登入، فبدلًا من أن يبتعد، ظل في الصالة المقابلة لبابها، يتفقد هاتفه بين لحظة وأخرى دون أن يقرأ حرفًا مما يظهر على شاشته. فقد قرر، دون أن يعترف لنفسه بالسبب الحقيقي، أن يظل قريبًا بما يكفي ليطمئن عليها إن احتاجت إلى أي شيء.. ثم جلس يحتسى قهوته بشرود .. و بعد لحظات أرسل إلى والدته رسالة قصيرة يخبرها فيها أنهما وصلا إلى الفيلا وأن ملك تحتاج إلى الراحة، ثم وضع الهاتف جانبًا... كان غاضبًا من نفسه قبل أي شيء آخر. كيف استطاعت تلك الفتاة أن تثير كل هذا القلق و المشاعر المدمرة تلك داخله، بينما هو الذي أمضى طوال السنوات الماضيه يحاول إقناع نفسه بأنها لا تعنيه؟ رفع يده إلى جبينه، وأطلق زفرة ضيقة. و عينيه ظلتا معلقتين بباب غرفتها. بعد مرور بعض الوقت، خرجت الدادة لتطمئنه. — ملك نامت يا سليم بيه، وغيرتلها هدومها، بس رجلها لسه بتوجعها شوية. رفع رأسه إليها فورًا. — وجعها زاد؟ — لأ ... نظرت إليه بشيء من التردد ثم قالت : — حضرتك هتفضل هنا ..أحضر لحضرتك حاجه تأكلها ؟! _ هو خالى لسه موصلش ؟! _ لأ ، لسه. ....ادخل ادهن الكريم لملك و بعدين انزل اجهز ل.... قاطعها سليم بلهجته ال
لكن ملك لم تلاحظ ابتسامته؛ كانت مشغولة بكارثتها الخاصة. — يعني... حضرتك شلتني كمان في الفيلا؟ عاد ينظر إليها، وقد ارتفع حاجبه. — أيوه يا ملك، شيلتك. تحبي أعيد المشهد من أوله عشان تتأكدي؟ — لا! لا طبعًا! قالتها بسرعة شديدة جعلته يضحك رغماً عنه. توقفت ملك عن الحركة، وحدقت به بدهشة. لم تعتد أن تراه يضحك هكذا، ولم تكن تعرف ماذا تفعل حين يصبح وجهه أقل قسوة، وصوته أقل حدة. أما سليم، فقد لاحظ نظرتها، فاختفت ابتسامته تدريجيًا، وعاد إلى هدوئه المعتاد. بعد لحظه همست ملك بصوت متذبذب : — أبيه سليم؟ — نعم؟ — متقولش لبابا إني خفت ... اختفت الابتسامة عن وجهه. نظر إليها طويلًا، ثم أجابها بصوت ثابت: — مش هقول لحد حاجة إنتِ مش عايزة تحكيها. تنهدت براحة و كأنها اكتفت بذلك الوعد الصغير ، لتجفل بقلق و هو يتابع بيننا يراقب وجهها الذى هدأ اخيرا : - بس ليه شرط . اتسعت عيناها بدهشة و حدقت به ،ابتسم سليم رغمًا عنه و قال مازحا : _ تخدى الدواء و تنامى و متفكريش فى حاجه .. ممكن ؟! ابتسمت براحه و هى تتراجع سانده ظهرها على الوسائد ،ثم أومأت برأسها ببطء، وكأنها تحاول أن تصدق أ
أجابها بهدوء: — لأ، مش هنا. ظلت تحدق فيه قليلًا، ثم همست: — ومش هيعرف إلى حصل ؟ تصلب فكه. ها هي ذي، حتى بعد أن استيقظت من كابوسها، لم يكن أول ما يشغلها ألم قدمها، بل ما إذا كان والدها سيعرف بما حدث ويغضب منها. أراد أن يسألها عن الحلم، وعن سبب رعبها، وعن كل تلك الكلمات التي نطقت بها وهي نائمة، لكنه رأى شفتيها ترتجفان، فابتلع أسئلته. ليس الآن. لم يكن يريد أن يحاصرها بالأسئلة وهي بالكاد استعادت وعيها. قال بصوت أكثر لينًا: — محدش هيزعق لك عشان وقعتِ يا ملك ، ده ممكن يحصل لأي حد. خفضت عينيها، ثم قالت بصوت خافت و كإنها تقر انها بالفعل تستحق العقاب: — بس أنا اللي بعدت عنكم... أنا آسفة. أغمض سليم عينيه لثانية، كأنه يحاول كبح انفعال قوي. حتى الآن... حتى وهي مذعورة، وحتى بعد أن عادت من المستشفى، ما زالت تعتذر! فتح عينيه ونظر إليها مباشرة. — ملك، اسمعيني كويس. إنتِ غلطتِ لما بعدتِ لوحدك، وأنا اتكلمت معاكي في الموضوع ده. لكن ده مش معناه إنك تفضلي تعتذري كل شوية، ولا معناه إنك تستاهلي أي أذى. رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه بحيرة واضحة. بدت كأنها تحاول فهم جملة لا ت
