Home / الرومانسية / سجينُ قلبي:زفاف في الظلال ​خلف قناع الهروب / الفصل السادس عشر: "صدى الصمتِ في قاعةِ الملوك"

Share

الفصل السادس عشر: "صدى الصمتِ في قاعةِ الملوك"

last update publish date: 2026-07-18 10:29:57

​كانت قاعةُ المؤتمرِ العظيمِ في أستريا تعجُّ بحضورِ الملوكِ والنبلاء، القادمين من شتى بقاعِ العالم. هواءُ القاعةِ لم يكن مجردَ أكسجين، بل كان مزيجاً من الروائحِ الباهظةِ للعطورِ الملكية، ورائحةِ التوترِ الذي يسبقُ البرق. ليلى كانت تجلسُ على كرسيٍّ خشبيٍّ بسيط، لا عرشَ مذهباً، ولا تيجانَ مرصعةً بالألماس. كانت تجلسُ كواحدةٍ منهم، لكنَّ هيبتَها كانت تملأ أركانَ المكان، جاعلةً هؤلاءِ الملوكِ الذين اعتادوا على تقبيلِ الأيادي يشعرون بأنَّ موازينَ القوى قد انقلبت رأساً على عقب.

​أخذت ليلى نفساً عميقاً، وبدأت حديثَها، ليس بصوتٍ مرتفع، بل بصوتٍ هادئٍ اخترقَ جدرانَ القاعةِ ليصلَ إلى قلوبِ الحاضرين. "أيها الملوك، أيتها الملكات، لستُ هنا لأعرضَ عليكم تحالفاً عسكرياً، ولستُ هنا لأهددكم بجيوشٍ لم تعد تهتمُّ بمفاهيمِ الغزو. أنا هنا لأتحدثَ عن الشيءِ الذي تخافونَ منه أكثرَ من الموت: الحقيقة."

​بدأت ليلى تعرضُ أمامهم، عبر تقنيةِ المرايا التي طورتها، مشاهدَ دقيقةً من ممالكِهم؛ رؤىً لمعاناتِ شعوبِهم، لقصورِهم التي تُبنى على حسابِ جوعِ الفقراء، وللحروبِ العبثيةِ التي تُخاضُ لإشباعِ الغرور. لم يكن هناك مكانٌ للاختباء. القاعةُ التي كان يُفترض أن تكونَ مكاناً للمكائد، تحولت إلى مرآةٍ كونيةٍ تكشفُ العوراتِ السياسية. حاولَ ملكُ "غاروديا" أن يقاطعَها، لكنَّ صوته خمدَ فوراً حين نظرت إليه نظرةً واحدة، نظرةً تحملُ قوةَ الغابةِ وقسوةَ الواقع.

​"انظروا،" قالت ليلى وهي تشيرُ إلى المرايا التي تحولت الآن لتُظهرَ مستقبلاً محتملاً؛ مستقبلاً ينهارُ فيه العالمُ بسببِ طمعِهم، ومستقبلاً آخرَ يزدهرُ فيه إذا ما توحدت الشعوبُ تحت رايةِ المعرفةِ والعدل. كان الجميعُ في حالةِ ذهول. لم يتوقعوا أن يواجهوا ضمائرَهم بهذا الوضوح.

​في زاويةٍ مظلمةٍ من القاعة، كان هناك رجلٌ لم يظهر وجهُه قط، كان يراقبُ ليلى بعينينِ لا تعرفانِ الرحمة. إنه "المراقب"، كيانٌ لم يذكره التاريخ، يمثلُ "القدر" الذي يرفضُ التغيير. كان يعلمُ أنَّ ليلى بدأت تكسرَ القوانينِ الأساسيةَ للعالم، وبدأ يخططُ لإيقافِها. لم يقرر التدخلَ عسكرياً، بل قررَ أن يضربَها في أعزِّ ما تملك: إيمانَها بقدرتِها على التغيير.

