LOGINوجيه عبد المعطي.
لم أكن يوماً من المؤمنين بفرضية الصدف، حتى عثرتُ عليها. كانت صدفة انتشلتني من بحيرة المعاناة والملل، وغمرتني براحة لم أطلبها.
رأيتها لأول مرة في مقهى أبيها الكائن في أحد شوارع حي المهندسين الصاخبة. كانت تقف هناك، تحمل على كتفها حقيبة نسائية ضخمة بشكل مبالغ فيه، وترتدي تنورة حريرية قصيرة تحبس الأنفاس، تبرز ساقين هما المزيج المثالي والأجمل لملامح ماليزية مصرية خليطة؛ أعمدة من الرخام المرمري الوردي المصقول دون شائبة. أما بشرتها، فكانت أشبه بأحجار الياقوت (الروبي) المصهور فوق منحوتة رومانية بارعة.. وكان نتاج هذا المزيج امرأة تُدعى "سارة".
امتلكت عينين كبيرتين قادرتين على احتوائك، أو بالأحرى.. إسقاطك فيهما دون أي أمل في النجاة. كانتا كـمسبكين من الحليب الصافي، يطفو على سطحهما بخمول بؤبؤان أسودان يشبهان حجر "السكاتوليت" النادر المذبوح بضياء القمر.. كعيون القطط تماماً. عذراً على هذا التشبيه، فمن هواياتي السرية جمع الأحجار الكريمة، وسارة كانت كنزي الذي لم أبحث عنه يوماً، بل هو من وجدني. كان أنفها الأفطس الصغير يمنح وجهها طابعاً طفولياً متمرداً، وكأنها نُحتت بلا غضروف حاد.
تعالت صيحة أيمن بجانبي لتقطع تأملي:
— إيه يا عم! هتفضحنا.. متنّح فيها كده ليه؟!نبهني صديقي قبل أن يفتضح أمري ونصبح حديث المقهى. وكأن تلك الفتاة لم تكن هي الجانية هنا، ومسببة كل هذا النزاع والالتفاف الضاري من شتى أطياف الرجال حولها. كيف لامرأة أن تحمل كل هذا الجمال دفعة واحدة، ثم تتجاسر وتخرج به إلى العلن ليتنازع عليه العطشى والجياع؟
ماذا دهاني بحق الله؟ عندما أشار لي أيمن نحوها في البداية، انتفضتُ واقفاً في وجوم، أتفحص كل خلية فيها. خدرتني رؤيتها وأفقدتني يقظتي العسكرية المعهودة، وهزت استقراري التام مع وحدتي.
عدتُ إلى مقعدي، محاولاً استعادة قناع البرود والنقد البناء، فقلت:
— مش قصيرة شوية؟ استنكر أيمن بشدة وهو يرتشف من كوبه: — وهو أنا هقدم لها في الكلية الحربية؟! أنا عايز أكلمها بس!كانت قصيرة بالفعل، بالكاد تناهز قامتها المائة والستين سنتيمترًا أو أقل. لكن من أجل هذه القامة، جُمع ثمانية رجال في مقهى شعبي بالمهندسين، بعد أن كانت جلستنا المعتادة في "أندريا الزمالك" برحابته وهدوائه وهطول مشروباته الروحية والباردة، والأهم.. خلوّه من غبار النارجيلة (الشيشة) الذي أعمى بصري وكتم أنفاسي هنا.
نحن زملاء "مالك مراد"، وهو من أرشدنا لـ "أندريا" أول مرة قبل أن يفر هارباً إلى قفص الزوجية، ليتحول إلى ملك العفة الذي لا نراه إلا في أوقات العمل فقط، بعد أن أحكمت زوجته المتسلطة قبضتها عليه. أما اليوم، فقد سحبنا أيمن سحباً إلى مقهى "أمسية سارة وسعيدة"، لمالكه أنور أبو المجد.. والد الفتيات الثلاث: أمسية الكبرى، وسارة الوسطى، وسعيدة آخر العنقود.
كان أيمن قد تتبع سارة منذ فترة، بعدما شاهد مقاطع الفيديو الخاصة بها على هاتف زوجته. فسارة تعمل "بلوجر" أو "أنفلوينسر" كما يطلقون عليها في هذه الأيام. تُعلّم النساء أسرار وضع المساحيق وخطوط الأناقة، وقد تخطى متابعوها المليون. ورغم أن محتواها موجه للنساء، إلا أنها تملك شعبية طاغية بين الرجال بسبب جمالها الأخاذ وشعرها البني الداكن الكثيف، الذي يتعدى خصرها النحيف بغواية واضحة.
