INICIAR SESIÓN379ظللت أحدق في الرجل أمامي للحظات، وأنا أحاول أن أفهم من يكون وما الذي يريده منا، لكنني لم أجد في ملامحه أي إجابة، فقد كان يتحدث بثقة غريبة وكأنه يملك السيطرة الكاملة على كل شيء من حولنا. حاولت أن أحرّك يدي خلف ظهري مرة أخرى، إلا أن القيود كانت محكمة إلى درجة جعلتني أتوقف عن المحاولة، بينما بقيت قدماي معلقتين في الهواء دون أن أجد شيئًا أستند إليه. ثم عاد صوت ليث إلى القاعة عبر مكبرات الصوت، هادئًا بصورة جعلتني أرفع عيني نحو الشاشة فورا: ــ ماذا تريد؟لم يتحرك الرجل أمامنا، بل ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ قبل أن يجيبه ليث:ــ ومن أنت؟ساد الصمت للحظات، ثم ضحك الرجل، وكانت ضحكته تحمل شيئا جعل القلق يتسلل إلى صدري أكثر: ــ تريد أن تعرف من أنا؟توقف قليلا، ثم أضاف:ــ رجالي ماتوا بسببك يا دون.شعرت بأنفاسي تتوقف للحظة، بينما ظل ليث صامتًا في الجهة الأخرى، وكأنني أستطيع رؤية عينيه تضيقان كلما استمع إلى كلمات الرجل: ــ خسرت رجالا كانوا معي لسنوات، وخسرت كل شيء بسببك. أموالي، نفوذي، رجالي... كل ما بنيته طوال حياتي انتهى بسببك.رفع الرجل يده قليلا وهو يتحدث، ثم قال بنبرة أكثر حدة: ــ والآ
378لم أستطع استيعاب كلماته للحظات، وظللت أحدق فيه والدموع تنهمر من عيني دون توقف، وكأنني كنت بحاجة إلى لحظة واحدة فقط حتى يتحول كل ما شعرت به إلى غضب لم أعد قادرة على السيطرة عليه. اقتربت منه بسرعة، ودفعت صدره بكل قوتي، ثم ضربته عليه مرة، وأخرى، بينما كنت أبكي بانهيار:ــ أنت لعين... أنت حقا لعين!لم يحاول إيقافي في البداية، فواصلت ضربه وأنا أشعر بأن صدري يكاد ينفجر من شدة الألم:ــ كيف تستطيع أن تفعل هذا بي؟ كيف تنام في أحضاني ليلا، وتطلب مني ألا أتركك، ثم تأتي في اليوم التالي لتخطب امرأة أخرى وكأن شيئا لم يحدث؟!ضربته مرة أخرى، لكن هذه المرة أمسك يدي بقوة وأوقفني، بينما ظل يحدق بي بغضب واضح: ــ أنتِ ماذا تريدينني أن أفعل؟!شهقت من بين دموعي، ولم أستطع أن أجيبه، فتابع وهو يقترب مني أكثر:ــ تريدينني أن أتوسل إليكِ حتى توافقي على العودة إليّ؟ كم مرة جئت إليكِ؟ كم مرة حاولت أن أتمسك بكِ وأطلب منكِ أن تبقي معي؟ وفي كل مرة كنتِ أنتِ من تختارين الابتعاد وتتركيننيهززت رأسي بعنف، بينما حاولت سحب يدي من قبضته:ــ لأنك أنت من جعلتني أبتعدــ أنا ماذا فعلت؟!صرخ بها في وجهي، ثم قال بصوت يحم
377لم أشعر كيف مر الوقت بعد ذلك، فقد بقيت إلى جوار سارة حتى هدأت تمامًا وغلبها النوم، وظللت جالسة بجانبها أراقب وجهها الذي بدا مرهقًا بصورة جعلت قلبي يؤلمني كلما تذكرت ما حدث لها. لم أكن أريد أن أتركها وحدها، لكن مع اقتراب المساء، وبعد أن اطمأننت إلى أنها نائمة وحالتها مستقرة، أدركت أن وجودي في الغرفة لم يعد ضروريًا، لذلك نهضت بهدوء وخرجت منها، وما إن أغلقت الباب خلفي حتى رأيت داميان يقف في الممر ويتحدث مع نوح. ما إن رفع داميان عينيه ورآني حتى أنهى حديثه معه واقترب مني بسرعة، وكانت اللهفة واضحة على ملامحه:ــ ملاك... سارة بخير؟أومأت برأسي وقلت:ــ نعم، هي بخير الآن... لقد نامت.تنفس داميان بارتياح واضح، وكأنه كان ينتظر سماع هذه الكلمات منذ ساعات، ثم ظل واقفا أمامي للحظات دون أن يتحرك، وشعرت من نظراته أنه يريد أن يخبرني بشيء. نظرت إليه باستغراب:ــ ماذا هناك؟تردد قليلا، ثم قال:ــ هناك شيء يجب أن تعرفيه.شعرت بالقلق يعود إليّ من جديد:ــ ماذا؟تنفس بعمق، ثم قال:ــ الليلة خطوبة ليث.تجمدت في مكاني... للحظات لم أفهم ما قاله، وظللت أحدق فيه وكأن عقلي يحتاج إلى وقت حتى يستوعب تلك الجمل
