INICIAR SESIÓN461ابتعدت عن أحضان ليث ببطء، ثم نظرت حولي وأنا أحاول أن أستوعب المكان الذي كنت أقف فيه. كنت قد دخلت إلى هنا وأنا أفكر فقط في ليث واعتذاري له، لذلك لم أنتبه إلى تفاصيل المكان كما ينبغي، لكن الآن بعدما هدأ توتري قليلا، بدأت أراقب كل شيء من حولي... الشاشات المنتشرة على الجدران، والملفات الموضوعة فوق الطاولات، والرجال الذين كانوا يقفون خارج المكتب، وحتى الهدوء الغريب الذي يحيط بالمكان رغم وجود كل هذا العدد من الحراس... نظرت إلى ليث، ثم قلت وأنا أبتسم قليلا:ــ إذن هذا هو مقرك... أم يجب أن أقول مقر الدون؟نظر إليّ ليث، وظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه، ثم قال:ــ قولي ما تشائين.عدت أنظر حولي من جديد، لكن عيني توقفتا هذه المرة عند مجموعة الأسلحة الموضوعة في أحد الجوانب. اقتربت منها دون تفكير، فقد أثار وجودها فضولي، ومددت يدي نحو أحدها، لكن ليث أمسك يدي بسرعة وسحبها بعيدا قبل أن ألمسه: ــ لا.نظرت إليه باستغراب وقلت:ــ لماذا؟ــ لأنني لا أريدكِ أن تلمسيه.نظرت إلى السلاح مرة أخرى، ثم عدت إليه وقلت:ــ كل أفراد عائلة كاستيللو يعرفون استخدام السلاح، وأنا أيضا أريد أن أتعلم.نظر إليّ ليث للحظات
460مرّ يومان منذ خرج ليث من القصر، ومنذ ذلك الوقت لم يعد إلى المنزل ولو لساعات قليلة. في البداية حاولت أن أقنع نفسي بأنه سيعود عندما ينتهي من عمله، لكن اليوم الأول مرّ دون أن أراه، ثم جاء اليوم الثاني وأنا لا أزال أنتظر عودته. كلما اتصلت به وسألته أين هو، كان يجيبني بالجملة نفسها.. لدي عمل يا ملاك... ثم ينهي المكالمة، وكأنه لا يريد أن يدخل معي في أي حديث آخر... كنت أعرف أنه غاضب مني، ولم أكن أستطيع حتى أن ألومه على ذلك. كنت أتذكر كلماتي له في كل مرة، وخاصة عندما أخبرته أنه إذا حدث شيء لليان فستنتهي علاقتنا. كلما تذكرت الطريقة التي قلت بها ذلك، شعرت بالندم يزداد داخلي... كنت خائفة على ابنتي، نعم، لكنني أدركت الآن أنني ضغطت على ليث أكثر مما ينبغي، وأنني اخترت أسوأ الكلمات في الوقت الذي كان فيه يحمل بالفعل ما يكفي من الضغوط... في مساء اليوم الثاني، جلست في غرفتي وأنا أحدق في هاتفي، ثم وضعت يدي على وجهي بضيق. لم أعد أحتمل هذا البعد... يبدو ان ليث لن يعود.. وكنت أعرف أن المكان الذي يوجد فيه الآن ليس مكانا أستطيع دخوله ببساطة. إنه المكان الذي يجتمع فيه رجال المنظمة، المكان الذي طالما أخبرن
459في صباح اليوم التالي، استيقظت على صوت الحركة في القصر، وحين خرجت من غرفتي وجدت ليان تستعد للذهاب إلى المدرسة. كانت ترتدي ملابسها كاملة، وحقيبتها معلقة على كتفها، وميرا تساعدها في ترتيب بعض الأشياء داخل حقيبتها. توقفت للحظات وأنا أنظر إليها، وشعرت بانقباض في صدري بمجرد أن رأيتها مستعدة للخروج... منذ أن أخبرني ليث الليلة الماضية أن خاله يريد إيذاء عائلتنا، وأنا لا أستطيع التفكير في شيء آخر. حاولت أن أقنع نفسي بأنه لن يستطيع الوصول إلى ليان، وأن ليث لن يسمح لأي شخص بالاقتراب منها، لكنني كلما تذكرت ما حدث لي من قبل، وكيف فقدت طفلي بسبب هذا العالم، شعرت بأن خوفي ليس مبالغا فيه. ربما يرى الجميع أنني أبالغ الآن، لكن بالنسبة إليّ لم تعد فكرة الخطر مجرد احتمال بعيد، فأنا أعرف جيدا كيف يمكن أن يتحول كل شيء في لحظة واحدة إلى كارثة... اقتربت منهم وقلت بحزم:ــ ليان لن تذهب إلى المدرسة اليوم.التفت ليث إليّ فور سماع كلامي، ونظر إليّ بضيق واضح، بينما نظرت ميرا إليّ باستغراب وقالت:ــ لماذا يا ملاك؟ إنها ذاهبة إلى المدرسة كعادتها.هززت رأسي وقلت:ــ لا، لن تذهب. ابنتي ستبقى هنا معي.لم أكن أريد
