Se connecterتوقفتُ في مكاني فورا. تجمد جسدي بالكامل، وكأن أحدهم سحب مني القدرة على الحركة. ظللتُ للحظات أحدق أمامي بعينين متسعتين، ثم نظرت ببطء إلى الأرض بجواري. كانت الرصاصة قد استقرت على بعد خطوات قليلة من قدمي. شهقتُ، وشعرتُ ببرودة تسري في جسدي... رفعت يدي إلى صدري، أحاول التقاط أنفاسي التي اختفت فجأة. يا إلهي...لقد أطلق الناراستدرت إليه ببطء شديد. كان ليث يقترب مني بخطوات هادئة، والغضب يطغى على ملامحه. توقفت عيناه عندي، ثم قال ببرود:ــ وقفتِ الآن.حدقت فيه غير مصدقة... نظرت إلى مكان الرصاصة مرة أخرى، ثم إليه: ــ أنت... أنت كنت ستقتلني؟!نظر إليّ ببرود، وكأن ما حدث قبل لحظات لم يكن شيئًا يستحق كل هذا الخوف الذي شعرتُ به: ــ من المستحيل أن أخطئ.حدقتُ فيه غير مصدقة، ثم نظرت إلى موضع الرصاصة مرة أخرى. كانت لا تزال واضحة أمام عيني، قريبة إلى درجة جعلت ساقي ترتجفان دون إرادة مني: ــ ولو أخطأت.. كانت ستصيبنيلم يجبني فورا، بل ظل ينظر إليّ بتلك النظرة الهادئة المستفزة، ثم قال:ــ قلت لكِ إنني لا أخطئ.شعرت بأن الغضب بدأ يطغى على خوفي. كيف يستطيع أن يكون هادئا هكذا.. أنا التي كدت أموت رعبا منذ ل
204أيوه، الحوار محتاج يبقى أقصر وأطبيعي وأقسى، خصوصًا نازلي؛ هي مش هتشرح نفسها كتير، وملاك هتكون متوترة ومش فاهمة هي بتساعدها ليه. وكمان مشهد ليث محتاج الحوار فيه شدّ أكتر... تجمدت في مكاني.. ما إن استدرت حتى شعرت بقلبي يهبط إلى صدري. كانت نازلي تقف عند الباب. حدقت فيها بخوف، ثم نظرت إلى الخزنة المفتوحة خلفي، وإلى الظرف الذي لا يزال بين أصابعي... لم أستطع أن أنطق... كنت أظن أن نوال هي من ستدخل... لكن ظهور نازلي لم يكن أفضل كثيرا... ماذا أفعل الآن؟ هل رأت الخزنة و الظرف.. هل ستخبر ليث... وفجاه تقدمت نازلي نحوي دون أن تقول شيئا، وانتزعت الظرف من يدي فجأة... لم تنظر إليّ حتى. . أعادت الظرف إلى الخزنة، ثم أغلقتها بسرعة، وأخذت المفاتيح من أمامي... بقيت واقفة أحدق فيها بذهول، بينما اتجهت إلى خزانه الملابس ، وأعادت المفاتيح إلى الدرج المخفي، ثم أغلقته كما كان. التفتت إليّ، وقالت بصوت مرتفع:ــ ليان ليست هنا؟حدقتُ فيها بعدم فهم. فنظرت إليّ بحدة: ــ ألم نأتِ إلى هنا للبحث عن ليان؟لم أفهم ما تفعله، لكنني أومأت بسرعة: ــ أ... أجل.رفعت نازلي صوتها أكثر:ــ إذن ماذا تنتظرين؟ ابحثي عنها!وف
203استيقظتُ هذا الصباح على ضوء الشمس الهادئ، الذي تسلل من بين ستائر الغرفة وألقى خيوطه الذهبية فوق الفراش. فتحتُ عينيَّ ببطء، وبقيتُ للحظات أحدق في السقف دون أن أتحرك، أستمع إلى هدوء الصباح من حولي... كان كل شيء ساكنا بصورة مريحة... لا أصوات، ولا حركة، سوى نسمات الهواء الخفيفة التي كانت تحرك الستائر بين لحظة وأخرى... مددت يدي إلى جواري بعفوية، ثم التفتّ ببطء... توقفت عيناي عند ليث... كان لا يزال نائما بعمق، مستلقيا بهدوء، وملامحه التي اعتدت أن أراها قاسية وجامدة بدت مختلفة تماما أثناء نومه. كان شعره مبعثرا قليلا فوق جبينه، وعيناه مغمضتين، بينما ارتفعت أنفاسه وانخفضت بهدوء منتظم.. ظللتُ أحدق فيه للحظات، وشعرت بابتسامة صغيرة تتسلل إلى شفتي دون أن أشعر... لم أكن معتادة على رؤيته بهذه السكينة... كان ليث دائما مستيقظا قبلي، وكأن النوم نفسه لا يستطيع أن ينتزع منه حذره... أما الآن، فبدا هادئا بصورة جعلتني أتأمله أكثر مما ينبغي... ابتسمت بخفة، ثم همست لنفسي:ــ يبدو أنني استيقظت قبلك هذه المرة.ابتسمتُ دون أن أشعر. وقررت أن أستغل استيقاظي المبكر وأعد له ولِيزن الفطور بنفسي. خرجت من الغرفة به
