تحت جناح الجزار

تحت جناح الجزار

last updateLast Updated : 2026-06-04
By:  اسراء امينUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
3Chapters
23views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

في عالمٍ تحكمه الدماء، والتحالفات تُكتب بالبندقية والخيانة، تجد إيزابيلا روستوف، الابنة الذكية والهادئة لزعيم المافيا الإسبانية، نفسها في قلب عاصفة لا تهدأ. بعد سنوات من العداء الدموي بين عائلتها و"البراتفا" الروسية، تفرض الحربُ نفسها على الأبواب... حتى يُبرم اتفاق سلام مشروط بزيجة لا تشبه أي زواج آخر. زوجها؟ ميخائيل مالكوف، الملقب بـ"جزار البراتفا"، رجل لا يرحم، تنحني أمامه أعمدة السلطة في روسيا... رجل لا يعرف الشفقة، ولا يسمح بالاقتراب. عقد زواج كُتب بالحبر... لكنه موقَّع بالدم. من قصور إسبانيا المغمورة بالشمس إلى قلاع موسكو الجليدية، تُساق إيزابيلا إلى عالم مظلم لا يرحب بالغرباء، تحيط به الأعداء من كل صوب، وتكمن فيه الأسرار خلف كل باب مغلق... حتى زوجها نفسه يخفي أكثر مما يُظهر. لكن... ما لا يعرفه "جزار البراتفا" أن إيزابيلا ليست مجرد دمية سلام... بل هي عاصفة ناعمة، تقاتل بعقلها وحدسها، وتنتظر لحظتها. بين الكراهية والصمت، تنبت مشاعر لم يكن لها أن توجد. بين الثلج والنار... يولد شيء آخر.

View More

Chapter 1

1

المقابر كانت هادئة بشكلٍ يثير الريبة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لابتلاع المزيد من الأسرار.

وقفت إيزابيلا روستوف بجانب شقيقها فرانسيسكو أمام القبر الرخامي الأسود.

عليه اسم واحد فقط:

أوسكار روستوف

1996- 2024

ابنٌ أضاع كل شيء.

كانت الريح تداعب خصلات شعرها البني الفاتح، فيما عيناها ثابتتان على الحروف المنحوتة، دون دمعة، دون ارتعاش.

مرّ عامٌ على وفاته، ومع ذلك، الألم لم يَخمد، لكنّه تغيّر.

تحوّل من حزنٍ إلى خيبة. من فقدٍ إلى لعنة.

قال فرانسيسكو بصوتٍ خفيضٍ، يكاد يُبتلع مع أنفاس الريح:

"أتعلمين؟ لا أحد يزور هذا القبر غيرنا... حتى أبي لا يأتي."

ردّت، دون أن تنظر إليه:

"لأنه يعرف... أن أوسكار كان الخطأ الذي كلّفنا نصف العائلة."

من بين كل نساء إسبانيا، قرر أوسكار أن يقترب من المرأة الوحيدة التي لا يجوز لمس ظلها حتى.

زوجة أحد رجال البراتفا الروسية.

وفي عالمهم، النساء خطٌ أحمر، مقدسات. من يمسّهن... يُمحى.

في الليلة التي قُتل فيها أوسكار، لم تكن رصاصةً واحدة فقط.

كانت شرارةً أشعلت حربًا استمرت عامًا كاملاً، خُرست فيها الأرض من دويّ الانفجارات، وامتلأت شوارع المدن بجثث لا هوية لها.

الحرب التي خافها الجميع، بدأت... بسبب رجلٍ مستهتر، مهووس، لا يرى أبعد من رغباته.

قال فرانسيسكو وهو يعضّ على شفته السفلى:

"في النهاية، من سيدفع الثمن؟ نحن..."

ـ كانت السيارة تسير ببطء عبر الطرق الجبلية المؤدية إلى قصر عائلة روستوف.

الشمس تختبئ خلف الغيوم الرمادية، وكأنها تخجل من أن تضيء يومًا مثل هذا.

داخل السيارة، ساد صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت أنفاس فرانسيسكو المتقطعة.

نظرت إلى شقيقها دون أن تدير وجهها. فقط طرف عينيها كان كافيًا.

كان فرانسيسكو متوترًا، يحك أنامله في حركة عصبية. لم يكن جاهزًا لهذا العالم، رغم أنه نشأ فيه. كان جيدًا بالأرقام، بالعقارات، بالصفقات النقية - أما القتل، الدم، الاتفاقات التي تُكتب بالرصاص، فهذه كانت بعيدة عن طبعه.

قالت بنبرة هادئة لكنها باردة:

"كان أوسكار أحمقاً."

لم يجب. فقط ازدرد ريقه بصمت.

تابعت بصوت منخفض بالكاد يُسمع:

"من بين كل النساء في إسبانيا، قرر أن يتعدى على واحدة تنتمي للروس؟ كان يعرف القاعدة... لا أحد يقترب من نسائهم. أبداً."

فرانسيسكو تمتم أخيرًا:

"أعرف... لكنه كان شقيقنا، إيزا."

نظرت أمامها، عينيها تركزان على اللا شيء، وقالت:

"وكان يجب أن يكون أذكى."

لكن الأحمق لعب مع البراتفا.

الاسم وحده يكفي ليُثقل الأكتاف.

إنهم لا ينسون، لا يسامحون، ولا يفاوضون إلا عندما يكون الموت على وشك أن يبدأ.

"ميخائيل مالكوف..."

زعيم البراتفا، الاسم وحده ارتجف في عقلها.

لم تكن قد رأته. لم يُظهر نفسه، وهذا بحد ذاته كان رسالة. جزار البراتفا لا يزور الموتى... بل يصنعهم.

فكّرت إيزابيلا، وهي تراقب بوابات القصر.

هل سيُكتب هذا السلام بمداد العقل... أم بالدم؟

وهل يمكن لشيء كالاتفاق مع الروس أن يُنهي شيئًا بدأ بخطأ رجل ميت؟

الطريق كان يضيق أكثر كلما اقتربوا من القصر، كما لو أنه يدفعهم نحو مصير محتوم.

____________________________________

القاعة الكبرى في قصر آل روستوف كانت مهيبة، بأعمدتها العالية، وسقفها المرسوم بريشة فنان إيطالي شهير. لكنها الليلة لم تكن مجرد قاعة ملكية... بل ساحة معركة من نوع مختلف.