قطع أيمن شرودي مجدداً وهو يدفع كتفي:
— انت هتفضل متنّح كتير؟ مش هتعرّفني عليها؟ أجبته بحنق وضيق: — وانت حد قالك إني أعرفها من أساسه؟ أنا أول مرة أشوفها! غمز أيمن بعينه قائلاً بخبث: — انت بس خُش عليها، واظهر الساعة الذهب، وافتح قميصك "البرادا" ووريها عضلات البينش!تدخل زميلنا مصطفى متهكماً:
— وهو لما يفرجها على كل الحاجات دي، هتبص لك أنت ليه يا نحيف القوام؟! قوموا بينا نروح أندريا، التكييف هنا زي الزفت والشاي ماسخ.. صحيح، هو مالك مش جاي يا وجيه؟ أجبته وعيني لا تفارقها: — مراته عيانة. عقّب مصطفى لاهياً: — أحسن، بقى رخم أصلاً من يوم ما اتجوز.حتى وأنا أشاركهم الحديث، كانت عيناي مسمّرتين عليها. كانت تتحدث إلى أبيها بملل واضح، تجذب شحمة أذنها الخالية من الأقراط مراراً وتكراراً بضيق. انتهى الحوار بينهما عندما اقترب شاب نحيف، صُبغ شعر رأسه باللون الأصفر بتكلف، وحمل عنها حقيبتها الكبيرة مقتفياً أثرها بعد أن ودعت والدها بملامح ساخرة ومستاءة. خرجت من المكان بسرعة، فهي كما يبدو، تبغض حتى أن يطلق أحد على مقهى أبيها كلمة "مقهى".
سألت أيمن متباحثاً:
— مين الواد اللي معاها ده؟ — بتاع الشيشة. عقدت حاجبيّ بغير تصديق: — وواحدة زي دي ماشية مع بتاع الشيشة؟! — ده السواق بتاعهم.. اللي أعرفه إنها بتيجي هنا كل يوم أحد تاخده بعربية أبوها ويطلعوا على أكتوبر. — ليه؟ — كليتها هناك، بيوصلها ويرجعها تاني المهندسين، وبعدين هي تروح على مدينة نصر، ساكنة هناك.نظرت إليه بذهول:
— انت هتخطفها ولا إيه؟! كل دي معلومات جامعها عنها؟ انت راحت منك خالص.. انت متجوز يا ابني ولا نسيت؟ تقلب الاستياء في عيني أيمن وهو يجيبني: — يعني عايز إيه؟ بتشاور عقلك وعايز تاخدها مني؟ أجبت بثقة واهية: — أنا ماليش في الحاجات دي وانت عارف.. أنا كده سلطان زماني.لكنني، وفي أعماقي، علمت أنني تنازلت عن السلطنة فور رؤيتها.
في ذلك اليوم، كنت عائداً للتو من عملي في مدينة مرسى مطروح؛ حيث أعمل مدرب طيران في القواعد الحربية المصرية، وأحمل رتبة "رائد". يقولون عني إنني بارع وبارد الأعصاب، أتحمل اندفاع وغباء الطلاب الجدد على عكس باقي المدربين، فما زلت أذكر أنني كنت يوماً طالباً مندفعاً مثلهم، وأذكر تيك السعادة الطاغية التي شعرت بها يوم قدت طائرتي الأولى كقائد، وجعلتني أنسى كل وقاري العسكري.
أنا معلم محبوب، يتخذني الطلاب مثلاً أعلى، تماماً كما يتخذ البعض "مالك مراد" قدوة لهم.. وأتمنى حقيقة أن يروه يوماً وزوجته تقذف برأسه المزهريات ليعيدوا النظر في خياراتهم!
تركنا مقهى "أمسية سارة وسعيدة" متوجهين إلى أندريا، وظل الحديث متمحوراً حول فتاة الإعلانات الشبيهة بالأسيويات. نحن الرجال نحب هذه الفئة؛ نحسبهن خانعات، هادئات ومخمليات كما يصدر لنا الإعلام دائمًا.
