تسجيل الدخول157انتهت الذكرى. السيئه وعدت إلى الواقع على صوت أنفاسي المرتجفة.شعرت بحرارة الدموع تملأ عيني، لكنني سرعان ما مسحتها قبل أن تسقط. كان ليث ما يزال ينظر إليّ. لم يحِد بنظره عن وجهي، وكأنه كان يراقب كل انفعالٍ مرّ بي منذ أن غرقت في تلك الذكرى. خرج صوته منخفضا، لكنه كان مثقلا بما عجز عن حمله طوال السنوات الماضية:ــ لم تتخلصي من طفلنا...و ليان ابنتي... فلماذا تركتِني وكذبتي؟ انعقد لساني أشحت بوجهي بعيدًا لم أستطع النظر إليه اقترب خطوة: ــ انظري إليّ يا ملاك... تكلمي ما الذي حدث في ذلك اليوم هل هددك أحد.. هل أجبرك أحد على قول تلك الكلمات؟رفعت رأسي ببطء. كانت الدموع تلمع في عيني. لكنني تماسكت: ــ لا تُعد فتح الماضي يا ليث.قطب حاجبيه بحده: ــ الماضي هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه.تنهدت بصعوبة، ثم همست:ــ لا يوجد شيء يستحق الحديث عنه.نظر إليّ طويلًا. ثم قال بإصرار وكانه قرر ان ياخذ مني الحقيقه ايوم مهما حدث: ــ إذا انظري في عيني... وقولي إن كل ما قلتِه يومها كان حقيقيًا.شعرت بقلبي ينقبض. لكنني أجبرت نفسي على الثبات. فتحدث وهو يضغط على كلماته:ــ لو كنتِ تكرهينني حقا... لما عشتِ كل
156أغلقتُ باب غرفتي خلفي، ثم أسندت ظهري إليه وأغمضت عيني.ةما زلت عاجزة عن استيعاب ما حدث. انتهى زواج استمر سنوات... في دقائق معدودة. ليث لم يتردد. لم يناقش. لم يمنح أميرة فرصةً أخيرة. وقّع أوراق الطلاق، ثم أنهى الأمر وكأنه كان قد اتخذ قراره منذ زمن. زفرت ببطء، ثم اتجهت إلى الحمام. . تركت المياه الدافئة تنساب فوق رأسي، علّها تُطفئ شيئًا من الفوضى التي تعصف بعقلي، لكنها لم تفعل. كلما أغمضت عيني، رأيت ابتسامة مارسيلا. تلك الابتسامة الهادئة... التي أوحت لي بأنها تعرف أكثر مما تُظهر. وبعد دقائق، خرجت من الحمام.كنت أرتدي قميص نوم بسيط، بينما انسدلت خصلات شعري المبللة فوق كتفي. أخذت المنشفة أجفف بها شعري وأنا أسير شاردة الذهن. لكنني توقفت فجأة. كان ليث يجلس على المقعد القريب من النافذة. لم يعد يرتدي بدلته السوداء. استبدلها ببنطالٍ منزلي داكن، وقميص أسود خفيف بأكمام مطوية، وقد بدا أنه بدل ملابسه منذ قليل. رفع رأسه نحوي بهدوء: ــ انتهيتِ؟أومأت بصمت، وأنا أحدق فيه باستغراب. بعد كل ما حدث... كيف يبدو بهذا الهدوء.. نهض من مكانه، واتجه نحوي بخطواتٍ بطيئة. توقفتُ في مكاني أراقبه بحذر. وقف أمام
155كانت اميره تبكي بصورةٍ لم أرها عليها من قبل اقتربت من ليث خطوة، ثم أخرى حتى وقفت أمامه مباشرة... خرج صوتها مكسورا: ــ ليث... أرجوك... استمع إليّ.لم يتحرك ولم يلتفت إليها حتى إن ملامحه لم تتبدل وقف كتمثالٍ من الجليد وكأنها غير موجودة فتقدم فيكتور بخطواتٍ هادئة، حتى أصبح إلى جوار أخته تنهد طويلًا، ثم قال:ــ ليث.. أنا لا أبرر ما فعلته وأعلم أنها أخطأت لكن... دعنا نجلس أولا ونتحدث بهدوء.قبل أن يرد ليث.. سمعت صوت نوال: ــ بهدوء؟التفتُّ إليها كانت تنظر إلى أميرة بغضبٍ مصطنع، حتى كادت أصدقه لولا أنني أعرفها جيدا قالت وهي تهز رأسها بأسف:ــ كنت أعتبرك مثل ابنتي.. لكن اتضح أنني لم أعرفك يومًا كنتِ مستعدة لتسميمي.. فقط حتى تُلصقي التهمة بملاك.كدت أضحك ليس سخريةً من كلماتها.. بل منها هي.. يا لها من ممثلة بارعة.. لو لم أعرف حقيقتها، لصفقت لها الآن.. كانت تتحدث وكأنها أكثر نساء الأرض براءة وكأنها لم تؤذِ أحدا في حياتها مع أنها.. من أكثر الأشخاص الذين رأيتهم قدرة على إخفاء سمومهم خلف ابتسامةٍ هادئة.الفرق بينها وبين أميرة.. أن أميرة كانت متهورة أما نوال...فكانت تعرف كيف تطعن، ثم تغسل ي
