كانت عيناها غارقتين في عمق عينيه، يداها ترتجفان بضعف بين كفيه القويتين اللتين كانتا تشكلان حصناً أخيراً ضد الانهيار. في تلك اللحظة، توقف الزمن؛ جبهته تستند إلى جبهتها في وداع صامت، كأن أرواحهما تتبادلان حديثاً أخيراً لا تدركه الألسنة. كان الصمت المطبق سيد المكان، لم يقطعه سوى ضجيج العالم القاسي بالخارج، وصوت الرصاص الذي بدأ يعزف سيمفونية الموت.
نظرت إليه إيما بعينين لامعتين بالدموع، ترفض بكيانها كله ما ينوي فعله. أمسكت يديه بقوة، وضعتها فوق قلبها الذي كان يخفق بعنف جنوني، لدرجة أنها شعرت أن دقاته ستصم المكان وتعلن استسلامها للقدر. "لا تتركني ... أرجوك"، همست بها روحها قبل لسانها.
وفجأة، وبحزم مؤلم يمزق أحشاءه قبل أحشائها، أشار جاك بحدة لشاب يقف بجانبهما. سحبها الشاب بعيداً عنه بقسوة رغم مقاومتها اليائسة وتشبثها بقميصه كأنها تتشبث بالحياة ذاتها. تعالت صرخاتها، صرخات كانت تخرج من أعماق روحها وهي تحاول التحرر من ذلك القيد البشري لتعود إليه، بينما ظل هو متسمراً في مكانه، صلباً كجبل يواجه العاصفة، يرمقها بنظرة أخيرة.. نظرة حزينة، مثقلة بالندم، وكأنه يودع الصفحة البيضاء الوحيدة في سجل حياته الملوث بالدماء والخطايا.
كان آخر ما تناهى إلى مسامعها قبل أن يبتلعها الظلام هو دوي انفجار هائل، اهتزت له الأرض تحت أقدامها، واختلط بصداه صوت صرخاتها وهي تنادي باسمه بألم يمزق الحناجر، ألم لم تكن تعلم أن البشر قادرون على تحمله.
[قبل شهر- حيث بدأ كل شيء]
ساد الظلام المستودع المهجور في ضواحي المدينة، ولم يكن هناك سوى بقعة ضوء باهتة تتوسط المكان كعين مراقبة. كانت رائحة المواد الكيميائية القابلة للاشتعال تخنق الأنفاس، تطرد الأكسجين وتستبدله برائحة الموت الوشيك. في المركز، كان شاب مُلقىً على الأرض، جسده المنهك يروي قصة تعذيب وحشية لا ترحم؛ دماء قانية غطت ملامحه، وقميصه الممزق كشف عن بنية عضلية قيدتها سلاسل حديدية غليظة كانت تئن مع كل حركة واهنة يقوم بها.
قطع صرير الباب المعدني الصمت الثقيل، ليدخل "دانيال ماركوس"، الرجل الذي يرتعد لذكر اسمه الأقوياء قبل الضعفاء. وقف ينظر للشاب من الأعلى بسخرية باردة، والأوشام تلتف حول ذراعيه الضخمتين كأفاعٍ سامة تتأهب للدغ. أردف بنبرة مخيفة تجمد الدماء في العروق: "هل ضاقت الاستخبارات ذرعاً لترسل لي طفلاً مثلك ليتجسس عليّ؟ أم أنهم نفدوا من الرجال الحقيقيين؟".
رغم الرعب الذي كان ينهش أحشاءه، وردود فعل جسده التي كانت تتوسل للرحمة، رد الشاب بنبرة شجاعة واهية، لكنها متحدية: "أنت مجرد مسخ يعيش على أشلاء الآخرين.. ومهما فعلت، لن أقول لك ما تريد". بابتسامة مختلة، مال دانيال عليه هامساً بفحيح مرعب: "لا تقلق يا عزيزي، ما أريده سأجده بك أو بدونك.. الموت دائماً يفتح الأفواه المغلقة". وقبل أن يرتد بصر الشاب، دوى صوت ثلاث رصاصات في جسده، لتسكن حركته للأبد في بركة من دمه. التفت دانيال لرجاله ببرود جليدي، ثم نظر لمساعده "روبرت" ذو الندبة التي تشق وجهه كخارطة للجحيم قائلاً: "أريد ذلك الميكروفيلم بأي ثمن، وإلا ستكون أنت الجثة التالية".
