مشاركة

زوجة في الظل
زوجة في الظل
مؤلف: Flower Hana

حصاد الأشواك

مؤلف: Flower Hana
last update تاريخ النشر: 2026-06-02 13:32:22

غادة، الزوجة الأولى.

استخدمي قلبكِ قبل عقلكِ عندما تصدرين الأحكام.. ارضي بقرار اتخذتِه بمحض إرادتكِ، وإياكِ والانصياع لأقوال الحاقدين أو حتى نصائح الأحباء. اجعلي زوجكِ تاج رأسكِ، وقدمي لأجله القرابين للسماء.. خاصة لو كان رجلاً كزوجي.»

تلك كانت وصيتي المتأخرة، نصيحة مخضبة بالندم أرفعها لكل امرأة حتى لا تجابه ما جابهته في حياتي.

أتى اليوم.. بعد غياب شهر كامل. شهرٌ عشته على جمر الانتظار والتكهنات، حتى طرق باب الشقة. شقة الزوجية التي تخلّيت عن نصفها وحولتها إلى عيادة للأطفال، محاولةً مني لإرخاء النفقات عن عاتقه، لعلّي أجد في عينيه نظرة رضا أو سلوان، لكنني لم أحصد سوى الخيبة.

كان بحوزته مفتاح الشقة؛ صنعته له بيدي يوم تكرّم وتفضّل وتقبّل توسلي وإذلالي ليردّني إلى عصمته بعد طلاقنا الأول. ورغم ذلك، لم يستخدم المفتاح ولو لمرة واحدة. لا يزال يراني الغريبة الشريدة، بينما تحوّل هو—الرجل الأعزب فور فراقنا قبل خمس سنوات—إلى ما يشبه نجمًا سينمائيًا؛ يرتدي أفخر الثياب، يرتاد أكبر الصالات الرياضية، والأدهى.. غرق في علاقة مشينة مع فتاة متهتكة، تعرض مفاتنها للعيان على منصات التواصل الاجتماعي. فتاة استنزفت ماله وسمعته الطيبة، وجرّته إلى ملاهٍ صاخبة لم يكن يعرفها يوماً، وهو الذي كان رجل بيتٍ محافظًا وعلى خُلق، قبل أن تحوله إلى مراهق يركض خلف المجون.

هرعتُ إلى الباب تحثّني أشواقي المخلوطة بالهواجس. فتحتُ له واستقبلته بأبهى ابتسامة صطنعتها، وكنت قد انتقيت للقائه منامة حريرية وردية، لعلمي القديم بأنه يفضل هذا اللون عليّ.

قابلني ببرود جليدي، ولم ينطق سوى بعبارة جافة:

— سلامو عليكو.

أجبت بلهفة تداري غصتي:

— وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. اتفضل.

دلف إلى الشقة وجلس في الردهة مباشرة. لم يتوجه لغرفة النوم ليبدل ملابسه كعادته السابقة؛ فهو كما كان يردد دائمًا، يختنق من مناخ العيادة البارد. جلس على الأريكة الجلدية التي ابتعتها منذ سنوات لتناسب المرضى، حيث تخلصت بعد طلاقي الأول من كل الأثاث الفاخر الذي اشتراه في بداية حياتنا، واستعضت عنه بالجلد والحديد الصلب.. نسيت راحتي وبحثت عن راحة الآخرين.

بادرتُه محاولةً إذابة الجليد:

— حمد الله على السلامة.. إيه الغيبة الطويلة دي؟!

نظر إليّ بعينين حادتين، وبنبرة خالية من أي مشاعر قال:

— بصي يا غادة.. اللي عملتيه معايا زمان مقدرتش أنساه. أنا حاولت.. لكن مقدرتش. أنا كمان حياتي اتغيرت، ومحتاج حاجات ماعدتش موجودة عندك.. على الأقل محتاج أطفال، وانتي حملك صعب وزاد صعوبة مع سنك.

شعرت برعب ينهش صدري، فأمسكت بيده متوسلة:

— وجيه.. أنا مستعدة أتغير، أعمل أي حاجة ترضيك. والحمل مش صعب، أنا مستعدة أدفع كل التكاليف، وعمليات أطفال الأنابيب ماعدتش غالية زي زمان، وأنا واثقة إنها هتنجح!