154انطفأت الشاشة للحظة... ثم عاد الضوء إليها من جديد. ظهرت غرفة صغيرة، بدت وكأنها التُقطت بكاميرا مراقبة خفية. ساد الصمت في القاعة. ثم... ظهرت أميرة. كانت تقف في مواجهة امرأة أخرى. نعمة... الخادمة. عرفها بعض العاملين في القصر على الفور، فتبادلت الأنظار بينهم في ذهول. أما أميرة، فكانت تتحدث بصوتٍ واضح:ــ غدًا... ستضعين السم في قطعة الحلوى التي ستُعدها ملاك.ارتجفت نعمة وهي تهز رأسها بخوف: ــ لكن... ماذا لو اكتشف أحد الأمر... إذا علم الدون... سيقتلني.ابتسمت أميرة بهدوء وهي تخرج ظرفا ممتلئًا بالأموال.: ــ لن يكتشف أحد شيئا.ثم ناولتها الظرف: ــ ستأكل خالتي نوال من الحلوى... وسيظن الجميع أن ملاك هي من حاولت قتل زوجة أبيه... وعندها... إما أن يقتلها بنفسه... أو يطردها من القصر إلى الأبد. ابتلعت نعمة ريقها بتوتر، ثم مدت يدها المرتجفة وأخذت المال: ــ حاضر... سأفعل.انقطع التسجيل. سادت القاعة همسات متصاعدة. لكن الشاشة لم تنطفئ.ظهر تسجيلٌ صوتي، بينما بقيت الشاشة سوداء. وجاء صوت أميرة واضحا:ــ نعمة... ماذا حدث؟جاءها صوت نعمة متوترًا:ــ كل شيء تم كما طلبتِ.. سيدت.. اتفقت مع الرجل في ال
153وقفت وسط القاعة، وما زال قلبي ينبض بعنف، رغم أن ليان أصبحت أمام عيني، وسارة عادت سالمة... حاولت أن أقنع نفسي بأن كل شيء انتهى... لكن ذلك الصوت الذي هددني قبل قليل ظل يتردد داخل رأسي بلا رحمة... ابتلعت ريقي بصعوبة، وأجبرت نفسي على التوقف عن التفكير، حين خفتت الموسيقى فجأة، واتجهت أنظار الجميع نحو المنصة الرئيسية. رأيت مارسيلا تحاول النهوض من مقعدها. وفي اللحظة نفسها، تقدم ليث إليها، وأسندها برفق حتى وقفت على قدميها. ورغم سنوات عمرها، كانت تقف بكامل هيبتها، كملكةٍ اعتادت أن يفسح لها الجميع الطريق. ابتسمت للحضور، ثم قالت بصوتٍ هادئ، لكنه وصل إلى جميع أرجاء القاعة:ــ أشكركم جميعا على حضوركم اليوم... لقد أسعدني وجودكم بيننا.تعالت عبارات التهنئة والتصفيق. ثم أدارت رأسها تبحث عن ليان، وما إن رأتها حتى ابتسمت بحنان: ــ تعالي يا صغيرتي.ابتسمت ليان على الفور، وركضت نحوها، لكنها توقفت أمام المنصة، ثم رفعت رأسها إلى ليث وقالت ببراءة:ــ عمو الوسيم.... احملني.ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم يستطع إخفاءها. انحنى إليها، وحملها بين ذراعيه بسهولة. لكنها هزت رأسها بسرعة: ــ لا... ضعني فوق ا
152توقفت أنفاسي. خلف الواجهة الزجاجية، وسط الحديقة التي غمرتها أضواء القصر الخافتة... كانت ليان. كانت تمسك بيد رجلٍ يرتدي بدلة سوداء، ويسير بها في هدوء اتسعت عيناي، ثم اندفعت دون تفكير.دفعت الباب الزجاجي بقوة حتى ارتطم بالحائط، وركضت بأقصى ما أملك وأنا أصرخ:ــ ليــــان!خرجتُ إلى الحديقة وأنا ألهث، وما إن احتضنت ليان حتى شعرت أن شيئا من الحياة عاد إلى جسدي. كنت أضمها بقوة، حتى إنها رفعت وجهها الصغير إليّ باستغراب: ــ أمي... ماذا بكِ؟لم أجبها. اكتفيت بأن أمسدت شعرها المرتبك، ثم قبلت جبينها مراتٍ متتالية، بينما كانت دقات قلبي تضرب صدري بعنفٍ مؤلم... كدت أفقدها... أقسم أنني شعرت للحظة أنني فقدتها حقا... في تلك الأثناء، كان رجال الحراسة قد أحاطوا بالمكان، ولحق بنا أدريان، ثم خرج ليث من القصر يتبعه يزن وريان. رفعت رأسي، وما إن وقع بصري على الرجل الذي كانت ليان تمسك بيده حتى أشرت إليه بيدٍ مرتجفة: ــ من هذا؟أجاب ريان بهدوء:ــ أحد رجال الحراسة،... وجد الصغيرع وقد ابتعدت عن القاعة، فأراد إعادتها إلىنا خفضت بصري إلى ليان: ــ هل هذا صحيح؟ابتسمت الصغيرة ابتسامة بريئة: ــ نعم يا أمي..