جلس كبار عائلة المافيا الإسبانية إلى الجانب الأيسر من الطاولة الطويلة اللامعة، يتصدرهم أليخاندرو روستوف، الأب، ورأس العائلة الذي لم تهتز صورته رغم موت ابنه. على يمينه جلس راؤول، الوريث المنتظر، بنظرته القاسية والفك المشدود. وعلى يساره محامٍ مُخضرم، يسجل كل كلمة وكأنها شهادة ستُقرأ يوم القيامة.

في الجهة المقابلة، جلس الوفد الروسي... أربع رجال ببدلات داكنة، وجوههم جامدة كالصخر، تنطق بالعدمية والقسوة. في منتصفهم كان ديمتري مالكوف، شقيق ميخائيل، ومستشاره الأقرب. رجل لا يبتسم، لا يرفع صوته، لكنه يملك قدرة فطرية على جعل القاعة بأكملها تصغي عندما يتكلم.

عمّ الصمت لوهلة، حتى قال ديمتري، بصوته العميق المشبع بثقل اللغة الروسية:

"نحن هنا... ليس لأننا نسامح. بل لأننا لا نهدر وقتنا على الأحمق. دماء سُفكت، نعم، لكن أحمقكم حاول الاعتداء على شرف امرأة تنتمي لعائلتنا. وبراتفا لا تنسى."

تحرّك أليخاندرو في مقعده بصبر متماسك، وقال بهدوء:

"لقد قتل على يد زوج المرأة، ولم يعد هناك ما ننتقم له."

رمقه ديمتري بنظرة هادئة لكنها قاتلة. ثم قال:

"الدم لا يُغسل بالكلمات يا سيد روستوف... بل بالعهود."

تدخل المحامي الإسباني بسرعة:

"ولهذا نحن هنا. لنضع أساس اتفاق... ينهي هذا التوتر، ويمنع تصاعد الأمور إلى ما هو أبعد."

نظر ديمتري إلى راؤول، ثم إلى أليخاندرو، ثم قال:

"نحن نقترح اتفاق زواج. دم من عائلتكم... يُربط بدمنا. هكذا نُغلق الدائرة، ونعيد التوازن."

ساد صمت ثقيل. حتى صوت عقارب الساعة الكبيرة بدا أعلى من المعتاد.

قال راؤول بنبرة مشدودة:

"ومن الطرف المقابل في عائلتكم؟"

ابتسم ديمتري... للمرة الأولى. ابتسامة خفيفة، لكنها غير مطمئنة. وقال:

"الزعيم نفسه."

همس المحامي الإسباني: "ميخائيل مالكوف؟"

رد ديمتري بثقة:

"الجزار، نعم."

ارتجّت الطاولة تحت يد راؤول التي اشتدت فوقها، لكن أليخاندرو رفع يده ببطء وكأنه يُسكت الجميع.

"ومن المرأة؟" سأل أليخاندرو.

نظر ديمتري إليه مباشرة... ثم قال دون تردد:

"ابنتك."

بهدوء قاتل، عمّ الصمت أرجاء القاعة كما لو أن الجميع توقف عن التنفس.

رفع أليخاندرو نظره نحو ديمتري، يحدّق فيه نظرة طويلة عميقة، كأنه يُحاول اختراق هدوئه الماكر، أو قراءة ما خلف كلماته... لكنه لم يجد شيئًا. الروسي كان كالجدار، لا يظهر عليه شيء مما بداخله.

ثم قال بصوت خافت، يحمل ثقلاً دفينًا:

"تريدون ابنتي... مقابل السلام؟"

أجابه ديمتري بنفس النبرة، لكن بنغمة حاسمة:

"نحن لا نأخذ النساء كرهائن يا سيد روستوف. نحن نربط الدم بالدم، لحماية ما تبقى من العقل في هذا العالم. المرأة التي ستكون زوجة زعيم البراتفا... ستكون ملكة، لكن أيضاً رهينة عهد. عهد مقدّس، لا يُكسر."

ارتفعت أنفاس راؤول بجانبه، كأن صدره يشتعل بنار مكبوتة.

"إيزابيلا ليست للبيع." قالها بصوتٍ منخفضٍ لكنه مسموم، وكأنه يُقاتل شبح أوسكار الذي جرّ العائلة كلها لهذا الجحيم.

ديمتري لم يرد. اكتفى بتمرير نظره على وجه راؤول، ثم عاد بعينيه نحو أليخاندرو قائلاً:

"لستم في موقع الرفض يا سيد روستوف. نحن نعرض السلام، لا نتوسل إليه."

ساد صمت ثقيل، لم يجرؤ أحد على كسره.

ثم قال أليخاندرو أخيرًا، كأنه يُخاطب نفسه:

"هي آخر أولادي..."

وضع كفه فوق الطاولة، ومرّر أصابعه ببطء عليها، ثم تابع:

"لكنني أعرف ما الذي يمكن للروس فعله، إذا اختاروا الحرب. وأنا لم أعد في سن أسمح فيه للقبور أن تُفتَح على اسمي."

نظرت الوفد لبعضها... كلمات الرجل كانت تميل نحو القبول، لكنها لم تكن تأكيدًا بعد.

تحدث المحامي الإسباني بحذر:

"سيد مالكوف، لا بد أن تُعرض الشروط بوضوح. إن تم الزواج... ما الذي يحصل عليه آل روستوف مقابل التضحية بإبنة العائلة؟"

أجاب ديمتري:

"تحالف اقتصادي. حماية كاملة من البراتفا. فتح الأسواق الشرقية لكم... والأهم، وعد شرف من الزعيم نفسه أن دم إسبانيًّا لن يُراق، ما دامت العروس باقية في هذا التحالف."

ابتسم بخفة، وأكمل:

"أما إن رُفض العرض... فالجزار لا يفاوض مرتين."

عندها، تنفس أليخاندرو بعمق... ثم نظر إلى الباب الموصد خلفهم. وكأن نظراته عبرت من خلاله نحو الطابق العلوي... نحو ابنته، التي لم تكن تعرف أن مصيرها قد كُتب لتوّه.

____________________________________

في المساء، خيّم على القصر هدوء ثقيل يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة... أو ربما، تلك العاصفة قد حلّت فعلاً، لكنها كانت تسير بخطى ناعمة، لا تُسمع.

