LOGIN386مر أسبوعين منذ تلك الليلة، ومع ذلك لم يتغير شيء تقريبا فقد ظل ليث مستلقيًا في غرفة العناية المركزة، غارقا في نوم لم يكن طبيعيًا، بينما بقيت حالته غير مستقرة، وكلما ظننت أن الأطباء سيخبرونني بأنه بدأ يتحسن، جاءت كلماتهم لتعيدني إلى نقطة الصفر من جديد. كانوا يتعمدون إبقاءه نائما معظم الوقت، لأن جسده لم يكن قادرا على تحمل الألم الذي سيشعر به إذا استعاد وعيه، خصوصا بعد الإصابات التي تعرض لها والعمليات التي خضع لها، ولهذا كانوا يواصلون إعطاءه الأدوية التي تساعده على النوم حتى لا يضطر إلى مواجهة ذلك الألم قبل أن يصبح جسده مستعدا. لكن منذ يومين توقف الأطباء عن إعطائه المسكنات التي كانت تبقيه في ذلك النوم العميق، ومع ذلك لم يستيقظ.وهذا كان أكثر ما يرعبني... كنت أجلس بجواره لساعات طويلة، أراقب صدره وهو يرتفع وينخفض ببطء، وأنتظر أي حركة صغيرة منه، أي تغير في ملامحه، حتى إنني أصبحت أستيقظ على أقل صوت يصدر عن الأجهزة المحيطة به، وألتفت إليه فورًا معتقدة أنه فتح عينيه، ثم أعود إلى مكاني عندما أكتشف أنني كنت أتوهم الأمر من شدة انتظاري.لم أعد أعرف منذ متى وأنا أعيش داخل هذا المستشفى، فقد أصبحت
385توقف الطبيب للحظات، وكأن الكلمة التالية أثقل من أن يقولها بسهولة، وفي تلك اللحظة شعرت بأن قلبي توقف معه، فقد كنت أراقب ملامحه محاوِلة أن أقرأ منها شيئا يطمئنني قبل أن ينطق، لكن ذلك الهدوء الذي غطى وجهه لم يترك لي سوى الخوف وقال أخيرا: ــ حالته ما زالت حرجة. لقد فقد كمية كبيرة من الدم، وكانت إحدى الرصاصات قد تسببت في إصابة خطيرة، لكننا تمكنا من السيطرة على النزيف وإخراج الرصاصات.لم أستطع الرد مباشرة، فقد ظللت أحدق فيه وكأن عقلي يرفض استيعاب كل كلمة قالها، ثم ابتلعت الغصة التي علقت في حلقي وسألته بصوت مرتجف، لأنني كنت بحاجة إلى سماع الإجابة منه مهما كانت:ــ لكنه سيعيش... أليس كذلك؟نظر إليّ الطبيب للحظات، ثم أجاب بنبرة هادئة:ــ فعلنا كل ما نستطيع، والعملية مرت بصورة جيدة، لكن الساعات القادمة ستكون حاسمة، ولا يمكننا معرفة مدى استجابة جسده للعلاج قبل أن تمر بعض الوقت.شعرت بالدموع تنزل على وجهي دون أن أحاول حتى مسحها، فقد كنت أريد منه إجابة مختلفة، كلمة واحدة تجعلني أصدق أن كل شيء انتهى، وأنني لن أضطر إلى الوقوف هنا وأنا لا أعرف إن كنت سأرى ليث يفتح عينيه مرة أخرى أم لا: ــ أريد
384فتحت عيني فجأة وأنا أصرخ باسم ليث، وكأنني كنت أبحث عنه حتى وأنا فاقدة للوعي، ولهذا لم أحتاج سوى إلى لحظات قليلة حتى عادت إليّ كل تفاصيل ما حدث، فرأيت أمامي صورته وهو بين ذراعي داميان وريان، ورأيت الدماء التي كانت تغطي جسده، وشعرت بالخوف نفسه الذي عشته قبل أن أفقد وعيي، فاعتدلت في مكاني بسرعة وأنا أبحث بعيني في الغرفة، قبل أن أشعر بيد ميرا تمسك بكتفي وتحاول منعي من الحركة:ــ ملاك، اهدئي... أنتِ بخير.التفتّ إليها، لم أكن مهتمة بنفسي في تلك اللحظة، فقد كان هناك سؤال واحد يسيطر على كل شيء داخلي، ولهذا سألتها بسرعة وأنا أحاول النهوض:ــ أين ليث؟حاولت ميرا إعادتي إلى الفراش، لكنها توقفت عندما رأت نظرتي، ثم قالت بصوت هادئ حاولت أن تخفي به قلقها:ــ ليث في غرفة العمليات، وما زال الأطباء يعملون على إنقاذه.شعرت وكأن الكلمات سُحبت من تحت قدمي، فحدقت بها للحظات وأنا أحاول استيعابها، ثم نظرت نحو الباب وكأنني أستطيع أن أراه من خلاله، قبل أن أزيح الغطاء عن جسدي وأحاول النزول من السرير: ــ يجب أن أذهب إليه.أمسكت ميرا بذراعي بسرعة وهي تقول:ــ ملاك، أنتِ ما زلتِ مريضه، وقد فقدتِ وعيك منذ قلي