تجمد سليم في مكانه. اختفت كل الأفكار التي كانت تدور في رأسه، ولم يبقَ في ذهنه سوى صوتها الذي خرج محملًا برعب لم يسمعه منها من قبل. — ملك، اصحي. لكنها لم تستيقظ. انكمشت على نفسها، وسحبت الغطاء إلى صدرها، ثم خرجت الكلمات من فمها متلاحقة، كأنها تتوسل إلى شخص يقف أمامها. — مش هعمل كده تاني... والله هسمع كلامك... بس متزعلش مني! تغير وجه سليم تمامًا. لم يعد ذلك الرجل الذي يتعامل مع كل شيء ببرود، ولا ذلك الذي اعتاد أن يخفي انفعالاته خلف نظراته الحادة. اندفع نحوها، وجلس على حافة السرير، محاولًا إيقاظها. — ملك! ملك، افتحي عينيك! انتفض جسدها فجأة، وانطلقت منها شهقة مذعورة، ثم فتحت عينيها دفعة واحدة. جلست في سريرها بفزع، تتلفت حولها بعينين متسعتين، وأنفاسها متلاحقة، بينما راحت يداها تبحثان عن شيء تتمسكان به. — لأ! أرجوك! اندفع سليم نحوها دون تفكير، ومد يده ليمسك بكتفيها، ليفوجىء بها تتعلق بعنقه تلف ذراعياها حول رقبته ، تدفن رأسها فى صدره و كانما تختبىء من شىء .. كانت تختبىء فيه، لكن عينيها لم تكونا تريان الغرفة ولا السرير ولا حتى وجهه بوضوح؛ كانت لا تزال عالقة في
و لعدة ثوان لم يتحرك ، و فجأة بدون وعى انحنى نحوها و كانه فقد التحكم بنفسه و اغمض عيونه بقوة و هو يشعر بتيار عنيف مفاجىء يجتاح كل انش بجسده و فمه يلمس جبهتها بقبلة محمومه ملتهبة .. لتتحرك هى فرفع نفسه فورا يشهق بدون صوت و قد شعر و كأنما يقوم بجريمة و بدا مذهولا من تصرفه و أخذ يحاول تهدئة انفاسه التى اصبحت لاهثة ، لمس شعرها يربت عليه برفق و بكف يده لمس خدها بنعومة ، فعاد وجهها إلى الهدوء. و حدق بها سليم طويلًا، وعيناه لا تفارقانها...و قد ابعد يده عنها .....ظل واقفًا بجانب السرير، ينظر إليها دون أن يتحرك.. ثم مد يده وسحب الغطاء عليها ، ثم انتبه إلى قدمها المصابة، فقام بخلع حذائها و اخرج الكريم من كيس الدواء الذى احضره و شعر لاول مرة فى حياته رغم اقامته الطويلة فى الخارج و رؤيته للعديد من النساء ، بهزة قوية تحدث داخله و هو يمد يده يلمس بشرتها الناعمه كالبيبى و هو يدهن الكريم لها و ثقلت انفاسه و اصابعه تتحرك على قدمها و زفر بقوة و هو يستعيد سيطرته على نفسه و ينظر إلى قدمها بتركيز خائفا من ان تكون قد تورمت و لكنها لحسن الحظ لم تفعل ... فتركها في وضع مريح كما أوصى الطبيب، وتأكد من
أما سليم، فقد تباطأت خطواته للحظة لم يكن معتادًا على هذا النوع من القرب الهادئ من ملك ، التي كانت ترتبك من مجرد اقترابه منها، لم تكن واعية الآن بما تفعله. لم تكن تحاول الابتعاد، ولا تعتذر، ولا تسأله إن كان غاضبًا منها. كانت نائمة فحسب ، نامت بين ذراعيه بهذه البساطة، وكأنها طفلة صغيرة أنهكها يوم طويل ولم تعد تملك طاقة حتى لتقاوم النوم. بدت له أصغر من عمرها بكثير. شد ذراعه حولها قليلًا حتى لا تميل رأسها، ثم نظر إلى وجهها الهادئ. — إنتِ متعبة أوي يا ملك... خرجت الكلمات منه هامسة، دون أن يقصد أن يسمعها أحد. وللمرة الأولى، لم تكن نبرته باردة. شعر بشيء دافئ وغريب يملأ صدره. ولسبب لم يستطع تفسيره، أراد أن يحمي ذلك الهدوء على وجهها من أي شيء قد يفسده...فرفعها قليلا يقربها منه اكثر ، مغمضا عيونه للحظه و شعرها يلمس خده و شعر لاول مرة فى حياته بحرارة قوية تتصاعد بشكل سريع مندفع عبر عروقه ، و هو يفتح عيناه و عاد ينظر لها من جديد نظرة مصدومة. .. كانت رأسها مستندة إلى صدره كما هى ، وعيناها مغمضتين بإرهاق، بينما بدت ملامحها الشاحبة أكثر براءة من أي وقت مضى. أما يدها الصغيرة فتحرك