غادرت الوفود الروسية قبل ساعة، تاركة خلفها أثرًا باردًا في الجدران، كأن المكان تنفّس رائحة الحديد والدم.

تناولت إيزابيلا عشاءها بصمت في غرفة الطعام، تحت نظرات خفيّة من الخدم، وأخرى قلقة من جيني الحارسة الشخصية، التي بقيت تراقب مزاجها المتوتر دون أن تنبس بكلمة.

كانت تعلم أن شيئاً ما تغير... لم تكن بحاجة لمن يخبرها.

قبل أن تنهض عن الطاولة، اقترب منها أحد الحراس وهمس:

"السيد أليخاندرو يطلبكِ في مكتبه الآن، آنسة."

نهضت ببطء، وضعت المنديل بجانب طبقها، ثم مشت بخطى ثابتة رغم الصراع الذي بدأ يتململ في أعماقها.

باب المكتب كان مفتوحًا جزئيًا، ونور خافت يتسلل من الداخل.

طرقت بخفة.

"ادخلي."

جاء صوته متعبًا، هادئًا، ومليئًا بما لم يقله بعد.

دخلت، وأغلقت الباب خلفها.

كان والدها يجلس خلف مكتبه الخشبي العريق، نصفه مغمور في الظل، والآخر مضاء بمصباح أصفر دافئ. كأس من الكونياك في يده، والملف المفتوح أمامه لا يبدو وكأنه يقرأه فعلاً.

جلست بهدوء على الكرسي المقابل له، وانتظرته.

لم ينظر إليها على الفور، بل قال وهو يُحرّك الكأس ببطء:

"هل تعلمين كم مرة اضطررت فيها للتضحية؟"

صمتت.

كان هذا النوع من الأسئلة لا يتطلّب إجابة... بل استعدادًا لسماع ما بعدها.

رفع عينيه أخيرًا ونظر إليها.

كانت نظرة رجلٍ يعرف أنه على وشك أن يخسر شيئًا لا يمكن تعويضه.

"إيزابيلا... الأمور خرجت عن السيطرة. وأخوكِ... دفع الثمن."

لم تكن بحاجة لسماع التفاصيل. هي تعرف.

"والآن، علينا نحن أن ندفع الثمن المتبقي."

صوته كان ثابتًا، لكن في أعماقه... كان ينهار.

همست، دون أن تحرّك جسدها:

"ماذا فعلت؟"

أغلق الملف أمامه ببطء، ورفع الكأس إلى شفتيه، ثم وضعه جانبًا.

"عرضوا السلام... مقابل الزواج. زواجكِ، من زعيم البراتفا نفسه."

شهقت بصوت لم يخرج.

كأن الهواء ذاته رفض أن يحمل رد فعلها.

"ميخائيل مالكوف؟"

قالت اسمه كما يُقال اسم الشيطان، كمن لا يصدق أن الحياة قد تُلقي بها إلى فم الوحش.

"إنه... الحل الوحيد لإيقاف هذه الحرب. وصدقيني، يا صغيرتي، الحرب مع الروس... لا أحد ينجو منها."

أغلقت عينيها للحظة. لم تبكِ. لم تصرخ. فقط، شحبت ملامحها وارتعشت يدها المرتخية فوق ساقها.

"هل قبلت؟"

سألت بصوت خافت، أشبه بجنازة صغيرة.

قال بهدوء قاتل:

"لم أوافق بعد. لكن... يجب أن أعرف قرارك قبل طلوع الصباح."

ساد صمت ثقيل بينهما، كما لو أن المكتب بأكمله تجمّد في لحظة واحدة.

حدّقت به إيزابيلا طويلاً... لم تقل شيئاً. فقط نظرت إليه، بعينين تحملان آلاف الكلمات التي اختنقت في صدرها.

هو يعرف هذا الصمت. يعرف أنها تُفكر... تزن الأمور بدقة، بحذر، كما كانت تفعل منذ طفولتها. لم تكن يومًا ابنة سهلة الانقياد. ولم تكن حمقاء.

رفعت عينيها نحوه أخيرًا، وصوتها خرج هادئًا، وباردًا كنسيم ليليٍّ لا يُكشف مكنونه:

"ولِمَ أنا؟"

رمش أليخاندرو ببطء، مستوعبًا السؤال.

"أعني... لديك ابنة أخرى، لوسيا... تكبرني بثلاثة أعوام، وتعيش خارج هذا الجحيم... لمَ لم تخترها أنت؟ أليست الأقرب سنًا إلى فكرة الزواج؟"

تنفّس بعمق، ثم نظر إلى ابنته مباشرة، كأنّه يحاول تبرير جريمة كان يعرف أنه سيُحاسب عليها، ليس اليوم، بل في قلبها... دائمًا.

"لوسيا كانت دائمًا في مكان آخر، إيزابيلا. عاشت مع والدتها، في هدوء... بعيدًا عن هذا العالم. لم تعرف شيئًا عن الصفقات، ولا الدم، ولا القوانين التي نحيا ونموت لأجلها.

لم تكن يومًا جزءًا من اللعبة."

ضحكت... بسخرية خفيفة، مريرة، وهي تُشيح بوجهها قليلًا.

"فتُضحي بي... لتحميها."

كان بإمكانه أن ينفي، أن يدافع، أن يكذب.

لكنه لم يفعل. فقط قال، بصوتٍ أكثر صدقًا مما توقعت:

"أُحاول أن أحميكم جميعًا، بطرق مختلفة."

نظرت إليه مجددًا، نظرة هادئة، لكنها تخرق العمق.

"وهذه هي طريقتك في حمايتي؟ أن تسلمني لذئب روسي قاتل؟"

لم يغضب. لم يرفع صوته.

بل وضع يديه فوق المكتب، وأمال جسده قليلاً نحوها.

"ميخائيل مالكوف ليس مجرد قاتل... إنه رأس الوحش. وإن لم نصافحه، فسيفتح فمه ويبتلعنا جميعًا. فرانسيسكو، راؤول، لوسيا، أنتِ... ما فعله أوسكار جلب علينا لعنة... وإما أن نُقدم السلام، أو نستعد لمذبحة لن تنتهي إلا ونحن جثث فوق الأرض."

