LOGINوما كان يزعجه أكثر أنه لم يعد يستطيع تجاهل الأمر. لم تكن المشكلة في أنه يفكر في ملك أكثر مما ينبغي، بل في أنه بدأ يكتشف أن وجودها في حياته لم يكن عابرًا كما ظل يقنع نفسه طوال السنوات الماضية. كان الأمر أشبه بشيء صغير تسلل إلى حياته دون استئذان، ثم تمدد في صمت، حتى أصبح اهم جزءًا من تفاصيل حياته كلها. ولم يكن سليم رجلًا يتقبل بسهولة أن يكون هناك شيء لا يفهمه في نفسه. اعتاد أن يعرف ما يريد، وأن يحدد أهدافه، وأن يتخذ قراراته الحاسمة دون أن يسمح للتردد بأن يفسد عليه حساباته. كان يعرف كيف يتعامل مع الخسارة، وكيف يخفي غضبه، وكيف يتجاوز الأشخاص الذين لا مكان لهم في حياته. لكنه لم يعرف كيف يتجاوز فتاة لم تفعل شيئًا سوى أنها كانت موجودة. روايات نانا وهبه ملك لم تطلب منه يومًا أن يعود من أجلها، ولم تحاول أن تلفت انتباهه، ولم تمنحه حتى ذلك النوع من الاهتمام الذي يجعل الإنسان يشعر بأنه مهم في حياة الآخرين. وربما كانت هذه هي النقطة التي أربكته أكثر من أي شيء آخر. فهو لم يكن يطارد ابتسامتها، ولم يكن ينتظر منها كلمات الإعجاب، ولم يكن يبحث عن فرصة ليثبت لها أنه مختلف عن بقية رجال
أعاد الغطاء حولها بحرص، وتأكد من أن قدمها المصابة في وضع مريح، بعيدًا عن أي ضغط. وبقي جالسًا للحظات، مستندًا بمرفقيه إلى ركبتيه، وعيناه معلقتان بها، يتأمل وجهها الهادئ. كان قد دخل الغرفة وهو ينوي الاطمئنان عليها ثم المغادرة، لكنه وجد نفسه عاجزًا عن النهوض فورًا. كان يستطيع أن يخرج ويتركها ترتاح، وهذا ما كان ينبغي أن يفعله و لكنه خشى ان تستيقظ وهي تشعر بالدوار أو الألم... و برر لنفسه بتوكيد ، بأنه يخشى أيضا ان ترتفع درجه حرارتها فجأة ، دون ان يلاحظ احد. لم يكن يريد الاعتراف بأن رؤيتها نائمة بهذه الثقة، حتى لو كانت ثقة عابرة لا تدوم إلا دقائق، جعلته يشعر بمسؤولية أكبر مما توقع. لم يكن ينظر لها الان ....كفتاة أربكت يومه و قلبه بتصرفاتها البريئة غير المتوقعة. بل كان ينظر لها كفتاة صغيرة تعبت من محاولة إرضاء الجميع، وتحتاج إلى أن تتعلم يومًا أن من حقها أن تتألم دون اعتذار، وأن تطلب المساعدة دون خوف، وأن تنام وهي مطمئنة إلى أن أحدًا لن يغضب منها لأنها احتاجت إليه. ظل يتأملها و هو لا يقو على ابعاد عيناه عنها ، ثم أبعد خصلة شعر سقطت فوق وجهها. توقفت يده للحظة. لم يكن يفعل ذ
، فبدلًا من أن يبتعد، ظل في الصالة المقابلة لبابها، يتفقد هاتفه بين لحظة وأخرى دون أن يقرأ حرفًا مما يظهر على شاشته. فقد قرر، دون أن يعترف لنفسه بالسبب الحقيقي، أن يظل قريبًا بما يكفي ليطمئن عليها إن احتاجت إلى أي شيء.. ثم جلس يحتسى قهوته بشرود .. و بعد لحظات أرسل إلى والدته رسالة قصيرة يخبرها فيها أنهما وصلا إلى الفيلا وأن ملك تحتاج إلى الراحة، ثم وضع الهاتف جانبًا... كان غاضبًا من نفسه قبل أي شيء آخر. كيف استطاعت تلك الفتاة أن تثير كل هذا القلق و المشاعر المدمرة تلك داخله، بينما هو الذي أمضى طوال السنوات الماضيه يحاول إقناع نفسه بأنها لا تعنيه؟ رفع يده إلى جبينه، وأطلق زفرة ضيقة. و عينيه ظلتا معلقتين بباب غرفتها. بعد مرور بعض الوقت، خرجت الدادة لتطمئنه. — ملك نامت يا سليم بيه، وغيرتلها هدومها، بس رجلها لسه بتوجعها شوية. رفع رأسه إليها فورًا. — وجعها زاد؟ — لأ ... نظرت إليه بشيء من التردد ثم قالت : — حضرتك هتفضل هنا ..أحضر لحضرتك حاجه تأكلها ؟! _ هو خالى لسه موصلش ؟! _ لأ ، لسه. ....ادخل ادهن الكريم لملك و بعدين انزل اجهز ل.... قاطعها سليم بلهجته ال
