LOGINلم يجب ليث ولم يرفع عينيه إليها فازدادت دموعها وهي تردد: ــ أرجوك... لا تؤذِ أحدا بسبب ما حدث... سارة... وآدم... وليان... لا ذنب لهم.ظل ليث صامتا كأنه لم يسمعها. فشهقت وهي تكمل بتوسل:ــ أنا المخطئة... أنا من هربت... وأنا مستعدة لتحمل أي عقاب تريده... لكن دعهم بعيدا عن كل هذا.لا شيء... حتى نظرته لم يمنحها إياها. ختنق صوتها وهي تقول:ــ أرجوك يا ليث...ثم أضافت وهي تبكي:ــ وإن اقتربت من أي منهم... أقسم أنني سأقتل نفسي....في تلك اللحظة... رفع ليث رأسه أخيرا. التقت عيناه بعينيها. فشعرت وكأن الدم تجمد في عروقها. لم ترَ في حياتها تلك النظرة...كانت باردة...ومرعبة...وخالية من أي رحمة. مد يده ببطء إلى مجموعة أوراق موضوعة أمامه على المكتب. ثم... قذفها في وجهها. تناثرت الأوراق على الأرض.... شهقت ملاك، وانحنت بسرعة تجمعها بيدين مرتجفتين. لكن...ما إن وقعت عيناها على الصور والمستندات... حتى شحب وجهها تماما. اتسعت عيناها بصدمة. وتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تهز رأسها بعنف:ــ لا...قلبت الورقة التالية. ثم الأخرى. وأطلقت صرخة مكتومة: ــ لا... اقسم لا...كذب.. هذا كذب رفع ليث سيجارته إلى شفتيه
ساد الصمت داخل المنزل للحظات، بينما ظل هدير الطائرات العسكرية يهز الجبال من حولهم، حتى بدا وكأن الأرض نفسها ترتجف تحت أقدامهم. وفجأة...دوّى صوت طرقاتٍ قوية على الباب الخشبي. انتفض الجميع. وأسرع آدم يخرج سلاحه من خلف ظهره، وتقدم بخطوات حذرة نحو الباب، ثم التفت إلى ملاك وقال بثبات:ــ لا تقلقي... أنا معكِ.شهقت ملاك، وهزت رأسها بعنف، وقد انهمرت دموعها وهي تصرخ:ــ لا... بالله عليك، اصمت! اترك الأمر... لا يوجد أمل! سيقتلوننا جميعا... أرجوك!ضم آدم سلاحه بإحكام، لكنه لم يتراجع. في الجهة الأخرى... كانت سارة قد احتضنت ليان بقوة داخل ذراعيها، تحاول حمايتها من ذلك الرعب الذي يحيط بهم من كل جانب. لكن فجأة... ارتخى جسد الصغيرة بين ذراعيها.... تجمدت سارة في مكانها، ثم نظرت إلى وجهها بصدمة.: ــ ليان...؟لم تتلق أي إجابة. هزتها برفق، ثم بعنف أكبر: ــ ليان!... ليان افتحي عينيكِ!شهقت ملاك، والتفتت إليهما بسرعة، وما إن رأت ابنتها فاقدة للوعي حتى شعرت بأن قلبها توقف عن النبض. انهمرت دموعها بغزارة. ولم تعد تفكر. اندفعت نحو الباب، وأدارت المقبض بيدٍ مرتجفة، ثم فتحته... لتتجمد في مكانها. لم يكن أمامها
داخل غرفة العمليات التابعة لقصر كاستيللو...ساد المكان صمت خانق، لم يقطعه سوى أصوات الأجهزة الإلكترونية وصفير الشاشات العملاقة التي امتلأت بخرائط المدينة وصور كاميرات المراقبة وتقارير الفرق المنتشرة في كل اتجاه.... وقف عشرات الرجال في صفوفٍ متراصة، يخفضون رؤوسهم في توترٍ واضح، بينما وقف ريان ويزن على مقربةٍ من الطاولة الإلكترونية الضخمة، يتبادلان النظرات بصمت. أما ليث... فكان يقف أمام الخريطة العملاقة، يولي الجميع ظهره، واضعا إحدى يديه داخل جيب بنطاله، بينما استقرت الأخرى فوق حافة الطاولة الزجاجية.لم ينطق بكلمة. لكن الصمت الذي يفرضه كان أشد رعبا من أي صراخ. لم يجرؤ أحد على التفوه بحرف، فقد كانوا يعلمون أن غضب زعيمهم بلغ حدا لم يسبق لهم أن رأوه من قبل. وفجأة... انفتح باب غرفة العمليات بعنف. دلفت نوال بخطواتٍ سريعة، وقد ارتسم الغضب على ملامحها، ثم أطلقت نظرة حادة إلى جميع الموجودين قبل أن تقول بصوت صارم:ــ الجميع... إلى الخارج.لم يتحرك أحد. فتقدمت خطوة أخرى، وصاحت بحدة:ــ قلت اخرجوا جميعا!تبادل الرجال النظرات، ثم نظروا إلى ليث ينتظرون أمره. ظل واقفا في مكانه دون أن يلتفت، ثم قال ببر