صمت مرة أخرى، ثم أردف، بنبرة منخفضة، لكنها تحمل كل ثقله كأب، وكزعيم:

"هل تعلمين ماذا سيحدث لو رفضنا الصفقة؟ سيرسل مالكوف رجاله واحدًا تلو الآخر... وسنراهم يسقطون، كل منّا، كل من نُحب. هذا ليس تهديدًا... هذه الحقيقة الوحيدة التي أعرفها."

ظلت صامتة لثوانٍ طويلة.

ثم تنهدت ببطء، وأسندت ظهرها إلى الكرسي... كأنها استوعبت ما لا يُقال.

"وهل تعتقد أنهم سيتوقفون فعلاً إن تزوجته؟"

قال بنبرة أكثر تعقّلًا:

"أعتقد... أنهم سيمنحوننا وقتًا كافيًا لنُعيد بناء ما كُسر.

وأعلم... أن لا أحد سواكِ يمكنه التفاوض مع الوحش دون أن يُؤكل."

نظرت إليه هذه المرة نظرة مختلفة... ليست غضبًا، ولا استسلامًا.

بل نظرة من تعرف قدرها... وتعرف الثمن الذي فُرض عليها دفعه.

"سأفكر... وأُعطيك جوابي قبل الفجر."

ثم نهضت بهدوء، استدارت، وسارت نحو الباب بخطى ثابتة.

وفي اللحظة التي لامست فيها يدها مقبض الباب، توقفت للحظة، دون أن تلتفت:

"ليت لوسيا كانت تعرف... كم هي محظوظة لأنها لم تكن جزءًا من هذه العائلة."

وخرجت.

____________________________

ـ دخلت إيزابيلا غرفتها بخطى هادئة، يرافقها صمتٌ ثقيل يضغط على صدرها أكثر من أي كلمات قيلت هذا اليوم.

أغلقت الباب خلفها بلطف، ثم استندت إليه للحظة، كأنها تحتاج لدقيقة من السكون قبل أن تواجه وحدتها.

الغرفة واسعة، أنيقة، تغمرها لمسة دافئة من الذوق الكلاسيكي الذي أحبته دائمًا. الستائر المخملية تتحرك بهدوء مع نسيم المساء، والضوء الخافت القادم من المصابيح الجانبية يعكس ظلها على الجدران.

خطت نحو سريرها ببطء، جلست على طرفه، وأراحت يديها على حجرها.

كان قلبها يخفق بإيقاع تعرفه جيدًا... ليس خوفًا، بل تلك الخفقات الضعيفة، المترددة، التي تعلم تمامًا أنها ليست مجرد مشاعر.

لقد ورثته منها.

أمها.

وجه بالكاد تتذكره إلا من الصور... وابتسامة باهتة علقت في ذاكرة الطفولة.

ماتت وهي في الثالثة من عمرها، بعد سنوات من المرض، من قلب هشّ لم يحتمل الخيانة ولا الإنهاك.

لم تكن تعرف الكثير من التفاصيل في صغرها، لكن حين كبرت، وعرفت أن أباها أنجب طفلة من امرأة أخرى أثناء زواجه، فهمت كل شيء.

كم كانت أمها هشة... وكم كان العالم قاسيًا عليها.

لديها ضعف وراثي في عضلة القلب.

"مثل والدتك"، قال الطبيب.

ومنذ تلك اللحظة، صار نبض قلبها يحمل ذكراها.

لكن لا أحد يعلم. لا أبيها، لا إخوتها، لا أحد.

أخفت الأمر، كما أخفت دائمًا أوجاعها.

كانت تعرف أن المرض في عائلتهم يُخفيه الرجال خلف القوة، وتخفيه النساء خلف الكبرياء.

درست في أفضل الجامعات، نالت شهادات لم يحلم بها أبناء رجال المافيا.

وكان أبوها فخورًا، دون أن يقول ذلك كثيرًا.

ترك لها الحرية... ضمن قواعد.

لطالما كانت تعرف القواعد:

لا تُعرضي العائلة للخطر.

لا تتركي للضعف مكانًا فيك.

لا تكسري صورتي أمام أحد.

وقد أطاعته.

ليس لأنه أجبرها، بل لأنها لم ترد أن تخذله.

لأنه، رغم كل شيء... كان زعيمها، وأبيها.

سارت ببطء نحو النافذة، فتحتها قليلاً، وأغمضت عينيها وهي تستنشق نسمات الليل.

لوسيا... لم تكن يومًا جزءًا من هذه الفوضى.

رأتها عدة مرات في السنوات الماضية، في مناسبات رسمية، زيارات مقتضبة، نظرات متباعدة.

لم يربط بينهما شيء.

لا الغيرة، ولا الحقد... فقط اختلاف المسارات.

كل واحدة اختارت عالمًا لا يتقاطع مع الأخرى.

لكن الليلة، وفي هذا الصمت، تمنت إيزابيلا، للمرة الأولى،

أن لو كانت مكانها.

أن تعيش خارج هذا القصر، خارج قوانينه، بعيدًا عن الدم، بعيدًا عن صفقات الشرف، وبنادق الرجال، ونظرات الحرس المتجهمة.

أرادت فقط... أن تُمنح الخيار.

لكنها لم تُمنح شيئًا.

ولذا ستفعل... ما تفعله دائمًا.

ستلتزم بالقواعد.

جلست إيزابيلا أمام مرآتها، تدقق في انعكاس وجهها كما لو كانت تبحث عن شيء ما بين قسماته.

يدها امتدت ببطء إلى خصلات شعرها، وبدأت تفك عقدته بعناية، تُنزل جدائلها البنية على كتفيها. كل حركة تقوم بها، كل تنهيدة، كانت هادئة، لكنها مشحونة بالكثير من المشاعر التي لا تجد طريقًا للخروج.

في داخلها، صراع لا صوت له... فقط خفقات قلبٍ يحذرها من كل خطوة، وكل قرار.

تمتمت بخفوت:

"زواج سياسي... من رجل لا أعرفه... فقط لأن أحدهم لم يعرف كيف يسيطر على شهوته."

رفعت عينيها مجددًا للمرآة، ونظرت بعمق في انعكاسها.

لم تكن تبكي...

إيزابيلا لا تبكي.

لكنها كانت تشعر بشيء غريب، خليط من الوحدة، والخذلان، والهدوء الذي يسبق العاصفة.