458كان الليل قد انتصف منذ ساعات، وقصر كاستيللو غارقا في هدوء ثقيل لم أستطع الشعور بالراحة داخله. جلست في غرفتي فوق السرير، وعيناي معلقتان بالساعة بين الحين والآخر، بينما كان القلق يزداد داخلي كلما مر الوقت. منذ أن عدنا من قصر مونتيرو، اختفى ليث وريان ويزن، ولم أعرف إلى أين ذهبوا أو ما الذي حدث بعد أن همس ريان في أذن ليث قبل مغادرتنا. حاولت طوال الساعات الماضية أن أقنع نفسي بأن الأمر لا يستحق كل هذا القلق، لكنني لم أستطع تجاهل ذلك التغير المفاجئ الذي ظهر على وجه ليث في تلك اللحظة، وكأن الكلمات التي سمعها كانت كافية لقلب كل شيء في داخله. حتى عندما اتصلت بسارة وسألتها عن داميان، أخبرتني أنه غادر منذ ساعات أيضا، وأنها لا تعرف إلى أين ذهب، وهو ما جعل القلق في داخلي يتحول إلى خوف حقيقي. ماذا يحدث؟ ولماذا خرج الجميع في الوقت نفسه دون أن يخبرني أحد بأي شيء؟ بقيت أحدق في هاتفي للحظات، ثم وضعته إلى جواري وأنا أتنهد بتعب، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أغمض عيني من شدة الإرهاق، حتى غلبني النوم دون أن أدرك ذلك. .. لكنني استيقظت بعد وقت لم أعرف مدته على صوت حركة بالقرب من الباب، ففتحت عيني ببطء، ورأيت
457ما إن وقعت عيناي على ما حدث حتي رأيت أمرأة تقف أمامنا شعرت بجسدي ينتفض دون إرادة مني، فقد كانت نظراتها الغاضبة موجهة نحوي مباشرة، وكأن وجودي أمامها كان أمرا غير مقبول بالنسبة إليها.كانت في منتصف الخمسينات من عمرها تقريبا تقف بالقرب من مائدة الطعام وملامحها متجمدة في غضب واضح، بينما كانت تحدق بي بطريقة جعلتني أشعر بالتوتر رغم أنني لم أفعل شيئا. لم أفهم من تكون، ولا سبب نظراتها تلك، لكنني لم أحتاج إلى الانتظار طويلا حتى أجاب إلياس عن السؤال الذي دار في ذهني: ــ عمتي أليانا قالها بصوت بدا عليه التوتر، فانتقلت عيناي إليه للحظة، ثم عدت للنظر إلى المرأة... عمته... إذا هذه المرأة هي عمة إلياس، وهذا يعني أنها عمتي أنا أيضا.... لم أعرف ماذا أشعر في تلك اللحظة، فحتى الآن ما زلت أحاول استيعاب حقيقة أن لي عائلة لم أعرف عنها شيئا طوال سنوات حياتي، وها أنا أقف أمام واحدة من أفرادها التي لم تستقبلني حتى بنظرة ترحيب واحدة... بل على العكس...كانت تنظر إليّ وكأنني دخيلة على المكان...حتي قالت إليانا بغضب:ــ ماذا تفعلون؟ وكيف تقبلتم وجودها بينكم وكأنها ابنة أخي فعلا؟شعرت بالحرج للحظة، لكنني لم أ
456في اليوم التالي، وقفت أمام قصر مونتيرو وأنا أشعر بالتوتر يزداد داخلي كلما اقتربت من لحظة دخولي. كنت أعرف أنني سأرى لورينا بعد دقائق، لكن معرفتي بأنها أمي لم تجعل الأمر أسهل، بل جعلت كل شيء أكثر صعوبة. كنت أنظر إلى القصر بصمت، بينما كان ليث يقف إلى جواري، وقد أحاط يدي بيده وكأنه يشعر بما يدور داخلي... دخلنا معا، وكان معنا يزن ونازلي وميرا وكايل وليان ، كان إلياس موجودا أيضا، بينما بقيت صوفيا غائبة عن المكان... وقفت للحظات دون أن أعرف ماذا أفعل، أو كيف أبدأ الحديث، حتى لمحت لورينا تتجه نحوي، وما إن رأتني حتى أسرعت في خطواتها نحوي، ثم احتضنتني قبل أن أتمكن حتى من الاستعداد لذلك... تجمدت بين ذراعيها، ولم أعرف كيف أتصرف، بينما سمعتها تقول بصوت مرتجف من شدة فرحتها:ــ ابنتي... اشتقت إليكِ. لماذا تأخرتِ؟ازداد توتري، ولم أجد الكلمات التي كنت أظن طوال الليل أنني سأقولها. كنت أريد أن أخبرها أنني اشتقت إليها أيضا، وأنني طوال الوقت كنت أشعر بشيء غريب تجاهها دون أن أفهم سببه، لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقي... وهنا شعرت بيد ليث تستقر على كتفي، فالتفتّ إليه للحظة، ليقول لي بهدوء:ــ ملاك، والدت