أشاح بوجهه عني، وغمغم بملل وضيق:

— يا غادة، أنا عملت كل اللي انتي عايزاه ويريحك.. وآن الأوان تريحيني مرة واحدة في حياتك.

كنت أعلم الكلمة التي تقبع على طرف لسانه، لذلك ماطلتُ لأؤجل نهايتي المحتومة ولو لثوانٍ. أشرت إلى منامتي الجديدة وقلت بنبرة متكسرة:

— إيه رأيك.. يعجبك؟ مش هتغير هدومك عشان تتغدى؟ ماما هي اللي طبخت.. عارفة إن طبيخي ما بيعجبكش.

لم يلتفت لإغرائي البائس، بل قال بجدية صارمة قطعت كل حبال الأمل:

— كويس يا غادة، خلينا في المهم.. أنا قررت أتجوز.

نزل الخبر على قلبي كالصاعقة. شعرت بغمّ لا منجاة منه، وعلمت أنني لا أستحق السلوان، فأنا من فرّطت به أول مرة وتركت المساحة لغيري. قلت بنفور واشمئزاز:

— البت المايصة بتاعت الإعلانات؟

أجاب برزانة مستفزة:

— اسمها سارة.

سألته بتهكم أداري به انكساري:

— وسارة هانم وافقت تتجوز على ضرة؟

رد بقسوة:

— لا طبعاً.. وعلى فكرة أنا مش جاي آخد رأيك، أنا جيت بس أعرفك وفي حاجة كده لازم نتفق عليها.

لم أحتمل البرود، انتفضت عن الأريكة وصحت به وعروقي تكاد تنفجر:

— إنت اتجننت؟! عايز تتجوز واحدة صايعة مشيت مع رجالة بعدد شعر راسها؟ دي صورها العريانة في كل حتة من غير خشا ولا حيا.. يا راجل يا حمش يا محترم!

لم تهتز شعرة في وجيه. واجه حدتي بهدوء المتيقن والنهائي:

— انتي اللي جبتيه لروحك.. انتي طا...

صرخت بهستيرية قبل أن ينطق بكلمة الفراق كاملة:

— لا يا وجيه بلاش! عشان خاطر سما!

"سما".. ابنتنا الوحيدة، النبته الطاهرة وسط هذا الركام، ونقطة ضعف وجيه المتفردة. لولاها لربما تخلص من وجودي تمامًا ولم يكتفِ بالطلاق.

هدأ قليلاً وأشار إلى المقعد:

— أقعدي عشان نتفق على اللي جاي.

جلستُ خاضعة، متخلية عن كبريائي وعصبيتي التي أضاعته مني ذات يوم، وانتظرت حكمه الإعدامي. قال بلهجة الآمر الناهي:

— سارة ماوافقتش تتجوز على ضرة وعايزاني أطلقك.. وانتي عارفة إن أنا أصلاً مش طايقك. وعشان سما بس، هتفضلي على ذمتي من غير ما سارة تعرف.. هقولها إني طلقتك وإني شايع بس بين الناس في البلد إنك لسه مراتي عشان عايزة تسيبي بيت أهلك وتعيشي لوحدك، وسارة وافقت. لكن قسماً بالله، لو عملتي أي حاجة من عمايلك القديمة هطلقك وآخد بنتي وشقتي اللي حولتيها عيادة وهرميكي في الشارع.. فاهمة يا غادة؟

ابتسمت بتحسر مرير. أين ذهب وجيه القديم؟ لقد توحش وتغول، وتملّكته نزعة سادية لم أعهدها فيه قط. أومأت برأسي وقلت:

— حاضر يا وجيه، من عنيا.. بس سارة مش هتطلب تشوف قسيمة الطلاق؟

ضحك بسخرية لاذعة هزت أركاني:

— مش كل الناس زيك يا غادة.. سارة هتشوف وتصدقني أنا، عشان بتحبني.. مش واخداني سِلمة تطلع عليها لفوق زيك!