[في روما - إيطاليا]
بعيداً عن جحيم المستودعات، كانت الشمس الدافئة تنعكس على جدران القصور العتيقة في روما، لترسم مشهداً يفيض بالفخامة والهدوء الزائف. وقف "جاك" ، بجسده الرياضي، شعره البني الطويل نسبياً، وعينيه العسلية التي تخفي خلفها ماضياً لا يشبه مكاتب المحاماة في شيء.
في مكتب والده، يواجه نظرات "توماس وايل" الصارمة التي كانت تخترقه كسهام. كان والده، المحامي الأشهر في إيطاليا، يضع يديه خلف ظهره وهو يراقب ابنه بعينين خبيرتين تريان ما وراء الكلمات: "بني، هل أنت متأكد من قرارك بترك هذا الإرث والعمل معي والسفر بمفردك كغريب؟".
رد جاك وهو يحمل حقيبته بإصرار: "نعم يا أبي، أحتاج لبداية تخصني..". سأله والده بخوف خفي: "ولكن لماذا هذه المدينه بالذات؟". أجاب جاك: "لا تقلق يا أبي، لن أعود لذلك الطريق مجدداً، لقد اعطتني الحياة فرصه جديده ولن اضيعها". تنهد الأب تنهيدة محملة بخوف خفي: "الحياة لا تعطينا ما نريد دائماً يا جاك، بل ما نحتاجه في الوقت المناسب.. اذهب، ولكن تذكر أن لك حصناً هنا دائماً إذا ما غدرت بك الأيام".
تحرك للخارج وكانت بدايه جديده لشئ اخر ولكن قبل الذهاب كان يجب الذهاب لمكان ما
[في مونشاو - ألمانيا]
بينما كان جاك يبحث عن الحرية، كانت "إيما" تخوض حرباً صامتة ضد واقعها الذي يشبه لوحة باهتة الألوان. خرجت من غرفتها لتجد "ديفيد"، خطيبها المثالي بمقاييس الجميع والممل بمقاييس قلبها، يجلس مع والديها بوقاره المعتاد. نظرت لها والدتها نظرة تحذيرية صامتة، لتقرأ إيما الرسالة بوضوح: "ابتسمي، لا تفسدي الأمر".
أكملت إيما نزول الدرج بهدوء مصطنع، لتجد ديفيد غارقاً في حديثه مع والدها حول تفاصيل الزفاف ومواعيده. بالنسبة لوالديها، كان ديفيد هو "الفارس المنتظر"؛ وظيفة مرموقة، منزل فاخر، وأخلاق لا غبار عليها، بالإضافة إلى وسامة هادئة تجذب الأنظار. لكن بالنسبة لإيما، كان هناك ثقب أسود في تلك اللوحة المثالية. هي معجبة به، نعم، لكنه إعجاب العقل لا نبض القلب. كانت تشتاق لرجل يجعل نظرة واحدة منه تزلزل كيانها، لمسة تجعل الدماء تفور في عروقها، شخصاً تشعر معه بالأمان المغلف بالشغف، لا مجرد "اختيار مناسب" يرضي المجتمع. لقد وافقت فقط لأن خيبة الأمل في عيني والديها كانت أصعب من أن تتحملها.
قطع ديفيد حبل أفكارها قائلاً بابتسامه واثقة: "عمي ويليام، استأذنك أن آخذ إيما اليوم لرؤية المنزل.. أريدها أن تختار كل تفصيلة فيه، فهو سيكون مملكتها الخاصة".
أجابت والدتها، أفانتيكا، بابتسامة عريضة: "بالطبع يا بني! هذا حقها تماماً.. أليس كذلك يا إيما؟".
هز ويليام رأسه بالموافقة وهو ينظر لإيما بانتظار. كانت إيما غارقة في شرودها، ولم تستيقظ إلا على صوت والدها وهو ينادي اسمها مرتين. أومأت برأسها بالموافقة تحت وطأة نظراتهما المصرة، ثم صعدت لتبديل ملابسها بآلية، وكأنها تستعد لجنازة لا لزيارة منزل الزوجية.