لطالما كانت عقلانية.

لطالما أخضعت قلبها للصمت.

لكن ما يُطلب منها الآن، لم يكن بسيطًا.

أن تُمنح لرجل غريب، باسم السلام.

أن تُسلم إلى عائلة عدوة، باسم الصفقة.

أن تُضحّي بحريتها، باسم العائلة.

هل هذه حقًا مهمتها؟

أن تكون دائماً القطعة التي تُحرّك على رقعة الشطرنج عندما تضيق الخيارات؟

أغمضت عينيها.

تذكّرت طفولتها.

ركضها بين أروقة القصر، صوت ضحكتها حين كانت تُمسك بيد أبيها وهو يمازحها.

ذلك الوقت الذي كان كل شيء فيه بسيطًا... وآمنًا.

قال لها مرة:

"عندما تكبرين، ستفهمين أن هناك واجبات على أبناء الزعماء."

ويبدو... أنها كبرت الآن.

استقامت واقفة، بخطى رصينة، ووقفت أمام نافذتها مجددًا.

الليل أسدل ستاره، والسماء تلمع بنجوم بعيدة، كأنها تنظر إليها من عوالم أخرى.

قالت لنفسها بهدوء:

"إذا كان لا مفر... فليكن بشروطي."

إيزابيلا لم تكن أبداً فتاة تُقاد دون وعي، ولن تكون.

قد تدخل هذا التحالف، لكنها ستفعلها بعينيها المفتوحتين، بعقلها، بحكمتها... لا بخنوع.

ربما الروس أقوياء، واسم ميخائيل مالكوف يثير الرهبة...

لكنها لم تكن ضعيفة.

لا أحد يعرف من تكون... بعد.

___________________

دُفَت باب المكتب بهدوء، ودخلت إيزابيلا بخطوات واثقة، شعرها الطويل مسدَل على كتفيها، ووجهها يحمل تلك الصرامة الهادئة التي ورثتها عن والدها. كان أليخاندرو جالسًا خلف مكتبه، كوب نبيذ نصف ممتلئ أمامه، وسحابة من الأفكار الثقيلة تملأ الغرفة.

رفعت نظرها نحوه بثبات، ثم قالت بهدوء:

"وافقت."

رفع أليخاندرو عينيه ببطء إليها، وكأن الكلمة لم تكن كافية لتفسير شيء. لم يُجب، فقط انتظر.

أضافت بصوت واضح:

"لكن بشروطي."

ارتكز بكفيه على المكتب، وكأنه يستعد لسماع ما قد يُربك الصفقة برمتها. لكنه لم يقاطعها.

"أولاً، سيرافقني حارسي الشخصيان: سيرجيو، وجيني. لن أذهب وحدي إلى أرضهم."

أومأ ببطء. منطقي.

"ثانيًا، أرفض أن أُستخدم كورقة ضغط، أو وسيلة ابتزاز، سواء ضدك، أو ضد إسبانيا."

انعقد حاجباه قليلاً، لكنه لم يعترض.

"ثالثًا، بند إلغاء. إن تعرّضت لأي إساءة جسدية، يحق لي الانفصال دون أي عواقب دموية. وبلا وصمة."

تنفس بعمق، تحركت يده نحو الكوب ثم ابتعدت.

"رابعًا، أريد تفاصيل مقتل أوسكار. من فعلها؟ أريد الحقيقة الكاملة قبل توقيع أي اتفاق."

صمت، ثم قال أخيرًا:

"أكملي."

"خامسًا، عملي كرسّامة لن يُمس. سأواصل الرسم هناك، وأشارك أعمالي. لن أُحبس خلف جدران قصرهم."

أومأ بتقدير هذه النقطة. يعرف جيدًا كم تعني لها حرية الإبداع.

"سادسًا، لن أكون جزءًا من أي خلاف مستقبلي بين العائلتين. لن أقاتل ضد عائلتي. لن أُجبر على اتخاذ مواقف سياسية لصالح أحدهم."

"مفهوم..."

"سابعًا، خصوصيتي تُحترم. لا علاقة جسدية مفروضة. حين أقرر، سيكون بقراري أنا."

ثم، وأخيرًا، أنهت بهدوء:

"ثامنًا، تُوثّق هذه الشروط كلها في عقد رسمي، موقّع من الطرفين، أمام الشهود."

ظل أليخاندرو صامتًا لدقائق. يُحدق في ابنته كما لو كان يراها للمرة الأولى. لم يكن هذا حديث فتاة، بل امرأة تعرف تمامًا كيف تدخل النار دون أن تحترق.

تنهد، ثم قال:

"لن يُعجبهم هذا... خاصّة الروس."

فردت بهدوء دون تردد:

"إذًا لا يريدون السلام... بل يطلبون أداة. وأنا لست كذلك."

ظل يحدق فيها، ثم انفرجت شفتاه أخيرًا بابتسامة شاحبة، شبه مرّة:

"أعرفك جيدًا، إيزابيلا... سأخبرهم."

____________________________________

روسيا - قصر عائلة مالكوف - قاعة الاجتماعات الرئيسية.

ضوء الصباح الكئيب تسلل عبر الزجاج السميك للقاعة الطويلة ذات السقف العالي، وقد انعكست ظلال الرجال الجالسين حول الطاولة البيضاوية الكبيرة كأشباح تنتظر من يُشعل فتيل الغضب.

عائلة مالكوف مجتمعون.

رجالها الأقوياء، ذوو النظرات الحادة والوجوه القاسية، يجلسون على مقاعدهم الجلدية الفاخرة، أمامهم نسخ من الشروط الثمانية التي وصلت من الطرف الإسباني. وبين سطورها، كان يتردد صدى امرأة لم تكن عادية.

سُمع أول اعتراض بصوت خشن متوتر:

"إنها شروط تعجيزية، لسنا من يُملى عليه شروطًا!"

تبعه آخر بصوت ساخر:

"هل نسيوا أنهم الطرف الأضعف؟ إنهم يطلبون النجاة منّا، لا العكس."

رجل ثالث قال بحدة وهو يرمي الورقة أمامه:

"بند الإلغاء؟ الطلاق بدون عواقب؟ كأنها تتزوج من أجل الرفاهية، لا التحالف!"

ثم نهض رابعهم وقد احمرّ وجهه:

"وترفض العلاقة الجسدية؟ أي زواج هذا؟ نحن لا نأخذ نساءنا بهذه الطريقة!"