كان مصطفى يرى أن سارة مجرد "مظهر مصطنع" كباقي بنات جيلها، وأن إسفنجة ودلو ماء كفيلان بإعادتها إلى حقيقتها كـ "مسخ أنثوي" يشبه الزوجات القابعات في بيوتنا. وأنه لا داعي لإضاعة الوقت في مقهى أنور القذر من أجلها. ثم ربت على ساقي بحسد مبالغ فيه لأنني الوحيد بينهم الذي يملك حريته بعدما كتبت لي النجاة وطلقت زوجتي الأولى منذ سنوات:
— طبعاً الكلام مش ليك يا وجيه زمانك.. انت حر.قال أيمن بثقة متناهية وهو يخرج هاتفه:
— طب أنا هثبت لكم إنها زي القمر طبيعي.عرض علينا مقطع فيديو لسارة على "إنستجرام". كانت تستعرض عبوات تجميلية مختلفة الألوان والأحجام، تتلاعب بها أمام الكاميرا بخفة طفولية تخطف القلوب. كانت تشير بسبابتها إلى عينيها المثقلتين بالمساحيق، ورموشها المستعارة الكثيفة. بدا للوهلة الأولى أن مصطفى على حق؛ وأن سارة مجرد قناع من الألوان.
سارة أنور.غادرت الغرفة وأغلقت الباب. تنهدتُ وأنا أتحسس أذني.. نعم، كان حمزة فاسداً حتى النخاع؛ يسرق، ويحرق، ويلفق التهم، وفي النهاية.. يقتل. وكما لا أتمنى أبداً، حدثت الـمعجزة التي لم تكن في الحسبان، وسقط حمزة من فوق برجه العاجي الساخر لـما اندلعت ثورة يناير عام 2011. أو هذا ما حسبتُه أنا، لأنني كنتُ مجرد "غِرّة حمقاء" لا تفقه في السياسة شيئاً؛ فقد استغل حمزة حالة الانفلات الأمني والسرقات التي تمت في كافة أقسام الشرطة، وسرق كل ما طالته يداه الآثمتان من أسلحة ميرية، وبالطبع.. كافة الـمواد الـمخدرة الـمحتجزة في الـمخازن.وأمسيتُ أنا، بغبائي، الـمخولة الرسمية والواجهة لتوزيع كافة تلك الـمسروقات والسموم! ولـما أبديتُ اعتراضاً وخوفاً في البداية، انتظرتُ منه تهديداً ببطشي، لكنه بدلاً من ذلك، ارتدى قناع الضحية وقال بنبرة متباكية مستعطفة:— أنا ضعت يا سارة.. ومحدش باقيلي في الدنيا دي كلها غيرك انتي. بالفلوس اللي هنلمها ونعملها من البيعة دي، هاخدك ونسافر برة مصر فوراً، وهطلق لبنى ونعيش سوا مع بعض على طول.. لبنى خانتني وأخدت كل الفلوس القديمة وهربت بيها ولازم نشتغل من تاني عشان نأمن نفسنا.وصد
سارة أنور لم يكن ما بيني وبين حمزة حباً على الإطلاق؛ بل كان فخاً مُحكماً.كان حمزة رجل تجارب قذرة، أقام تجاربه الدنيئة على أجساد ومصائر أكثر من فتى وفتاة، وجميعهم انتهى بهم الـمطاف خلف القضبان.. فيما عداي أنا. كان وجهي الياباني البريء وملامحي الناعمة وعيناي الضيقتان أسلحة تبعد عني الشبهات تماماً، ناهيك عن أنني عُرفت في الأوساط الـمخملية بالثراء الفاحش، بسبب ما أرتديه من ملابس تحمل تواقيع ماركات عالمية شهيرة، وحليّ ذهبية براقة.. ولم تكن تلك الأشياء سوى "مستنسخات مزيفة" وفرها لي حمزة بدهاء.لقد كان يعاملني معاملة "الكبش"؛ يسمنّي بالوجاهة الاجتماعية والـمظاهر، ليذبحني لاحقاً حين يجعل مني وجهاً مألوفاً في الـمجتمع يصعب التشكيك في سلوكه. استخدمني بلا رحمة للتربح؛ كان يسرق الـمخدرات والـممنوعات من أحراز مخازن القسم، ثم يودعها في بيت أنور! فالجميع في سلك الشرطة يعرفون أن أبي "لص شيكات" وقروض، وليس تاجر سموم. تقنياً.. كان بيتنا أنظف من الخزف الصيني بعد غسله في نظر مكافحة الـمخدرات، وحتى عندما كانت تأتي قوة لتفتيش المنزل، لم تكن تبحث عن شيء سوى إلقاء القبض عليّ وعلى أخواتي كرهائن للضغط على أبي