لكن ملك لم تلاحظ ابتسامته؛ كانت مشغولة بكارثتها الخاصة. — يعني... حضرتك شلتني كمان في الفيلا؟ عاد ينظر إليها، وقد ارتفع حاجبه. — أيوه يا ملك، شيلتك. تحبي أعيد المشهد من أوله عشان تتأكدي؟ — لا! لا طبعًا! قالتها بسرعة شديدة جعلته يضحك رغماً عنه. توقفت ملك عن الحركة، وحدقت به بدهشة. لم تعتد أن تراه يضحك هكذا، ولم تكن تعرف ماذا تفعل حين يصبح وجهه أقل قسوة، وصوته أقل حدة. أما سليم، فقد لاحظ نظرتها، فاختفت ابتسامته تدريجيًا، وعاد إلى هدوئه المعتاد. بعد لحظه همست ملك بصوت متذبذب : — أبيه سليم؟ — نعم؟ — متقولش لبابا إني خفت ... اختفت الابتسامة عن وجهه. نظر إليها طويلًا، ثم أجابها بصوت ثابت: — مش هقول لحد حاجة إنتِ مش عايزة تحكيها. تنهدت براحة و كأنها اكتفت بذلك الوعد الصغير ، لتجفل بقلق و هو يتابع بيننا يراقب وجهها الذى هدأ اخيرا : - بس ليه شرط . اتسعت عيناها بدهشة و حدقت به ،ابتسم سليم رغمًا عنه و قال مازحا : _ تخدى الدواء و تنامى و متفكريش فى حاجه .. ممكن ؟! ابتسمت براحه و هى تتراجع سانده ظهرها على الوسائد ،ثم أومأت برأسها ببطء، وكأنها تحاول أن تصدق أ
أجابها بهدوء: — لأ، مش هنا. ظلت تحدق فيه قليلًا، ثم همست: — ومش هيعرف إلى حصل ؟ تصلب فكه. ها هي ذي، حتى بعد أن استيقظت من كابوسها، لم يكن أول ما يشغلها ألم قدمها، بل ما إذا كان والدها سيعرف بما حدث ويغضب منها. أراد أن يسألها عن الحلم، وعن سبب رعبها، وعن كل تلك الكلمات التي نطقت بها وهي نائمة، لكنه رأى شفتيها ترتجفان، فابتلع أسئلته. ليس الآن. لم يكن يريد أن يحاصرها بالأسئلة وهي بالكاد استعادت وعيها. قال بصوت أكثر لينًا: — محدش هيزعق لك عشان وقعتِ يا ملك ، ده ممكن يحصل لأي حد. خفضت عينيها، ثم قالت بصوت خافت و كإنها تقر انها بالفعل تستحق العقاب: — بس أنا اللي بعدت عنكم... أنا آسفة. أغمض سليم عينيه لثانية، كأنه يحاول كبح انفعال قوي. حتى الآن... حتى وهي مذعورة، وحتى بعد أن عادت من المستشفى، ما زالت تعتذر! فتح عينيه ونظر إليها مباشرة. — ملك، اسمعيني كويس. إنتِ غلطتِ لما بعدتِ لوحدك، وأنا اتكلمت معاكي في الموضوع ده. لكن ده مش معناه إنك تفضلي تعتذري كل شوية، ولا معناه إنك تستاهلي أي أذى. رفعت رأسها ببطء، ونظرت إليه بحيرة واضحة. بدت كأنها تحاول فهم جملة لا ت
تجمد سليم في مكانه. اختفت كل الأفكار التي كانت تدور في رأسه، ولم يبقَ في ذهنه سوى صوتها الذي خرج محملًا برعب لم يسمعه منها من قبل. — ملك، اصحي. لكنها لم تستيقظ. انكمشت على نفسها، وسحبت الغطاء إلى صدرها، ثم خرجت الكلمات من فمها متلاحقة، كأنها تتوسل إلى شخص يقف أمامها. — مش هعمل كده تاني... والله هسمع كلامك... بس متزعلش مني! تغير وجه سليم تمامًا. لم يعد ذلك الرجل الذي يتعامل مع كل شيء ببرود، ولا ذلك الذي اعتاد أن يخفي انفعالاته خلف نظراته الحادة. اندفع نحوها، وجلس على حافة السرير، محاولًا إيقاظها. — ملك! ملك، افتحي عينيك! انتفض جسدها فجأة، وانطلقت منها شهقة مذعورة، ثم فتحت عينيها دفعة واحدة. جلست في سريرها بفزع، تتلفت حولها بعينين متسعتين، وأنفاسها متلاحقة، بينما راحت يداها تبحثان عن شيء تتمسكان به. — لأ! أرجوك! اندفع سليم نحوها دون تفكير، ومد يده ليمسك بكتفيها، ليفوجىء بها تتعلق بعنقه تلف ذراعياها حول رقبته ، تدفن رأسها فى صدره و كانما تختبىء من شىء .. كانت تختبىء فيه، لكن عينيها لم تكونا تريان الغرفة ولا السرير ولا حتى وجهه بوضوح؛ كانت لا تزال عالقة في