ارتفعت الهمهمات، وتبادل الرجال النظرات المستاءة، بعضهم صفع الورقة على الطاولة، وآخر هزّ رأسه بغضب.

ثم، وبصوت منخفض وهادئ كالماء الجاري فوق صخر، قال أحد الرجال الجالسين في الطرف:

"أنا لا أرى فيها تعجيزاً... بل فهماً دقيقاً لما تطلبه فتاة ستُرسل إلى أرض الأعداء."

ساد الصمت المفاجئ للحظة.

"من منا سيرسل ابنته دون ضمانات؟ من منا يضمن أن لا تُستخدم كورقة مساومة إذا فشل الاتفاق؟"

توقف الجميع، ثم التفتت الأنظار ببطء إلى الرجل الذي كان يجلس في صدر الطاولة...

ميخائيل مالكوف.

طويل القامة، ضخم الجسد كجبل من الجليد الروسي، بشرة برونزية تتماشى مع سواد روحه. أنفه الحاد وفكه المربّع يعكسان شراسة مقاتل قديم، فيما كانت عيناه الذهبية الغريبة تلمعان بوميض متوحش، لا يُشبه البشر كثيرًا.

جلس ساكنًا. لم يتكلم. لم يرمش.

كان صمته أشد وقعًا من صراخهم.

يداه الكبيرتان مشبوكتان أمامه على الطاولة، ظهره مستقيم كالحدّ، هدوءه قاتل، كأنه رجل يقيس نبض المعركة دون أن يُحرّك سيفه.

مرت لحظات وهم ينتظرون كلمته. لم يتحدث.

لكن نظراته فقط كانت تكفي. تنقل عينيه بين الوجوه واحدة تلو الأخرى، كما لو كان يقيس ضعفهم، خيانتهم المحتملة، واستعدادهم للركوع أو القتال.

أخيرًا، أمال رأسه قليلاً، وصوته خرج عميقًا، حادًا، وكأن صخرة تحطمت وسط بركة ماء:

"المرأة التي تفهم قواعد الحرب... تستحق أن يُحسب لها ألف حساب."

ساد الصمت. ثم أضاف، ببطء:

"دعوا الشروط جانباً. أريد أن أراها أولاً."

________________________

كانت إيزابيلا جالسة قرب نافذتها الواسعة، ترسم شيئاً بالكاد تركز عليه. ألوانها باهتة اليوم، كما لو أن قلبها فقد نَبض الإلهام. لكن الطرق على باب جناحها قطع عليها خيط أفكارها.

فتحت الباب جيني، ووراءها وقف الحارس سيرجيو، بتعبير جامد كعادته. تقدّم خطوة وقال بصوته المنخفض:

"السيد أليخاندرو يطلب حضورك حالاً، آنسة."

رفعت حاجبها بدهشة خفيفة، لكنها لم تسأل. فقط وضعت فرشاتها جانباً، ومسحت يدها، وتبعتهم بصمت.

في مكتب والدها، وقف وهو ينظر إلى النافذة، ويده خلف ظهره.

ما إن دخلت حتى استدار إليها، بعينين أقل قسوة من الأمس. جلس على كرسيه، وأشار لها بالجلوس.

"لقد وصلتني الردود." قال بهدوء.

نظرت إليه بعينين متسائلتين، لم تتكلم.

"وافقوا... مبدئياً." نطقها كمن يُلقي حجراً في بحيرة راكدة.

"كل الشروط؟" همست وكأنها لا تصدق.

هز رأسه ببطء.

"ليست كلها، لكنهم لم يرفضوا أيًا منها أيضاً. لقد قرروا مناقشتها مباشرةً... معك."

تقلصت عضلات قلبها فجأة.

"معي؟"

"ميخائيل مالكوف... سيأتي لرؤيتك غداً صباحاً. يريد لقاءك شخصياً."

صمتت.

كأن الهواء غادر صدرها للحظات. شعرت بارتجافة صغيرة تسري في أطراف أصابعها، حاولت إخفاءها بضمّ يديها في حجرها.

سمعت اسمه عشرات المرات، في الأحاديث التي تُقال خلف الأبواب، في ملفات المخابرات، في نظرات رجال أبيها حين يُذكر.

رجل لا يُبتسم، ولا يتراجع، ولا يُسامح.

"غداً؟" قالتها بصوت خافت.

"نعم، وسيكون اللقاء داخل القصر. لن تكوني وحدك. لكن... كوني مستعدة، إيزابيلا. هذا الرجل لا يُشبه أحدًا التقيتِ به من قبل."

نظرت إلى والدها للحظات، ثم أومأت برأسها دون كلمة، وخرجت.

لكن داخلها؟

كان هناك شيء يتحرك لأول مرة منذ زمن طويل.

خوف؟

لا، لم يكن خوفًا.

بل قلقٌ غامضٌ بارد... كما لو كانت على وشك الوقوف على حافة جبل لا ترى نهايته.

خطوات إيزابيلا كانت بطيئة وهي تقترب من باب غرفة شقيقها. لم تكن تزوره كثيراً... فرانسيسكو، الابن الأوسط، ظل دائما في دائرة بعيداً عن الأعين.

ليس مثل راؤول الذي ظل في دائرة الوريث، محاطاً بالسياسة والملفات والاتصالات السرية. لكن فرانسيسكو كان الأهدأ، والأكثر اتزاناً بين إخوتها. وهي، الليلة... كانت بحاجة لهذا الاتزان.

طرقت الباب بخفة.

"ادخلي." جاء صوته من الداخل، هادئاً كما اعتادت.

فتحت الباب، ودخلت بهدوء. كان جالسًا إلى مكتبه، أوراق مبعثرة، شاشة حاسوبه مضاءة، لكن حين رآها، رفع نظره فوراً. لم تزر غرفته هكذا من قبل.

"إيزابيلا؟" قالها باستغراب لطيف.

"هل أزعجك؟" سألت، وهي تتقدم نحوه بخطى مترددة.

هز رأسه بابتسامة ناعمة، وأغلق حاسوبه. "أبدًا. تعالي."

جلست أمامه بصمت. لثوانٍ كانت تبحث عن الكلمات.

"أخبرني أبي أن ميخائيل مالكوف سيأتي لرؤيتي غدًا." قالتها أخيرًا، بصوت خافت.