202حل الليل أخيرا، وكان الهدوء قد غطّى أرجاء الشقة في تاج الفيروز. وقفت في المطبخ، أمسك كوب العصير بين يدي، بينما كانت عيناي تتجهان بين لحظة وأخرى إلى الساعة المعلقة أمامي. تأخر ليث كثيرا...كنت أعرف منذ الصباح أنه سيعود ليلا، فقد أخبرني أن لديه عملا مهما، لكن شيئا في داخلي لم يكن مطمئنا. كلما مرت دقيقة، ازداد القلق في صدري، وكأن إحساسًا غريبا يخبرني بأن هناك شيئا ليس على ما يرام.نظرت إلى الساعة مرة أخرى وتنهدت. أين تأخرت يا ليث... وضعت الكوب جانبا، ثم خرجت من المطبخ واتجهت إلى الشرفة الصغيرة الملحقة بالشقة... كانت شقق تاج الفيروز تضم مساحات خارجية صغيرة أشبه بحدائق خاصة مساحة خضراء هادئة تحيط بها بعض الأشجار الصغيره والنباتات، وفيها مقعد خشبي صغير يمكن الجلوس عليه ليلا واستنشاق الهواء بعيدا عن ضوضاء المدينة... وقفتُ هناك، وأخذت نفسا عميقا... كان الهواء باردا ومنعشا، وحرك خصلات شعري بهدوء. رفعت رأسي نحو السماء، محاوِلة أن أهدئ نفسي... لكن فجأة...سمعت صوتًا خافتا خلفي... تجمدتُ في مكاني... التفتّ ببطء، وأخذت أحدق في الظلام من حولي: ــ من هناك؟لم يجبني أحد. ابتلعتُ ريقي، وشعرت بق
201ومع ذلك، لم أستطع أن أعتقد أنها تمثل، خصوصا بعدما رأيت ليان تندفع نحوها بهذه السرعة... قلتُ بقلق:ــ يجب أن نطلب الطبيب!هزت مارسيلا رأسها بضعف: ــ لا... لا أريد طبيبًا...ثم نظرت إلى ليث بحزن: ــ فقط أريد أن يتوقف حفيدي عن معاملتي بهذه القسوة.نظر إليها ليث بدهشة: ــ أنا لم أفعل شيئا!لكن مارسيلا أغمضت عينيها، وأسندت رأسها إلى كتف ليان: ــ قلبي لا يحتمل...انقذوني شهقت ليان مرة أخرى، وقالت ببراءة:ــ عمو ... لا تغضب منها.. هي لم تفعل شئ سئ وضعتُ يدي على فمي، وأنا لا أعرف هل أشعر بالقلق أم الدهشة. كان المشهد مبالغا فيه بصورة غريبة، لكنني لم أستطع أن أكتشف أن وراءه شيئا آخر. كل ما استطعت التفكير فيه هو أن مارسيلا وليان كانتا متعلقتين ببعضهما بصورة شديدة، وأن الصغيرة كانت خائفة فعلًا من أن يصيب جدتها مكروه. أما ليث ويزن، فبدآ يحاولان تهدئة مارسيلا بكل جدية، دون أن يخطر ببال أي منهما أنها ربما تخفي شيئا خلف ذلك التمثيل المبالغ فيه ظللت أحدق فيهما بدهشة، فقد تحولت الغرفة في لحظات إلى مسرحية كاملة... كانت مارسيلا ممددة على الأرض، واضعة يدها فوق قلبها، بينما أخذت ليان تبكي بجوارها،
200أطلقت نوال تنهيدة طويلة، ثم قالت بهدوء حاولت أن تحافظ عليه:ــ لم أفعل شيئا يا ليث.لكن مارسيلا ضربت يدها على الطاولة مرة أخرى، وقالت بحدة:ــ أيتها اللعينة! أين نقودي؟نظرت إليها بدهشة:ــ نقودك؟أومأت مارسيلا بقوة:ــ نعم! نقودي التي اختفت من غرفتي!ثم أشارت إلى نوال بإصبعها: ــ هي أخذتها.. خسنا اتصلوا بالشرطي الأن.. اريد نقودي تنهدت نوال بضيق، وقالت :ــ امي... قلت لكِ إنني لم أفعل.راقبتهما بصمت، ولم أستطع منع نفسي من التفكير في المفارقة الغريبة بينهما... مارسيلا، بملابسها البسيطة وطريقتها العفوية في الحديث، قد تبدو للوهلة الأولى امرأة طيبة لا تهتم سوى بالطعام والحلوى وإزعاج احفادها بين الحين والآخر... لكنني بدأت أكتشف أن وراء تلك البساطة شخصية قوية بصورة لا تصدق... بل ربما كانت مارسيلا المرأة الوحيدة في هذا القصر التي تستطيع الوقوف أمام نوال دون أن تخشاها... نوال نفسها... تلك المرأة التي استطاعت التلاعب بالكثيرين، والتي كنت أعرف جيدا كم يمكن أن تكون مخيفة وباردة عندما تريد الوصول إلى شيء.ومع ذلك، أمام مارسيلا كانت تتراجع خطوة بعد أخرى.. لم تكن مارسيلا تحتاج إلى تهديدها، و