في تلك اللحظة، استيقظ الشر الكامن في صدري بعد أن ظننت أنني تطهرت منه، وقلت بتهكم مستفز:

— والفرح إمتى إن شاء الله يا عريس؟

أجاب بثقة:

— كمان أربع شهور.. وبالمناسبة هنعمل فرح كبير، عايزة تيجي تبقى بجميلك وأشيلك فوق راسي، مش عايزة يبقى أحسن.

انتابتني حالة غريبة من اللامبالاة، كأن سلاحه بات يداعبني بدلاً من أن يطعنني. ما الذي يملكه رجل في سنه ليجذب مراهقة سوى نقوده؟ وها هي نقوده تتبدد في صخب الأفراح والمظاهر إرضاءً لنزواتها.

انطلقت ضحكاتي متهادية كنهر مطرد، أستهزئ بحمقه الذي صوّر له أن هناك بلهاء أخرى قد تقبله سكنًا. لطالما كان بليد الفهم لإشاراتي؛ لم يدرك أن ضحكاتي تخفي بركانًا. وحتى عندما حاولت استثارة حنقه وقلت:

— هتقعد في كوشة في سنك ده؟!

أجابني ببرود قاتل:

— وحياتك غلاوتك عندي، هقعد في تلات أربع كوشات.. هعمل خطوبة وكتب كتاب ودخلة، كل واحد فيهم في فرح شكل، وشهر العسل هيكون في المالديف!

صحت به والغل يأكلني:

— انت فاكر إنك كده بتنتقم مني؟

نظر إليّ نظرة أخيرة خالية من أي اكتراث وقال:

— انتي عمرك ما كنتي محور الكون ولا محوري.. انتي ولا حاجة. أنا هعمل كل ده عشان سارة.. عايز أفرحها.

نهض عن الأريكة، وأخرج محفظته من جيب سترته الجلدية التي يرتديها مراهقو هذا العصر، واستل منها حزمة مالية كبيرة ناولها لي قائلاً:

— اشتري ليكي ولسما حاجة كويسة تحضري بيها الفرح.

رفضت نقوده، ولم تمتد يدي إليها، وقلت بخنوع مصطنع:

— خلِّي خيرك سابق.

ولمفاجأتي، لم يصرّ؛ بل أعاد النقود إلى محفظته ببرود قائلاً:

— وفرتي.

استدار وولى خارجًا نحو كابوسه الجديد، تاركًا إياي خلف الباب المغلق لأواجه الحقيقة العارية للمرة الأولى: أنا المخطئة من البداية حتى النهاية.

كم أحبني في السابق! كان فراقي يعصر أنفاسه، وحتى بعد الطلاق الأول وزيارته لابنتنا في بيت عائلتي، كانت عيناه تبحثان عني دائمًا، لكنني تماديت في قسوتي وكبريائي. تذلل لأعود إليه من أجل ابنتنا ولم أمنحه فرصة، فحكمت عليه بالتيه حتى التقطته تلك الساقطة.

تذكرت آخر صورها على صفحتها.. مستلقية على سرير عارية لا يسترها سوى ملاءة حريرية، وزوجي المحترم لم يستنكر سلوكها الفاضح، بل أصبح شريكها في العرض! صورتهم الأولى في ذلك الفندق كشفت المستور، كانا شبه عاريين وحافيين، هي بمئزر استحمام أبيض، وهو بسروال جينز يستعرض عضلاته المصقولة حديثًا، يقفان من الظهر يرقبان الغسق خلف أهرامات الجيزة، ورأسها يميل على كتفه بينما ينسدل شعرها الأسود المستعار على ظهره.

— مبروك يا حبيبتي.. عقبال ما تحضري سبوع النونو!

جاء الصوت من خلفي، كانت أمي. نبرتها كانت تقطر شماتة؛ فقد كانت من أشد المعارضين لطلاقي الأول، وهي من تنبأت بنهايتي البائسة.

التفت إليها وقلت محاولةً تجميع شتات كبريائي:

— الله يبارك فيكي.. هتحضري الفرح؟

تقدمت مني بمزيد من التهكم، وهي التي كانت تتلصص من ممر الغرف:

— طبعاً.. الراجل عمره ما عمل فينا حاجة وحشة، ومفيش وحش غيرك.

