ANMELDEN102توقفت السيارة أمام القصر بعنف، حتى دوّى صوت احتكاك الإطارات بأرضية المدخل.... ترجّل ليث منها بخطواتٍ سريعة، ثم فتح الباب الآخر، وأمسك بمعصم ملاك بقوة، وجذبها خلفه دون أن ينطق بحرف.... تعثرت في خطواتها وهي تحاول مجاراته، بينما كانت دموعها تنهمر بصمت، وهمست بصوتٍ مرتجف:ــ ليث... أرجوك، استمع إليّ ولو لمرةٍ واحدة. لا تجعل الغضب يحكم عليك قبل أن تعرف الحقيقة.لكنّه لم يلتفت إليها، وكأن كلماتها لم تبلغ مسامعه.... اندفع بها إلى داخل القصر، فتجمد الحراس والخدم في أماكنهم، وهم يتبادلون نظراتٍ مضطربة. لم يسبق لهم أن رأوا الدون بهذه الهيئة؛ كان الغضب يكسو ملامحه، وعيناه غارقتين في ظلامٍ مخيف، حتى إن أحدا لم يجرؤ على الاقتراب منه.... واصل صعود الدرج وهو يجرها خلفه، حتى بلغ غرفته، ففتح الباب بعنف، ثم دفعها إلى الداخل.... ترنحت خطواتها، وكادت تسقط لولا أنها تشبثت بحافة الطاولة لتستعيد توازنها... أما هو، فأغلق الباب بقوة، ثم خلع سترته وألقاها بإهمال، ونزع ساعته من معصمه ووضعها فوق الطاولة بحركةٍ حادة، قبل أن يرفع رأسه إليها ببطء.ساد بينهما صمت ثقيل... كانت ملاك تتراجع إلى الخلف بخطواتٍ مرتجفة
101ظلّ ليث واقفًا في مكانه، وعيناه معلقتان بملاك، كأن العالم من حوله قد اختفى... كانت الأوراق متناثرة عند قدميه... وعبارة واحدة فقط تتردد في رأسه: "ليان... ابنتك." انحنى ببطء، والتقط إحدى الأوراق بيدٍ مرتجفة، وأعاد قراءة ما كُتب فيها مرة أخرى... ثم أخرى... لم يتغير شيء... الحقيقة ما زالت كما هي.لكنها لم تكن الحقيقة الوحيدة التي تعصف برأسه...فجأة، دوَّت كلمات نوال في أذنيه من جديد، وكأنها تُقال الآن: "هذه المرأة... هي السبب فيما وصلت إليه ستيلا.""هي التي حاولت قتلها... حتى تمنعها من إخبارك بالحقيقة."اشتدت أنفاسه وتداخلت الكلمات داخل رأسه بصورةٍ مؤلمة: "ليان... ابنتي." "ملاك... حاولت قتل أمي." "ليان... ابنتي." أطبق على الورقة بقوة حتى تجعدت بين أصابعه، وارتسمت على وجهه ملامح لم يرها أحد من قبل.... رفع رأسه ببطء... التقت عيناه بعيني ملاك.أما هي... فكانت تنظر إليه بوجهٍ شاحب، وعيناها تمتلئان بالخوف.همست بصوتٍ مرتعش:ــ ليث... اسمعني...دعني اشرح الأمر لكنّه لم يجب... خطا نحوها خطوةً واحدة... ثم أخرى... حتى وقف أمامها مباشرة... وقبل أن تتمكن من التراجع...قبض على معصمها بعنف...
100تجمدت سارة في مكانها. واتسعت عيناها بصدمة. وفي اللحظة التالية...انزلق الهاتف من بين أصابعها، وسقط على الأرض بصوتٍ واضح. ساد الصمت... نهض داميان من مقعده ببطء. وتقدم حتى وقف أمامها. ثم انحنى، والتقط الهاتف، ووضعه فوق مكتبه. بعدها نظر إليها مباشرةً، وقال بهدوء:ــ لا داعي للإجابة... لقد حصلت عليها بالفعل.ازدردت سارة ريقها بصعوبة، وقالت بسرعة:ــ لا... أنت مخطئ... ليان ليست ابنته.نظر إليها طويلا... ثم قال بالنبرة نفسها:ــ أنتِ لا تجيدين الكذب يا ساره شحب وجهها أكثر. وتراجعت خطوة إلى الخلف. أما داميان، فلم يبدُ عليه أي انفعال، بل قال بهدوء:ــ اطمئني... لن أخبر أحدًا.نظرت إليه بعدم تصديق. ثم تقدمت نحوه بسرعة، وأمسكت يده بكلتا يديها، وقالت برجاء:ــ أرجوك... أرجوك لا تخبر أحدا. إذا علم ليث أو أي شخص آخر... ستحدث كارثة.أنزل داميان بصره إلى يدها المتمسكة بيده. ثم رفع يده الأخرى، وأبعد خصلة من شعرها عن وجهها برفق، وقال:ــ اهدئي...لن يخرج هذا السر مني.تنفست سارة الصعداء، لكن القلق ظل ظاهرا على وجهها. فسألها داميان بهدوء:ــ لكن... لماذا أخفيتم الأمر كل هذه السنوات؟أطرقت رأسها، ثم