كانت الشمس تلفظ أنفاسها الأخيرة خلف قمم جبال سانت كاترين، وقد صبغت الأفق بخيوطٍ متداخلة من الحمرة والبرتقالي، بينما كانت سيارة آدم تشق الطريق الجبلي الوعر بثبات، مبتعدة عن المدينة التي تحولت في ساعات قليلة إلى ساحة استنفارٍ غير مسبوقة. ساد داخل السيارة صمت ثقيل.... كانت سارة تغط في نوم متقطع، تحتضن ليان بين ذراعيها، بينما استغرقت الصغيرة في نوم هادئ، غير مدركةٍ لما يدور حولها. أما ملاك، فكانت تجلس شاردة تحدق عبر النافذة في الجبال الممتدة أمامها، بينما لم يفارق القلق ملامحها. وبعد دقائق من الصمت، قالت بصوتٍ خافت:ــ كم بقي على وصولنا؟أجابها آدم، وعيناه لا تفارقان الطريق:ــ لم يتبقَّ سوى دقائق قليلة... لقد دخلنا الي الجبال ، والمنزل قريب جدا.أومأت برأسها، وأطلقت زفرة طويلة، محاولة إقناع نفسها بأن كل شيءٍ قد انتهى. لكن...فجأة...انقطع صوت الموسيقى المنبعثة من جهاز الراديو، لتصدر صفارة قصيرة، أعقبها صوت مذيع وهو يردد: ــ نقطع إليكم هذا البث لإذاعة بيانٍ عاجل...تبادلت ملاك وآدم النظرات، بينما فتحت عينيها على اتساعهما. تابع المذيع بنبرةٍ رسمية امتزجت بالتوتر:ــ تشهد المدينة منذ ساعاتٍ
ما إن دوي صوت ريان داخل المكتب:ــ سيدي... ملاك هربت.حتى تجمد الزمن لثانية... ثم انفجر ليث انفجارا هائلا.. هوى بقبضته فوق سطح المكتب بكل قوته، حتى انشطر أحد أطرافه، وتناثرت الملفات في كل اتجاه. التقط الحاسوب المحمول وقذفه بعنف نحو الجدار، فتحطم إلى عشرات القطع. لم يتوقف...بل أمسك بالمزهرية الكريستالية الضخمة وألقاها أرضا، لتتناثر شظاياها في أنحاء المكتب. ثم اجتاح المكان كالإعصار، يقذف كل ما تطاله يداه؛ اللوحات، المقاعد، التحف، حتى لم يبقَ داخل المكتب شيءٌ سليم... ارتجت الجدران تحت وقع صراخه، بينما وقف ريان في مكانه وقد شحب وجهه، لا يجرؤ حتى على رفع عينيه إليه. أما يزن... فكان واقفا في صمت، ورغم محافظته على رباطة جأشه، فإن القلق كان واضحًا على ملامحه وهو يراقب صديقه الذي فقد السيطرة تماما. وفجأة... استدار ليث نحو ريان بعينين حمراوين من شدة الغضب... سحب مسدسه من خلف ظهره في حركة خاطفة، ثم اندفع نحوه حتى التصق فوهة السلاح بجبينه... ارتجف ريان رغم محاولته التماسك. فصرخ ليث بصوتٍ دوّى في أرجاء الطابق:ــ كيف هربت.... كيف تخرج امرأة من قصري وأنتم أحياء... أين كانت أعينكم أيها الأغبياء؟!ظل
تسللت أشعة الصباح الهادئة عبر النوافذ الزجاجية الضخمة، لتغمر أرجاء القصر بضوءٍ خافت، إلا أن السكون الذي خيم على المكان لم يكن طبيعياكانت ملاك قد عادت إلى القصر برفقة السائق، بعدما أخبرها ليث أنه سيتوجه إلى الشركة لإنجاز بعض الأعمال، وأنها ستعود إلى القصر حتى ينتهي من عمله. ما إن ولجت إلى الداخل، حتى انتابها شعور غريب.لم تكن تسمع أصوات الخادمات المعتادة، ولا وقع الأقدام الذي اعتادت عليه، بل كان الصمت يلف المكان، وملامح الحزن تكسو وجوه الجميع.عقدت حاجبيها في حيرة، ثم اتجهت بخطواتٍ متسارعة نحو المطبخ، وهي تتمتم بقلق:ــ خالتي امينه ؟وما إن بلغت الباب، حتى وقعت عيناها على أمينة، الجالسة في أحد الأركان، وقد غطّت وجهها بكفيها، بينما كانت دموعها تنهمر في صمت.أما بقية الخادمات، فوقفن حولها بوجوهٍ شاحبة وأعينٍ متورمة من كثرة البكاء. تقدمت ملاك إليهن بارتباك، ثم سألت بصوتٍ خافت:ــ ماذا حدث؟... ولماذا أنتن جميعا تبكين؟ساد الصمت للحظات... قبل أن ترفع إحدى الخادمات رأسها إليها، وقد ارتسمت على وجهها نظرة امتزج فيها الحزن بالغضب، وقالت بصوتٍ مبحوح:ــ نعمة... قتلت اتسعت عينا ملاك بذهول، وشحب