نهضت خائرة القوى، لكنني ارتدت قناع القوة الزائفة وقلت بتحدٍّ صارم:

— وحياة أبوه الميكانيكي ما هيشوف يوم حلو معاها، وبكرة تقولي غادة قالت ونفذت!

---

كانت تلك المواجهة هي النهاية. من بعدها، لم أرَ وجهه ولم أسمع صوته. توقف عن إرسال نفقتي ونفقة ابنته، واستحل مالي ولم يترك خردلة في حسابي البنكي.

أيام قلائل وانتشر الخبر الصاعق في الأرجاء؛ تزوج عاهرته "اليابانية" في حفل صاخب جمع القريب والبعيد. وفي اليوم التالي، أبصرت جارتي اللدود بعد أذان العصر وهي تحمل صينية تعلوها أكواب بلاستيكية مملوءة بشربات الورد المطعم بقطع الموز، وتطلق الزغاريد احتفالاً بزواج معيلها؛ فزوجها هو الصديق المقرب لزوجي ويدير تجارته السرية بعيدًا عن عمله الحكومي.

كانت الجارة تذيع بفرحة عارمة على المارة سر نفحتها وشرباتها قائلة:

— أيوة اتجوز.. حاجة على الفرازة! أجنبية وأبوها سفير فرنسا!

سألها أحدهم بفضول:

— والدكتورة غادة؟

مصت شفتيها باستهانة تامة، وقالت بتهكم لاذع أطاح بما تبقى من كرامتي:

— يعني هتكون أحسن من مين؟!

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • زوجة في الظل   وجه "مالك" الآخر.. وزيف الشاشات

    وجيه عبد المعطي.طرقٌ في السماء؟!حتى ابنتي "سما"، ودون أن تتبحر في تفاصيل عملي العسكري المعقد، تعلم يجنون أنني أهتدي في الملاحة بخطوط الطول والعرض والخرائط اللاسلكية. بينما هذه "البلوجر" الشهيرة، التي يستمع إلى ترهاتها نساء المجتمع وبعض رجاله، تظن أن في السماء شوارع ممهدة، وإشارات مرور، وأزقة خلفية لتفادي الزحام الجوي!نظرتُ إليها بذهول يمتزج بالابتسام، وقلت دون وعي:— انتي بجد ‏Masterpiece! (قطعة فنية فريدة من نوعها!)كنتُ أعني بالطبع أن جهلها بالبديهيات لا مثيل له، فظهر التحرج واضحاً على ملامحها، ولفت وجهها عني قائلة بنبرة كبرياء جريح:— عشان مش بفهم أوي يعني؟ على العموم.. أنا بفهم كويس جداً في اللي يخصني ويخص شغلي، وأنا مش طيار عشان أعرف الخرافات دي!تباً لغبائي العسكري! لم أكن أقصد السخرية منها أو التقليل من شأنها أبداً، بل أضحكني ما لا تعرفه من بديهيات الكون فحسب. لكن ذلك الخجل المفاجئ الذي صبغ عينيها، والارتباك الذي اعتصم بملامحها، هزّ وجداني بعنف، وأشعل في صدري رغبة عارمة في إصلاح ما أفسدته، فقلت متداركاً بنعومة:— لا والله أنا مقصدتش.. أنا قصدي إنك لسه صغيرة، وأكيد في حاجات ك