عند خروجهما، فتح لها ديفيد باب السيارة بفروسية معتادة، وانطلقت بهما السيارة نحو الضواحي الهادئة. بعد وقت ليس بالقصير، توقفت السيارة أمام منزل مهيب يتألف من طابقين، تحيط به حديقة غناء كانت أشبه بلوحة فنية؛ أزهار "التوليب" البيضاء تصطف بنظام صارم، وشجيرات الورد الجوري تفوح بعطرها في المكان، بينما تتسلق النباتات الخضراء الجدران الحجرية لتعطي انطباعاً بالفخامة والهدوء.
ترجل ديفيد وأمسك يدها بلطف، ليأخذها في جولة داخل الممرات الواسعة. كان البيت جميلاً، أثاثه فاخر وإضاءته دافئة، لكنه بالنسبة لإيما كان "سجناً بأسوار مذهبة". توقف ديفيد فجأة عندما لاحظ صمتها المطبق وشرود عينيها اللذين لا ينتميان للمكان.
أمسك كفيها وقال بحنان: "إيما.. هل أنتِ بخير؟ لماذا أراكِ شاردة هكذا دائماً؟ ألا يسعدكِ هذا المنزل؟".
رفعت رأسها لتلتقي عيناهما، وحاولت رسم ابتسامة باهتة: "لا، ليس الأمر كذلك.. ربما أنا متوترة قليلاً فقط".
شدد ديفيد على يدها قائلاً: "لا تتوتري يا عزيزتي.. أعلم أن سفري الطويل منعنا من التقارب بشكل كافٍ، لكنني متأكد أننا سنكون عائلة سعيدة. لهذا السبب، أريد أن نحدد موعد الزفاف في أقرب وقت.. نحن مناسبون لبعضنا تماماً".
نظرت إليه إيما، وبدلاً من أن تشعر بالفرح، شعرت ببرودة تسري في جسدها. ابتسمت له بمجاملة، ثم سحبت يدها بهدوء وهي تلتفت للمكان قائلة: "إذاً.. هيا بنا لنكمل الجولة".
بعد الانتهاء قام ديفيد بتوصيلها للمنزل ثم الذهاب سريعاً بسبب مكالمه عمل. بمجرد عودتها، وجدت صديقاتها الثلاث، تينا وإليسا وروما، ينتظرنها في غرفتها بصخب محبب. وفجأة، فجرت "روما" المفاجأة بصراخ حماسي: "لقد حجزت أربع تذاكر لفيجاس! شهر كامل لنحتفل بآخر أيام عزوبيتك بعيداً عن ديفيد ومنزله الكئيب!".
صرخت إيما بذهول، وقلبها يخفق بسرعة لأول مرة منذ شهور: "هل أنتِ جادة؟ لم يحدد موعد الزفاف بعد!". ردت روما بملل: "هل سننتظر حتى تسقط أسناننا؟ لنخرج من حياة العواجيز هذه ونعيش قليلاً!". بمغامرة مجنونة، وافقت إيما، وبدأت رحلة الهروب الكبير تحت غطاء كذبة "صديقة وهمية" تدعى كلوي فتاه يتيمة تحتاج وجودهم فى حفل زفافها، وافقت والدتها تحت تأثير العاطفة ولكنها جعلتها تخبر ديفيد أيضاً فاضطرت ايما لأخباره فوافق على مضض.
توقف جاك أمام منزل صغير متواضع في أحد الأحياء الهادئة، كان يفوح برائحة "الوطن". اقترب من الباب وبقلب يملؤه مزيج من الحنين والترقب، طرق الباب طرقات منتظمة يعرفها أصحاب المكان جيداً.
لم تمر ثوانٍ حتى انفتح الباب، ليخرج منه شاب في مقتبل العمر، كان يتمتع بوسامة هادئة وبنية جسدية بسيطة توحي بأنه يبتعد كل البعد عن عالم العنف. ما كان يميزه حقاً هي عيناه الخضراوان اللتان لمعتا بذهول وفرحة عارمة بمجرد رؤية الزائر.