ارتفع حاجباه قليلاً، لكن ملامحه بقيت هادئة.

"وافق الروس."

أومأت ببطء.

"وأنتِ؟"

نظرت إليه، نظرة طويلة، ثم همست:

"أنا... وافقت. بشروطي."

ظل ينظر إليها دون تعليق لثوانٍ. ثم تنهد، وقال:

"أنتِ أذكى مما يتوقعه الجميع، إيزابيلا. حتى أنا أحيانًا أنسى كم صرتِ قوية."

ارتسم ظل ابتسامة على شفتيها.

"لكن رغم ذلك..." تابعت، "أنا خائفة."

أراح فرانسيسكو ذراعيه على الطاولة، وانحنى قليلاً نحوها. "الخوف ليس عيبًا. خاصة وأنتِ تقفين أمام زلزال مثل ميخائيل."

"هل تعرفه؟"

"قرأت عنه أكثر. رجل يملك حضورًا يسبق صوته... وسمعته تسبقه بأميال. لكنه، عكس ما تتصورين، ليس همجيًا. إنه... يحسب كل خطوة. وهذه النوعية من الرجال، إما تكون نعمة... أو نقمة."

نظرت إليه، فقالت بصوت منخفض:

"أشعر أنني أُلقى في وسط عاصفة لا أعرف نهايتها."

"ربما." قال، ثم تابع: "لكن ثقي بشيء واحد، إيزابيلا. أنتِ لا تُلقى، أنتِ تختارين. وهذا وحده... قوة."

ابتسمت برقة، أخف قليلاً من ثقل في صدرها.

"ابقَ قريبًا مني غدًا، فرانسيسكو." همست.

"لن أكون بعيدًا." قال بابتسامة دافئة، ونظرته تلك التي لطالما شعرت معها بالأمان.

*. *. *. *. *.

لم تنم تلك الليلة.

تقلبت فوق سريرها، بين صمت الغرفة وثقل الانتظار. لم يكن الخوف هو ما يُبقيها مستيقظة، بل ذلك الحذر المتقد، الذي يُنذرها بأنها على وشك عبور بوابة لا عودة منها. لقاء شخصي مع ميخائيل مالكوف لم يكن مجرد لقاء. إنه اختبار... توازن دقيق بين الثبات والذكاء، بين الكبرياء والدهاء.

عند الفجر، نهضت بهدوء، وتوجهت إلى الحمام. الماء البارد لم يوقظ جسدها فقط، بل جمّد ارتجاف قلبها. وقفت أمام مرآتها، تُحدّق في انعكاس وجهها كما فعلت البارحة. هذه المرة لم تبحث عن الضعف، بل عن ما يُشبه درعًا خلف الملامح.

اختارت ملابسها بعناية. فستانًا كريمي اللون، بسيطًا لكنه راقٍ، بأكمام طويلة وياقة أنيقة تكشف عن عنقها بفخر، لا بإغراء. لم يكن وقت التفاخر... بل وقت الهيبة. زينت خصرها بحزام جلدي بلون القهوة، ورفعت شعرها نصف رفعة، تاركة خصلات ناعمة تنسدل على جانبي وجهها.

وضعت عطرها المعتاد... رائحة ياسمين خفيفة، هادئة كأنها توقيعها الخاص. ثم جلست على كرسيها، وتنفست بعمق.

دخلت جيني، بصمت معتاد، لكنها توقفت لبرهة حين رأتها.

"تبدين... قوية." قالتها دون مجاملة.

ابتسمت إيزابيلا ابتسامة باهتة، وردت:

"أنا فقط... جاهزة."

رافقتها جيني بصمت إلى الأسفل، حيث كان سيرجيو ينتظر عند نهاية السلم. لم يتبادلوا الكثير من الكلمات. فقط نظرات، واتفاقٌ غير منطوق على أنهم اليوم... حُرّاس الحافة.

في القاعة الشرقية من القصر، كانت الاستعدادات قائمة. الحرس في أماكنهم، والدها يتحدث مع مستشاريه، والعين لا تغفل عن الساعة. المروحية الروسية هبطت قبل دقائق. والضيف، في طريقه.

وقفت إيزابيلا وحدها قرب النافذة العالية، تنظر إلى الحديقة التي لم تعد تراها فعلاً. كان عقلها في مكان آخر. ...

لم تكن تجهل قوته. بل كانت تعرفها جيدًا. تقارير، صور، مقاطع فيديو خفية. رجل دموي، قاتل بدم بارد، قاد عائلته الحديدية بقبضة من نار. لكن خلف ذلك، كانت تراه كما ترى قطعة سلاح نادرة... لا تُستخدم إلا إذا كانت تستحق.

وسمعت الخطوات.

خطوات ثقيلة، ثابتة، تعرف أنها لا تعود لأحدٍ من رجالهم. التفتت بهدوء.

وكان هو.

دخل ميخائيل مالكوف قاعة القصر الإسباني كأن المكان لا يعنيه. طويل القامة، بجسدٍ عريض ومشدود، كأن عضلاته شُكّلت في ساحات قتال لا تُرحم. ملامحه مائلة للقسوة، أنف مستقيم، فكّ حادّ يرسم على وجهه سلطة لا تُناقش، وذقن خفيفة تزيد من جاذبيته الغامضة. أما عيناه... فكانت قصة أخرى.

يرتدي بدلة داكنة أنيقة بلا ربطة عنق، مفتوحة الأزرار بما يكفي ليكشف عن قوة عنقٍ مليئ بالوشوم يشبه عنق محارب قديم. عيونه... الذهبية، باردة كشتاء موسكو، لكنها حادة كأنها ترى من خلال الجدران.

ذهبيتان. لامعتان. لا تبثان حرارة، بل برودة ذكية... ذلك النوع من النظرات الذي لا يختبرك، بل يُقَيّـمك، كأنك ورقة على طاولة حرب.

ذو وجه حاد كأن الزمان نحته دون شفقة. أنف شامخ، ذقن خفيف، وفكٌ كُتب عليه القتال. عيناه؟ ذهبية... كأنهما لذئبٍ يرى في الظلمة أكثر مما يرى في النور.