سارة أنور. يكفي فقط ذكر اسمه بأي مكان لتفسح الطرقات لبنات أنور، كان دمث خلوق كريم ومحب حقيقي يبذل من أجلي الغالي والنفيس فطالما طلبتُ وأمسية لأقسام الشرطة، وهو كان من ورانا دائماً يخلصنا مما أوقعنا أنور به. حسبته الحب الذي انتظرته ولكني كنت له صفقة رابحة؛ لم أكن شهيرة مثل الآن فقد كنت حينها مجرد فتاة جميلة تستعرض صورها الفتوغرافية الغير حرفية على صفحات التواصل الاجتماعي ومن صنعني حمزة ولست مدينة له بأي شيء. أرسلني لأقدر المصففين وأشهرهم، أغدق علي من ماله بالهدايا والملابس المترفة، استأجر لي مصور خاص ليظهر جمالي الحقيقي كما قال لي، فقد أخبرني أن له عائلة كبيرة قد لا تمرر موافقة شارحة على زواجنا لأنني ببساطة بنت أنور ولكن قد يتغاضوا لو كنت نجمة مجتمع ذو صيت محبب شهير، أرسل لي العقود من كبرى الماركات العالمية لأكون واجهتهم بمصر فأمسيت سارة أنور مدونة الموضة الشهيرة. أختي الكبرى زاد تقلقها من تعلقي وظهوري الدائم مع الضابط المتعاطف مع البنات اليتيمات كما كان يطلق علينا حمزة وسط الجموع، بينما أمسية طلبت تتمة فلم أجد ما أقوله فوجدت هي بعد بحث وتقصي وواجهتني به: - الظابط بتاعك مجوز. -
سارة أنور. كنتُ بالكاد أنقل قدماً بعد أخرى، والصقيع يلفح أكتافي الـمنحنية ونحن نمر سريعاً في ممر بارد، رطب، ومظلم، كأن من ورائنا أسواطاً غير مرئية تأمرنا بالرحيل والتواري.في ذلك الـممر، تكشفت لي الحقيقة الثالثة: الـمجرمون من أمثالي لا يشبهونني في شيء. كان الرجال مقرفصين أرضاً في ذلّ مهين؛ ممزقي الثياب، داميي الأجساد، تعلو وجوههم كدمات زرقاء من أثر "التظبيط". أما النساء، فقد التزمن السواد بعباءات سمراء رخيصة، تداخلت فيها زخارف شرقية باهتة من الذهب والفضة المزيفة، واختلطت بأتربة الأرصفة، بينما بدت رؤوسهن ملتزمة بحجاب أسود فضفاض يظهر الكثير من شعورهن الـمنتهكة بالصبغات الرديئة وأثر الكي الحراري.كان المشهد سوقاً للـمهانة؛ رجال يتذللون للضباط دفاعاً عن بقايا كرامتهم، ونساء ينحنين للعساكر بقلة حيلة كي يرسلن لرجالهن الـمحتجزين في السجن الـمؤن الغذائية.. كانت بسطة يد أنثوية مخفية، تحمل ورقة واحدة حمراء من فئة الخمسين جنيهاً، كفيلة بأن تجعل العسكري يصفح، ويمرر المؤن خلف القضبان."مكتب الضابط النوبتجي".. هذا ما كُتب بخط رديء على الباب الخشبي الـمتهالك. وقفنا أمامه إلى أن طرق العسكري الباب، و
سارة أنورقفزت أختي الصغرى "سعيدة"—أو "سيا" كما تحب—من أمام شاشة حاسبها حيث كانت تتربع على الأريكة، وتقدمت مني بلهفة وفضول عارم:— عملتي إيه مع الضابط؟أجبتها وأنا أخلع حذائي:— ما طلعش ضابط شرطة.— أومال إيه؟— طيار.برقت عيناها وهتفت:— Wow, lucky you! (يا ل حظكِ!)بالطبع، غباء سيا جعلها تحسب أن وجيه طيار مدني يقود طائرات الركاب الضخمة كالجامبو، ويقبض راتبه بالدولار ويجوب عواصم العالم. فأحبطتُ آمالها العريضة قائلة بتهكم:— مش من الطيارين دول يا فكيكة.. ده من اللي بيطيروا بالطيارات الحربية الصغيرة اللي شبه الدبان دي!