنا فوراً
سارة أنور. نعم.. لقد كان أجمل يوم في حياتي، ولكن البدايات دائماً تملك سحراً زائفاً.كنتُ أشفق عليه؛ أشفق على "وجيه" لأنه طلبني للزواج في أول يوم يلتقيني فيه. أشفق عليه لأنني أخدعه وأمثل عليه، ولأنه يحمل في أعماقه براءة طفل ويدّعي في الوقت ذاته أنه ضابط مغامر جاب العالم أجمع. أشفق عليه لأنه لا يرى نفسه وسيماً؛ لابد أن أحداً ما قد سحق ثقته بنفسه وأنزلها إلى الحضيض، ولابد أن تكون زوجته السابقة هي الفاعلة الخبيثة. لكنني.. حين نحيتُ بالشفقة جانباً، وجدتُ شيئاً آخر.. الحب؟ لا، ليس حباً بعد، فليكن الاستحسان والإعجاب؛ فأنا لا أريد أن أكون بريئة وساذجة مثله، لأطمع بحبه والزواج منه وسكن شقته الفارهة المطلة على بحر الزقازيق بعد ساعات من لقائنا الأول.وجيه هو أول رجل ألتقيه في حياتي ينظر إلى عينيّ مباشرة بوقار؛ لم يحاول لمسي عامداً، ولم يتصنع حركات "التبسيط" القذرة التي يعتمدها رجال مجتمعنا. إنه يعرض عليّ زواجاً حقيقياً، وشقة حقيقية، وليس زيجة صيفية سريعة من نوعية *"يا جميلة في شاليه العين السخنة.. وسري تماماً عن الزوجات"*، لينتهي الأمر بعبارة *"لكِ تحياتي للأبد"* مع حفنة من المال لا تقادر جمالي
وجيه عبد المعطي.اقتربتُ بسيارتي ببراءة مصطنعة نحو سيارتهم الجانحة على حافة الطريق، ثم ترجلتُ متوجهاً صوب ذلك الصبي الغبي—الذي لم أهتم حتى بمعرفة اسمه، رغم أن الخطة تقتضي أن نكون أصدقاء مقربين الآن.مددتُ يداي في الهواء مستعداً لاحتضانه بحميمية تمثيلية بالغة، وقلت متداركاً الموقف بصوت جهوري:— حبيب
وجيه عبد المعطيلكن المفاجأة حدثت في نهاية الفيديو. سكبت سائلًا أبيض على منشفة أرجوانية صغيرة، وبدأت تمسح وجهها برفق.. وحين زالت المساحيق، تبدّى جمالها الحقيقي الصاعق.حاجبان صغيران كالهلال، بشرة وردية تشع حيوية ولم تذبل رغم المواد الكيميائية، وفم ملائكي مكتنز كأنه قلب "كيوبيد" تحول إلى فراولة شهية
وجيه عبد المعطي.لم أكن يوماً من المؤمنين بفرضية الصدف، حتى عثرتُ عليها. كانت صدفة انتشلتني من بحيرة المعاناة والملل، وغمرتني براحة لم أطلبها.رأيتها لأول مرة في مقهى أبيها الكائن في أحد شوارع حي المهندسين الصاخبة. كانت تقف هناك، تحمل على كتفها حقيبة نسائية ضخمة بشكل مبالغ فيه، وترتدي تنورة حريرية
غادة، الزوجة الأولى.استخدمي قلبكِ قبل عقلكِ عندما تصدرين الأحكام.. ارضي بقرار اتخذتِه بمحض إرادتكِ، وإياكِ والانصياع لأقوال الحاقدين أو حتى نصائح الأحباء. اجعلي زوجكِ تاج رأسكِ، وقدمي لأجله القرابين للسماء.. خاصة لو كان رجلاً كزوجي.»تلك كانت وصيتي المتأخرة، نصيحة مخضبة بالندم أرفعها لكل امرأة حتى