  • زوجة في الظل    ترياق الليمون.. واعترافات فوق الطاولة

    وجيه عبد المعطيالنساء يا سادة يملكن سحراً خاصاً يغير طعم كل شيء؛ حتى كأس "الليمون بالنعناع" كان مذاقه غنياً وفريداً هذه المرة، لمجرد أنني أتشاركه مع سارة.أقبل النادل يحمل الكؤوس المثلجة، فشكرته أولاً على سرعة الاستجابة، ولأنه ثانياً انتشل نظرات سارة من تشتتها وعاد بها إليّ.. أو إلى الليمون بدقة، فلا زالت تتجنب إعطائي الانتباه الذي أرجوه. كانت عطشى للغاية، وارتشفت العصير بعجالة مفرطة حتى أنهت الكأس عن آخره في ثوانٍ. يبدو أنها من أولئك العشاق الحمقى للمشروبات المثلجة، إذ داهمها فوراً "تجميد الدماغ"؛ ذلك الصداع الطاعن قصير المدى الذي يضرب الجبهة عند تناول شيء مجمد بسرعة.انكمشت ملامحها ألمًا، فقلت لها ناصحاً برفق:— ادعكي المنطقة اللي بين حواجبك ببطء.. الصداع هيروح علطول.ورغم عنادها الطاغي، استمعت لنصيحتي هذه المرة، ولم تمر لحظات حتى تخلى وجهها عن تجاعيد الألم، لكنها لم تشكر صنيعي، بل باغتتني بسؤال مباغت وجاف كعادتها:— ‏Single؟ (أعزب؟)أجبتها بوضوح:— أيوة.— اتجوزت قبل كده؟— اتجوزت وطلقت.. وعندي بنت اسمها سما.تشتتت نظراتها عني مجدداً فور تصريحي الأخير. تلك هي طبيعتي العسكرية؛ أرى

  • زوجة في الظل   أسلحة االتهديد.. وقناع الصدق

    وجيه عبد المعطيالتفتُّ بنظراتي نحو ضيفتي الجميلة لتختار ما يروق لها، لكنها لم تجبني ببنت شفة، واكتفت بالصمت التام ومراقبة المشهد ببرود. هنا، قررتُ تولي الزمام وطلبتُ عنها وعني دون تردد:— ‏Philly cheese steak.. مش أقل من 300 جرام.. ‏Well done (مطبوخ جيداً).. وكل أنواع السلطات المتاحة، بس بلاش السلطة الخضرا.— والمشروبات يا فندم؟— ليمون بالنعناع ينزل دلوقتي حالا.. وبرتقال فريش مع الغدا، وقهوة مضبوطة بعد الغدا.. انصراف.اتسعت ابتسامة النادل أكثر من ذي قبل، ولمعت عيناه بذكاء وهو يتراجع خطوة للخلف، قائلاً بنبرة حملت تقديراً مفاجئاً للهيبة الكامنة في صوتي:— مش حضرتك تقول من الأول يا باشا؟.. طيار صح؟فئة الطيارين يشتهرون دائماً بكياستهم الشديدة وثقافتهم العالية، المعتمدة كلياً على السفر والتنقل الدائم حول العالم؛ ما يجعل علومهم متنوعة، وخبراتهم متمرسة في شتى نواحي الحياة.. وهو تماماً ما استشعره النادل "شريف" من دقتي الصارمة في هندسة تفاصيل غدائنا.نظرتُ إليه بابتسامة غامضة وأجبت:— برافو عليك.عقّب النادل بزقزقة فندقية مألوفة:— أصلكم أكتر ناس ليكم مزاج عالي في الأكل والشرب.. وفي أي حاجة

  • زوجة في الظل   في حضرة الأهرام.. والجمال الشرس

    كانت تلك الكلمات الملقاة في بهو الفندق بمثابة دستور "سارة أنور" المأثور؛ فهي امرأة لا تعترف بالعلاقات العاطفية العابرة قبل الخطبة والزواج مهما كانت المغريات. ترى نفسها أميرة، والأميرات لا يخضن مغامرات عاطفية في الخفاء.التفتت إليّ "كارولين"، معجبة سارة الأولى، ورمقتني بنظرة فاحصة دقيقة قبل أن تبدي إعجابها قائلة بلكنة طفولية مادحة:— أنت قمُّور آخر حاجة!في الحقيقة، أنا لستُ وسيماً بالمعنى الدارج. في أعراف بلدتي، أنا رجل غادره قطار الزواج منذ زمن؛ أقرع، متوسط القامة ويميل جسدي للقِصر، لا أملك قسمات الفرسان الدقيقة ولا ملامحهم الأسطورية. باختصار.. زوجتي السابقة كانت كلما رأتني أطالع المرآة لأي سبب، تنفجر ضاحكة بسخرية لاذعة. لم أكن أعرف تحديداً دافع ضحكها، لكنني خمنتُ—كما خمنتم تماماً—أن عينيها كانت تنضح ببغض شديد لخلقتي.إنما اليوم؟ اليوم تبدل كل شيء. سارة تراني شبيهاً بـ "جيسون ستاتهام"، وهذه الصغيرة تسألني الآن ببراءة إن كنتُ قريباً للفنان "أحمد مكي"!أجبتها بابتسامة خفيفة:— لا مش قريبي.. فينا صلع من بعض شوية.بدا أنني أتحلى بخفة ظل غير معهودة اليوم؛ فالصغيرة انطلقت تضحك، وشاركتها ال