ارتسمت خيبة الأمل على وجهها وقالت:— Shit!.. المهم، عرفتي توزعّي الشغل والـمستحضرات اللي معاكي؟ابتسمتُ بظفر وسعادة حقيقية حركت مشاعري:— بعت كل اللي معايا.. وبكرة عندي "سيشن" تصوير في فندق مينا هاوس، هاخد فيه مية ألف جنيه كاش!وفي تلك اللحظة، نسينا كل شيء، وصرخنا فرحاً معاً، وأخذنا نضرب الأرض بأرجلنا في جذل طفولي صاخب، حتى أتانا الصوت الأجش المرعب من منور البناية؛ صوت "طنط حافظة" ساكنة الطابق الثالث أسفلنا وهي تصرخ بتهديد قاطع:— يااااا سااااااارة!انطفأت فرحتنا فوراً
سارة أنور. نعم.. لقد كان أجمل يوم في حياتي، ولكن البدايات دائماً تملك سحراً زائفاً.كنتُ أشفق عليه؛ أشفق على "وجيه" لأنه طلبني للزواج في أول يوم يلتقيني فيه. أشفق عليه لأنني أخدعه وأمثل عليه، ولأنه يحمل في أعماقه براءة طفل ويدّعي في الوقت ذاته أنه ضابط مغامر جاب العالم أجمع. أشفق عليه لأنه لا يرى نفسه وسيماً؛ لابد أن أحداً ما قد سحق ثقته بنفسه وأنزلها إلى الحضيض، ولابد أن تكون زوجته السابقة هي الفاعلة الخبيثة. لكنني.. حين نحيتُ بالشفقة جانباً، وجدتُ شيئاً آخر.. الحب؟ لا، ليس حباً بعد، فليكن الاستحسان والإعجاب؛ فأنا لا أريد أن أكون بريئة وساذجة مثله، لأطمع بحبه والزواج منه وسكن شقته الفارهة المطلة على بحر الزقازيق بعد ساعات من لقائنا الأول.وجيه هو أول رجل ألتقيه في حياتي ينظر إلى عينيّ مباشرة بوقار؛ لم يحاول لمسي عامداً، ولم يتصنع حركات "التبسيط" القذرة التي يعتمدها رجال مجتمعنا. إنه يعرض عليّ زواجاً حقيقياً، وشقة حقيقية، وليس زيجة صيفية سريعة من نوعية *"يا جميلة في شاليه العين السخنة.. وسري تماماً عن الزوجات"*، لينتهي الأمر بعبارة *"لكِ تحياتي للأبد"* مع حفنة من المال لا تقادر جمالي
وجيه عبد المعطي.اقتربتُ بسيارتي ببراءة مصطنعة نحو سيارتهم الجانحة على حافة الطريق، ثم ترجلتُ متوجهاً صوب ذلك الصبي الغبي—الذي لم أهتم حتى بمعرفة اسمه، رغم أن الخطة تقتضي أن نكون أصدقاء مقربين الآن.مددتُ يداي في الهواء مستعداً لاحتضانه بحميمية تمثيلية بالغة، وقلت متداركاً الموقف بصوت جهوري:— حبيب
وجيه عبد المعطيأنا رجل بلا حياة عاطفية. رجلٌ وُجّهت كل عواطفه نحو محرك سيارته، وحيواناته الأليفة، ومجموعته الخاصة من الأحجار الكريمة النادرة التي جمعها من أسفاره حول العالم. لم تكن لي في كتاب العشق إلا تجربة واحدة؛ زواج قصير الأمد—وإن امتد لثماني سنوات في السجلات—انتهى بطلاق، ولم يثمر سوى عن فتاة
وجيه عبد المعطيلكن المفاجأة حدثت في نهاية الفيديو. سكبت سائلًا أبيض على منشفة أرجوانية صغيرة، وبدأت تمسح وجهها برفق.. وحين زالت المساحيق، تبدّى جمالها الحقيقي الصاعق.حاجبان صغيران كالهلال، بشرة وردية تشع حيوية ولم تذبل رغم المواد الكيميائية، وفم ملائكي مكتنز كأنه قلب "كيوبيد" تحول إلى فراولة شهية
غادة، الزوجة الأولى.استخدمي قلبكِ قبل عقلكِ عندما تصدرين الأحكام.. ارضي بقرار اتخذتِه بمحض إرادتكِ، وإياكِ والانصياع لأقوال الحاقدين أو حتى نصائح الأحباء. اجعلي زوجكِ تاج رأسكِ، وقدمي لأجله القرابين للسماء.. خاصة لو كان رجلاً كزوجي.»تلك كانت وصيتي المتأخرة، نصيحة مخضبة بالندم أرفعها لكل امرأة حتى