اتسعت ابتسامة جاك، تلك الابتسامة الحقيقية النادرة التي لا يظهرها لأحد، وقبل أن ينطق الشاب بكلمة، كان الاثنان يتبادلان عناقاً حاراً وطويلاً، عناقاً لخص سنوات من الغياب والذكريات المشتركة. ربت جاك على ظهر الشاب بقوة وهو يهمس بكلمات خافتة، ثم دفعه الشاب بلطف ليدخل إلى ركنهما الآمن بعيداً عن أعين المتطفلين، وأغلق الباب خلفهما ليغلفهما صمت المنزل الدافئ.
بعد يومين، كانت إيما على متن الطائرة بجانب النافذة. كانت تنظر للسماء بذهول، تتنفس هواءً جديداً وأملاً بأن الغد يحمل شيئاً مختلفاً، بينما ضحكات صديقاتها تملأ المكان.
[في لاس فيجاس ]
بعد ساعات طويلة من الطيران ومشاجرة حادة مع صديقاتها حول حمل الحقائب، خرجت إيما من بوابة المطار وتسمرت في مكانها. الأضواء الساطعة، لافتات الكازينوهات، وصخب المدينة الذي لا يهدأ؛ كان كل شيء مبهراً. تركت صديقاتها خلفها وهي تتوجه لإيقاف سيارة أجرة، بينما كنّ يلحقن بها للاعتذار في مشهد لفت أنظار الجميع.
عند وصولهن لفندق "جود ستار" الفخم، صعدت إيما لغرفتها رقم 404. وبمجرد إغلاق الباب، شعرت برهبة غريبة؛ الغرفة تفوح برائحة عطر رجالي قوي، وكأن أحداً غادرها للتو. ألقت بجسدها على السرير، وحاولت فتح هاتفها لتجده منطفئاً. بحثت عن شاحنها بيأس ولم تجده، وعندما كانت على وشك الاستسلام، سقط هاتفها تحت السرير. انحنت لتلتقطه، لتجد مفاجأة: " Power bank" أسود أنيقاً جداً وتصميمه يوحي بالاحترافية. أوصلته بهاتفها فوراً، وبدأت الروح تعود للجهاز.
في تلك اللحظة، رن هاتف الغرفة، كانت "روما" تصرخ بحماس لتدعوها للغداء. فصلت إيما الهاتف، لكنها وضعت "الباور بانك" في حقيبتها لتكمل الشحن. في المطعم، وبينما كانت تضحك، رأت ذلك الشاب مجدداً؛ إنه ذاته الذي ساعدها في حمل الحقائب في المطار! كان يجلس وحيداً يطالع خريطة بتركيز. فكرت بذهول: "يا للصدفة! هل يسكن في الفندق نفسه؟".
[في مركز قيادة المافيا]
صرخ "روبرت" في رجاله بغضب: "أيها الأغبياء! الجاسوس كان يختبئ في فندق جود ستار!". أمر رجله "ستيف" بالتوجه للغرفة 404 فوراً. هناك، وجد ستيف الغرفة فارغة إلا من أغراض نسائية، ليعود ويتصل بزعيمه: "سيدي، الغرفة تسكنها فتاة الآن، الدليل ليس هنا". ضيق روبرت عينيه بشك: "فتاة؟ راقبها.. لا تتركها تغيب عن عينك، ربما الدليل معها الآن...".
رفعت إيما رأسها لتلتقي عيناها بعيني "جاك" الذي كان يراقبها بتركيز غريب، نظرة حادة كأن عينيه ماسح ضوئي. فجأة، نهض واتجه نحوها بخطوات واثقة انحنى بجانبها متظاهراً بأنه يغازلها، وهمس في أذنها بصوت خفيض وجاد جعل قشعريرة تسري في جسدها :
— "لا تلتفتي خلفكِ الآن، خذي حقيبتكِ بهدوء واتبعيني للمخرج الخلفي.. حياتكِ تعتمد على هذا."
لمحت إيما بطرف عينها رجلين ببدلات سوداء يقتربان، وفي تلك اللحظة، شعرت بلمسة يد جاك القوية تسحبها بحزم نحو المجهول.
ماذا يوجد داخل هذا الجهاز (الباور بانك) ليجعل المافيا تطارد إيما؟
هل جاك هو البطل الذي سينقذها؟
من هو الشاب الذي قابله جاك قبل سفره، وما علاقته بالماضي؟
دمتم بخير، ونلتقي في الفصل القادم.
مواعيد النشر: يومياً