  • زوجة في الظل   ترياق في قلعة العزلة

    وجيه عبد المعطي.قلتُها بمنتهى الأريحية دون أن يتسلل الغضب إلى نفسي ولو لمثقال ذرة. كان همي الأوحد ومطلبي الوحيد في الحياة حينها هو أن أرى في عيني سارة وميض الرضا عني. لأي سبب؟ لا أعرف. وفيمَ أطمع؟ لم أستبين بعد. كنتُ موقناً أنها لن تحبني—على الأقل من لقائنا الأول—كما كنتُ موقناً بأنني رجل سطحي في تلك اللحظة، لا يطمح بشيء سوى الهدوء، ولا سيما حين يكون هناك جمال كهذا متجسداً نصب عينيه؛ جمالٌ خُلق للتأمل في إبداع الخالق وصنعه. جمالٌ يبتسم في وجهي الآن منتظراً قراري الحاسم: إما صاحبة الدلال، وإما صاحبتي القديمة "عزيزة".وبالطبع.. اخترتُ صاحبة الجمال؛ فاليوم لها ومن أجلها منذ بدايته على أي حال.حملتُ "عزيزة" من الكنبة الخلفية ونقلتها إلى صندوق السيارة، وكانت عيناها الصغيرتان ترمقانني بعتاب حزين يشكو قسوتي الجديدة عليها. سامحيني يا عزيزتي.. لكننا معشر الرجال تتحول طبائعنا، وميولنا، وأحياناً أخلاقنا إلى النقيض تماماً بمجرد ظهور أنثى في المدار. أرجو منكِ الغفران، فمن أجل أنثى من البشر، أنا مستعدٌ لفعل ما هو أكبر بكثير من طردكِ من رحابة مقاعدي إلى فوضى حقيبة السيارة العارمة.لمحتُ السعادة في

  • زوجة في الظل    كبرياء طيار وعناد مراهقة

    وجيه عبد المعطي.صرخت بالكلمة الأخيرة وهي تقفز في مقعدها، وبدأت تحاول بجنون فتح باب السيارة، لكن الباب كان مغلقاً مركزياً (Central Lock) طبقاً لأوامر السلامة، وليس لسجنها مع حربائي كما خُيل لها وهي تصرخ في وجهي بهستيرية:— افتح الباب يا مجنون انت!!— ما تخافيش.. دي مش بتأذي والله!— افتح الباب بقولك وإلا هوديك في ستين داهية!فتحتُ قفل الأبواب فوراً حتى لا تظن بي السوء. وما إن فُتح الباب حتى ترجلت بسرعة وعجالة لدرجة أنها تعرقلت بحزام الأمان، وسقطت بكامل طولها على وجهها مباشرة فوق الأسفلت!نزلتُ من السيارة مسرعاً والذعر يتملكني، لكنها كانت قد نهضت بالفعل، تقف وتنفض الأتربة عن ركبتيها وتنورتها الحريرية. نظرتْ إلى كفيها المتسختين بغبار الطريق بامتعاض شديد، أثار في نفسي خوفاً حقيقياً من بركان غضبها القادم.التفتت إليّ، وعيناها تقذفان شرارات من الغضب العارم، لكنها كتمت صرختها فجأة؛ بدا أن ذكاءها الاجتماعي قد تدخل لتقييم المعركة الجسدية معي، وتراجعت فوراً عندما أدركت أنها خاسرة لا محالة.. فأنا أملك بنية عضلية ضخمة وجسداً عسكرياً مصقولاً بالتمارين الشاقة لا يمكنها مواجهته.لم تكن سارة تعلم حي

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status