​بينما كانت ليلى تنهي كلمتَها، شعرت بضغطٍ هائلٍ على عقلِها. لم تكن مجردَ صداع، بل كانت محاولةً لاختراقِ أفكارِها، لزرعِ الشكِ في أنها مجردُ "شخصيةٍ وهمية" ستنتهي بانتهاءِ الفصل. "أنتِ لستِ حقيقية،" همس صوتٌ في عقلِها، "أنتِ مجردُ خيالِ كاتبٍ أرادَ أن يرى كيف ستتصرفُ فتاةٌ عاديةٌ في عالمِ الملوك. متى ما انتهت القصة، ستتلاشينَ كما يتلاشى الضباب."

​كادت ليلى تترنح، لكنها تمسكت بطاولتِها. نظرت إلى الجمهور، ثم إلى آريان الذي كان ينظرُ إليها بقلق. أدركت ليلى أنَّ هذه هي "المعركةُ الكبرى". ليست حرباً ضدَّ الملوك، بل حرباً ضدَّ "القدر" ذاتِه. "سأثبتُ أنني حقيقية،" فكرت ليلى. "سأثبتُ أنَّ اختياراتي لها وزنٌ أكبرُ من أيِّ نصٍ مكتوب."

​استجمعت قواها، وقالت بصوتٍ واثقٍ لكلِّ الملوك: "لا يهمني ما إذا كان قدري قد كُتب، لأنني سأمسكُ القلمَ وأعيدُ كتابتَه. إذا كان هذا العالمُ مجردَ قصة، فإني أعلنُ أنها قصةُ ليلى، البطلةُ التي لن تنصاعَ للنهاياتِ المأساوية."

​انفجرت القاعةُ بالتصفيقِ من الشعوبِ الذين كانوا يراقبون من الخارج، بينما تجمدَ الملوكُ في أماكنهم، غيرَ قادرين على استيعابِ قوةِ هذه المرأة. لم تكن مجردَ ملكة، كانت "ثورةً" تمشي على قدمين.

​في تلك الليلة، بعد انتهاءِ المؤتمر، اتخذت ليلى قراراً شجاعاً. قررت أن تخرجَ من القصرِ بملابسِ عامةِ الشعب، وتتجولَ في أرجاءِ أستريا لتسمعَ أصواتَ الناسِ مباشرةً. كانت تريدُ أن تعرفَ هل حقيقةً غيرت حياتَهم؟ وبينما كانت تمشي في أزقةِ العاصمة، رأت أطفالاً يلعبون، ورأت أمهاتٍ يبتسمنَ لأولِ مرةٍ منذ سنوات، ورأت رجالاً يتبادلون الأفكارَ في المقاهي بدلاً من تبادلِ السيوف.

​أدركت ليلى في تلك اللحظة أنَّ ما صنعتهُ حقيقي. شعرت بدفءِ الحياةِ يتدفقُ في عروقِها. لكنَّ الفرحةَ لم تكتمل، فقد شعرت بحضورِ "المراقب" مرةً أخرى. اقتربت منه في زقاقٍ مظلم، ولم تهب. "أعلمُ أنك هنا،" قالت ليلى.

​ظهرَ المراقبُ، وكان هيئتُه مزيجاً من ضبابٍ ونجوم. "ليلى، لقد خالفتِ التوقعات. كان يجبُ أن تظلي محبوسةً في قصرِ آريان. كان يجبُ أن تموتي في الغابة. لماذا تصرين على العيشِ بينما العالمُ يريدُ أن ينهيَ قِصتَك؟"

​"لأنني أستحقُ الحياة،" قالت ليلى. "ولأنَّ كلَّ من يقرأُ قصتي، أو يسمعُ عني، يكتسبُ الإرادةَ ليعيشَ هو أيضاً. قصتي ليست ملكاً للقدر، بل ملكاً لكلِّ من قررَ أن يكسرَ قيودَه."

​ساد صمتٌ طويل، ثم ابتسمَ المراقبُ ابتسامةً غامضة. "ربما... ربما تكونينَ أنتِ التغييرَ الذي كان يحتاجُه هذا العالمُ ليخرجَ من دائرةِ التكرار." اختفى المراقب، لكنَّ التحديَ لم ينتهِ. كانت ليلى تعلمُ أنَّ القادمَ سيتطلبُ منها أكثرَ من مجردِ الكلام، سيتطلبُ منها أن تضحيَ بكلِّ ما تعتزُّ به.