376فتحت عيني في صباح اليوم التالي ببطء، وما زلت أشعر بثقل النوم يسيطر على جسدي، لكنني سرعان ما انتبهت إلى شيء جعلني أفتح عيني بالكامل... لم يكن ليث إلى جواري... رفعت رأسي بسرعة ونظرت حولي، ثم جلست فوق السرير وأنا أشعر بالقلق يتسلل إلى داخلي: ــ ليث؟لم يجبني أحد... شعرت بالغضب يتسلل إلى داخلي، خصوصا بعدما تذكرت الطريقة التي احتضنني بها طوال الليل وكأنه لن يتركني، ثم استيقظ واختفى دون حتى أن يخبرني... هذا الرجل مجنون فعلا... في النهار يصبح قاسٍ وبارد وكأنه لا يملك ذرة واحدة من المشاعر، وفي الليل يصبح رجلا مختلفا تماما، يطلب مني أن أتمسك به ويتوسل إليّ ألا أتركه، ثم يستيقظ في الصباح وكأن شيئا لم يحدث... كدت ألعنه في داخلي، لكن صورة وجهه الليلة الماضية عادت إلى ذهني فجأة.كان شاحبا ومتعبا، وملابسه مغطاة بالدماء، ولم يكن قادرا حتى على الوقوف بمفرده.... توقفت عن التفكير للحظات، وشعرت بالقلق يعود إلى قلبي من جديد... أين ذهب وهو في تلك الحالة.. وقبل أن أتمكن من التفكير أكثر، رن هاتفي فجأة... نظرت إلى الشاشة، وما إن رأيت اسم المتصل حتى عقدت حاجبي باستغراب. داميان... لم أفهم لماذا يتصل بي
375ما إن وصلت ميرا إلى قصر يزن حتى أسرعت بالدخول، فقد ظل القلق يرافقها طوال الطريق، وكلما حاولت إقناع نفسها بأن الأمر لا يعنيها، كان خوفها علي يزن يعود إلى ذهنها من جديد. لم تكن تعرف ما الذي حدث لهما، ولا أين كان يزن.. لكنها لم تستطع أن تتجاهل خوفها عليه، خصوصا بعد أن أخبرتها ملاك أن ليث وصل إليها وملابسه مغطاة بالدماء. توقفت أمام أحد الخدم وسألته بسرعة:ــ أين السيد يزن؟أجابها الخادم بهدوء:ــ في غرفته، سيدتي.لم تنتظر ميرا أكثر، بل أسرعت نحو الدرج وصعدته بخطوات متلاحقة، حتى وصلت إلى غرفة يزن، ثم فتحت الباب دون أن تطرق، لتتوقف للحظة بمجرد أن رأته مستلقيا فوق السرير.... كان يزن مغمض العينين، وجسده ساكنا بصورة جعلت قلبها ينقبض، فتقدمت نحوه بسرعة وجلست إلى جواره، وظلت تتفحص وجهه بعينين ممتلئتين بالقلق، تبحث عن أي علامة تدل على إصابته... مدت يدها ولمست كتفه بحذر، لكنه لم يتحرك، فازداد توترها، وأخذت تتفحص جسده بعينيها قبل أن تمد يدها إلى قميصه وتفتحه قليلا، رغبة منها في التأكد من عدم وجود جروح خطيرة. لكن قبل أن تتمكن من رؤية شيء، أمسك يزن بيدها فجأة... شهقت ميرا من المفاجأة، ورفعت عينيه
374بعد أن انتهيت من تنظيف جسده وإزالة آثار الدماء العالقة على جلده، ساعدته على الخروج من الحمام، وظللت أسنده طوال الطريق حتى وصلنا إلى غرفة النوم، فقد كان لا يزال بالكاد يستطيع الوقوف بمفرده، وكانت عيناه نصف مغمضتين وكأنه لم يستعد وعيه بالكامل بعد. أجبرته على الجلوس فوق السرير ، ثم ساعدته على الاستلقاء وغطيت جسده جيدا حتى لا يشعر بالبرد، وظللت واقفة أمامه للحظات وأنا أنظر إلى وجهه الشاحب، غير قادرة على إخراج سؤال واحد من رأسي... ماذا حدث له.. كنت أعرف أن إصاباته بسيطة كما أخبرتني ميرا، لكن ذلك لم يفسر كمية الدماء التي كانت تغطي ملابسه، ولا الطريقة التي وصل بها إلى شقتي في منتصف الليل وكأنه لم يجد مكانا آخر يمكنه الذهاب إليه.أبعدت نظري عنه في النهاية، ثم التقطت ملابسه التي نزعتها عنه واتجهت إلى الحمام من جديد.... بدأت أغسل ملابسه الملطخة بالدماء، وظللت أفعل ذلك حتى اختفت آثار الدماء تقريبا، ثم تركتها حتى تجف، وبعدها اتجهت إلى المطبخ وأعددت له حساء دافئا، فقد كان من الواضح أنه لم يأكل منذ فترة، وربما كان يحتاج إلى شيء يساعده على استعادة بعض قوته... عندما انتهيت، عدت إلى غرفة النوم وأن