99في صباح يوم جديد وقف ليث داخل مكتبه في القصر، وأمامه عشرات الملفات والأوراق المبعثرة فوق المكتب. ظل يقلبها بعصبية للحظات...ثم دفعها دفعة واحدة، فتطايرت فوق الأرض بعنف. أطبق على فكيه بقسوة، وأخرج سيجارة، أشعلها، ثم أخذ منها نفسا طويلا، قبل أن يرفع الكأس الزجاجي في يده ويرتشف منه... كانت المنفضة أمامه ممتلئة بأعقاب السجائر... حتى لم يعد فيها مكان لواحدة أخرى. وفي تلك اللحظة... ارتفع طرق خافت على الباب. ثم جاء صوت ملاك من الخارج:ــ هل... يمكنني الدخول؟قال بحدّة، دون أن يلتفت:ــ ماذا تريدين؟فتحت الباب ببطء، ودخلت وهي تحمل صينية الطعام. وما إن وقع بصرها على المكتب... حتى انعقد حاجباها بضيق. المنفضة ممتلئة بالسجائر... والكأس لا يفارق يده... ورائحة الدخان تملأ المكان بأكمله.وضعت الصينية فوق المكتب، ثم قالت بهدوء:ــ منذ يومين لم تتناول شيئا.نظرت إلى السيجارة بين أصابعه، ثم إلى الكأس: ــ لا تفعل شيئا سوى شرب السجائر والمشروب ثم رفعت عينيها إليه، وقالت بحزن:ــ أمي... ستيلا... ستتحسن بإذن الله.... لكن يجب أن تأكل.رفع ليث عينيه إليها، وقال ببرود قاسٍ:ــ خذي الطعام...واخرجي.ثم أرد
98حلّ الليل...لكن الهدوء لم يعرف طريقه إلى مقر المنظمة. كان استدعاء جميع الزعماء إلى اجتماع طارئ أمرًا لم يحدث منذ سنوات، لذلك امتلأت القاعة خلال دقائق، وتعالت الهمسات بين الحاضرين. قال أحدهم بصوتٍ خافت:ــ ماذا حدث؟ لماذا دعا الدون إلى اجتماع في هذا الوقت؟أجاب آخر وهو يزفر ببطء:ــ ألم تسمع؟ السيدة ستيلا تعرضت لحادث هذا الصباح... ويقال إن حالتها حرجة للغاية.هز رجل ثالث رأسه بأسى: ــ نسأل الله أن يمنّ عليها بالشفاء... إنها امرأة لم تؤذِ أحدا يوما.ساد الصمت... وفجأة...انفتح باب القاعة. دخل ليث بخطوات ثابتة.في اللحظة نفسها، وقف الجميع من أماكنهم. لكن لم ينطق احدا بكلمة.كانت ملامح ليث وحدها كافية لتفرض الصمت. وجهه جامد على نحو مخيف، وعيناه غارقتان في ظلامٍ لم يره أحد فيه من قبل. تقدم حتى وقف في مقدمة القاعة، ثم ألقى نظرة باردة على الوجوه أمامه. قطع فيكتور الصمت قائلًا:ــ نسأل الله أن يشفي السيدة ستيلا... ونعزيك في وفاة الخادمة والسائق.أومأ أكثر من رجل موافقا، وتعالت كلمات الدعاء لها. أما ليث...فلم يبدُ عليه أنه سمع شيئا. ظل يحدق فيهم للحظات، ثم قال بصوتٍ هادئ... لكنه حمل من الرع
97توقفت السيارات السوداء تباعا أمام المدخل الرئيسي للمستشفى، وما إن فُتحت الأبواب حتى ترجل ليث بخطوات سريعة، تبعه يزن وريان، ثم ملاك وريم، بينما انتشر الحراس في أرجاء المكان خلال لحظات. لم يلتفت ليث إلى احد بل اتجه مباشرة نحو مكتب الاستقبال، وقال بنبرة حادة:ــ أين الطبيب المسؤول عن السيدة ستيلا؟ارتبكت الممرضة، ونهضت من مكانها بسرعة، ثم أشارت إلى طبيب كان يخرج من الممر المؤدي إلى غرفة العمليات... اقترب الطبيب منهم، لكن ملامحه تبدلت فور أن وقعت عيناه على ليث و يزن والحراس الواقفين خلفهم. في المقابل، لم ينتظر يزن حتى يتحدث، بل اندفع نحوه وقال بلهفة امتزجت بالخوف:ــ والدتي... أخبرني كيف حالها. لقد قالوا إنها تعرضت لحادث، أليس كذلك؟ هل انتهت العملية؟ هل أصبحت بخير؟ظل الطبيب صامتا لثوانٍ، فقطب ليث حاجبيه، وقال بصوت ثابت، لكنه حمل من الهيبة ما جعل الطبيب يزداد ارتباكا:ــ أجبه.تنفس الطبيب بعمق، ثم قال:ــ لقد بذلنا كل ما نستطيع...قاطعه يزن بانفعال:ــ لا تقل هذه الجملة... أريد أن أعرف ماذا حدث لها!خفض الطبيب رأسه وقال بصعوبة:ــ السائق... توفي قبل وصوله إلى غرفة الطوارئ.... والخادمة