إيزابيلا، رغم كل شيء، لم تتراجع. بقيت واقفة، مستقيمة الظهر، كأنها تقف أمام ملك غير متوج... لكنها تعرف جيدًا أنها ليست مجرد قطعة في لعبته.

وقف عند الباب، وجال ببصره في القاعة، ثم توقفت عيناه عليها.

التقيا.

هي... واقفة بثبات، في فستانها البسيط، لا تنحني، لا تبتسم. وهو... ساكن، لكنه كأنما يُقيم وزناً لكل ذرة منها. لم يكن هناك ترحيب، ولا كلمات مُنمّقة. فقط لحظة صامتة، طويلة، بين حاكمين على وشك عقد هدنة... وربما أكثر.

تقدّم ببطء.

وهي... لم تتحرك.

حين وقف أمامها، قال بصوت حاد وعميق، دون مقدمات:

"لستِ كما توقعت."

نظرت إليه بثبات، وردت، دون انفعال:

"وأنت... تمامًا كما قيل عنك."

كان أول اختبار... قد بدأ.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
3 Chapters
1
المقابر كانت هادئة بشكلٍ يثير الريبة، كأن الأرض نفسها تتهيأ لابتلاع المزيد من الأسرار.وقفت إيزابيلا روستوف بجانب شقيقها فرانسيسكو أمام القبر الرخامي الأسود.عليه اسم واحد فقط:أوسكار روستوف1996- 2024ابنٌ أضاع كل شيء.كانت الريح تداعب خصلات شعرها البني الفاتح، فيما عيناها ثابتتان على الحروف المنحوتة، دون دمعة، دون ارتعاش.مرّ عامٌ على وفاته، ومع ذلك، الألم لم يَخمد، لكنّه تغيّر.تحوّل من حزنٍ إلى خيبة. من فقدٍ إلى لعنة.قال فرانسيسكو بصوتٍ خفيضٍ، يكاد يُبتلع مع أنفاس الريح:"أتعلمين؟ لا أحد يزور هذا القبر غيرنا... حتى أبي لا يأتي."ردّت، دون أن تنظر إليه:"لأنه يعرف... أن أوسكار كان الخطأ الذي كلّفنا نصف العائلة."من بين كل نساء إسبانيا، قرر أوسكار أن يقترب من المرأة الوحيدة التي لا يجوز لمس ظلها حتى. زوجة أحد رجال البراتفا الروسية.وفي عالمهم، النساء خطٌ أحمر، مقدسات. من يمسّهن... يُمحى.في الليلة التي قُتل فيها أوسكار، لم تكن رصاصةً واحدة فقط.كانت شرارةً أشعلت حربًا استمرت عامًا كاملاً، خُرست فيها الأرض من دويّ الانفجارات، وامتلأت شوارع المدن بجثث لا هوية لها.الحرب التي خافها ا
last updateLast Updated : 2026-06-04
Read more
2
سادت لحظة صمت طويلة بينهما، لم تُقاطعها خطوات الخدم ولا أصوات الحرس. كأن كل شيء انكمش في الخلفية، ليبقى فقط هذا الثنائي، الغريب والمتشابه في آنٍ معًا، واقفًا وجهًا لوجه.أشار والدها بإيماءة صغيرة، ففتح أحدهم باب الجناح الشرقي، المخصص عادة لكبار الزوار. دون كلمة، التفتت إيزابيلا واتجهت بخطى هادئة نحو الداخل، وعرفت أنه سيتبعها. لم تنتظره. ولم تتعمد تجاهله. كانت تتحرك وكأنها تقود المشهد.دخلت الغرفة ذات الأثاث الكلاسيكي الثقيل، نوافذها الواسعة تطل على باحة القصر، وستائرها المخملية تسكنها رائحة قديمة من عصور السلطة. تقدمت حتى جلست على طرف الأريكة، مستقيمة الظهر، متزنة، كأنها اعتادت هذا النوع من اللقاءات.دقائق قليلة، ودخل هو.أغلق الباب خلفه بنفسه. بلا صوت.تقدم بخطى بطيئة، تأمل الغرفة لحظة، ثم التفت نحوها وجلس على المقعد المقابل. لا يوجد بينهما طاولة، ولا دروع."هل تعرفين لماذا أنا هنا، إيزابيلا؟" سأل، بصوته العميق كالرصاص المُغلف بالقطن.نظرت إليه بهدوء، أجابت:"أعرف تمامًا. ولست متأكدة إن كنتَ تعتبر هذا عقوبة... أم مكافأة."رفع حاجبه قليلاً، كأنها أثارت فضوله. لم يبتسم، لكنه لم يغضب. ق
last updateLast Updated : 2026-06-04
Read more
3
كان اليوم التالي مشرقًا بشكل يبعث على الاستفزاز، وإيزابيلا تقف أمام المتجر البراق والفاخر في إحدى زوايا مدريد، تنظر للافتة المزينة بزهور وردية ودانتيل أبيض وكأنها أمام ساحة إعدام."لن أدخل." قالتها بصرامة، ويدها معقودة فوق صدرها.لكن ماريسا كانت قد عبرت الباب بالفعل دون أن تلتفت.أما أنطونيا، فربتت على كتفها هامسة بخبث:"هيا يا عروس، العالم بحاجة لرؤية وجهك حين ترين ما بداخل هذا المتجر."دخلت إيزابيلا أخيرًا، بخطوات بطيئة وكأنها تمشي إلى قدر لا مفر منه. وما إن دخلت حتى استقبلتها ألوان الباستيل، الدانتيل، والحرير الناعم المتدلي من كل رف، وكأن المكان كله صُمم خصيصًا لاستفزازها.ماريسا أمسكت أول قميص نوم وردي، شفاف، مزين بشريط دانتيل عند الحافة."هذا لطيف، ما رأيك؟"إيزابيلا: "أعتقد أن قطة في مزاج سيء سترتديه، لا أنا."كارمن وضعت يدها على فمها تخفي ضحكتها، بينما أنطونيا انفجرت ضاحكة:"ماريسا، لو أحضرتِ شيئًا أكثر تحفظًا قد تفقدي وعيك."ماريسا، بهدوء لا يشبه فوضى المكان، التفتت نحو إيزابيلا وقالت:"هذه الليلة الأولى، يجب أن تكوني أنثى. لا جندية."إيزابيلا التقطت قميصًا أسودًا بسيطًا دون د
last updateLast Updated : 2026-06-04
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status