383 ما إن استعدت توازني حتى حاولت النهوض بسرعة، متجاهلة الألم الذي انتشر في جسدي بعد ارتطامي بالأرض، فلم أكن أرى أمامي سوى صورة واحدة... ليث. لم أكن أعرف إن كان قد أصيب، أو إن كان ما رأيته قبل أن يدفعني الانفجار إلى الخلف قد حدث بالفعل، لكنني كنت بحاجة إلى الوصول إليه، إلى أن أراه بعيني وأتأكد أنه ما زال حيا. اندفعت أبحث عنه وسط الدخان والحطام، وأنا أتعثر في خطواتي وأكاد أسقط كلما حاولت الإسراع، حتى وقعت عيناي عليه أخيرا. كان ملقى على الأرض. توقفت للحظة، وكأن قدميّ رفضتا الاستمرار، ثم رأيت صوفيا ملقاة على مسافة قريبة منه، فاقدة الوعي، بينما كان هو ساكنا بصورة جعلت قلبي يتوقف للحظة.... رفض عقلي الفكرة قبل أن أفكر فيها حتى، ولهذا أسرعت نحوه، وجلست إلى جواره وأنا أحاول التقاط أنفاسي، ثم بدأت عيناي تتحركان فوق جسده بحثا عن أي علامة تدل على أنه بخير. وحين رأيت الدماء، شعرت وكأن شيئا باردا انغرس في صدري. كانت الرصاصات قد أصابته بالفعل. لم أستطع أن أفهم كيف انتهى به الأمر الآن ملقى أمامي بهذه الصورة... مددت يدي نحوه بارتجاف، ثم رفعت رأسه بحذر ووضعته فوق ساقي، كنت بحاجة إلى الشعور بأنه قري
382ما إن انتهى ليث من كلماته حتى تحرك الرجل الملثم نحو الباب، وأشار إلى رجاله بأن يفتحوه، بينما ظل سلاحه موجها نحونا، ولم أستطع أن أبعد عيني عن المكان الذي سيظهر منه ليث، فقد كنت أنتظر منذ أن سمعت صوته أن أراه، لكنني لم أكن مستعدة لما حدث عندما انفتح الباب أخيرا وظهر أمامي وحده... وحده تماما... لم يكن يزن خلفه، ولا أي من رجاله، ولم أر أي شخص آخر معه، الأمر الذي جعل قلبي ينقبض بصورة مفاجئة، فأنا أعرف ليث جيدا بما يكفي لأدرك أنه لن يدخل إلى مكان كهذا دون أن يكون مستعدا لكل الاحتمالات، ولهذا لم أستطع أن أفهم كيف سمح لنفسه بالمجيء وحده، والأغرب من ذلك أنه لم يكن يحمل أي سلاح ظاهر، وكأنه دخل إلى المكان الذي يمكن أن يُقتل فيه في أي لحظة دون أن يحاول حتى حماية نفسه... اقترب منه رجلان فورا، وأجبراه على رفع يديه، ثم بدأا بتفتيشه بعناية شديدة، فمرر أحدهما يديه على ملابسه وجسده، وفتش جيوبه وحزامه وحتى ساقيه، بينما ظل الآخر يراقبه طوال الوقت، ولم يتحرك ليث أو يعترض على أي منهما، بل وقف هادئا تماما وكأنه كان يعرف مسبقا أنهم سيفعلون ذلك... كنت أراقبه وأنا أشعر بأن القلق يزداد بداخلي، فغياب السلاح
381لم أستطع أن أبعد عيني عن ليث، وأنا أراقب الصمت الذي سيطر عليه للحظات قبل أن يقول بهدوء:ــ جمع مبلغ كهذا يحتاج إلى وقت.ضحك الرجل بسخرية خفيفة، ثم هز رأسه قبل أن يقول:ــ وقت.. أنت الدون... و قادر على تحريك أموال وأشخاص ومنظمات كامله في دقائق، فلا تحاول إقناعي بأن خمسمائة مليون دولار تحتاج منك وقتا طويلا لم يجبه ليث... اقترب الرجل من الشاشة أكثر، ثم رفع يده ونظر إلى ساعته: ــ سأعطيك خمس عشرة دقيقة.شعرت بقلبي يخفق بعنف... خمس عشرة دقيقة فقط... كيف يمكنه أن يجمع هذا المبلغ خلال ربع ساعة.. لكن الرجل لم يمنحه حتى فرصة للاعتراض.: ــ لا أريد دقيقة إضافية.رفع عينيه عن ساعته، ثم نظر مباشرة إلى ليث: ــ أمامك ربع ساعة، وبعدها أريد المال هنا.ظل ليث صامتا للحظات.. راقبت ملامحه وأنا أحاول أن أفهم ما يدور داخله، لكنني لم أستطع قراءة قراره... كنت فقط أتمنى أن أعرف شيئا واحدا... هل كان يفكر في إنقاذي فعلا، أم أن وجود صوفيا إلى جواري جعل اختياره محسوما منذ البداية.. ثم قال أخيرا:ــ موافق.انقبض شيء بداخلي فور سماع كلمته، ولم أعرف إن كان ذلك بسبب ارتياحي لموافقته، أم بسبب خوفي مما سيأتي بعد