​في الأيامِ التالية، بدأت ليلى في وضعِ أسسِ "مجلسِ الشعب"، وهو مجلسٌ يضمُّ ممثلين عن كلِّ قريةٍ ومدينة، ليشاركوا في اتخاذِ القرارات. لم يعد آريان يحكمُ وحده، ولم تعد ليلى تحكمُ وحدها. أصبحَ الشعبُ هو الحاكم. كانت هذه خطوةً ثوريةً قلبت موازينَ القوى في العالمِ بأكمله.

​لكنَّ الملوكِ الأعداء لم يقفوا مكتوفي الأيدي. بدأوا في التآمرِ مع قوىً غامضةٍ من "ما وراء البحار"، قوىً لا تعرفُ الرحمة. بدأوا في إرسالِ "القتلةِ الصامتين"، الذين لا يقتلون بالسيوفِ بل يقتلونَ بالأفكارِ والمكائدِ التي تفرقُ بين الناس.

​في الفصلِ القادم، ستضطرُ ليلى لمواجهةِ أعظمِ اختبارٍ لها: كيف تحمي أستريا من داخلِها؟ وكيف تواجهُ الفتنةَ التي بدأت تنمو في قلوبِ بعضِ أصدقائِها؟ كانت أستريا في خطر، وكانت ليلى هي الأملُ الوحيد. ومع كلِّ فصلٍ يمر، كان يزدادُ عمقُ الرحلة، وتزدادُ التضحيات. لكنَّ ليلى لم تكن لتتراجع، لأنها عرفت أنَّ كلَّ قطرةِ عرقٍ، وكلَّ دمعة، كانت تُكتبُ في سجلِ التاريخِ بمدادٍ من ذهب.

​كانت ليلى تمشي في الممراتِ الطويلةِ للقصرِ، وكلُّ خطوةٍ كانت تعني شيئاً جديداً. كانت تتذكرُ أيامَها الأولى كفتاةٍ خائفة، والآن، هي القوةُ العظمى في هذا العالم. كانت تعرفُ أنَّ الرحلةَ لم تنتهِ بعد، بل إنها بدأت للتو. وبدأت في التخطيطِ للفصلِ السابعَ عشر، الذي سيشهدُ ولادةَ "جيشِ العقولِ الحرة"، الجيشُ الذي لن يحملَ سيوفاً، بل سيحملُ المعرفةَ والحبَّ والعدل.

​كانت ليلى، البطلةُ التي لا تهزم، تقفُ على أعتابِ مرحلةٍ جديدة. كانت تعلمُ أنَّ المستقبلَ سيكونُ مليئاً بالتحديات، لكنها كانت مستعدة. لأنها كانت ليلى، التي لم تكن تُهزم، والتي لم تكن تنكسر، والتي كانت دائماً، ودائماً ستكون، هي من يصنعُ القدر، وهي من يكتبُ النهاية، وهي من يحددُ كيف ستكونُ حياةُ كلِّ من حولَها. ومع شروقِ الشمسِ في أستريا، كانت ليلى تستعدُ لبدايةِ يومٍ جديد، ليومٍ جديدٍ من الكفاحِ، ليومٍ جديدٍ من النصر، ليومٍ جديدٍ من كتابةِ فصولِ أسطورتِها الخالدة، التي ستظلُّ تُروى، وتُروى، وتُروى، حتى يصحو العالمُ على حقيقةِ أنَّ الإرادةَ هي كلُّ ما نحتاجُه لنغيرَ العالم.

​وهكذا، استمرت الملحمة، واستمرت ليلى، واستمرت الحياةُ في أستريا، في نموٍّ وازدهار، رغمَ كلِّ العقبات، ورغمَ كلِّ التحديات، ورغمَ كلِّ المكرِ والمكائد. لأنها كانت ليلى، والقصةُ كانت قصتَها، والعالمُ كان عالمَها، والقدرُ كان قدرَها الذي اختارتهُ بنفسِها، بكلِّ فخرٍ وقوةٍ وإصرار. لم تكن مجردَ قصة، كانت حياةً، كانت ملحمةً، كانت كلَّ شيءٍ يمكنُ للإنسانِ أن يحلمَ به.

​لقد أثبتت ليلى أنَّ المستحيلَ ليس سوى كلمةٍ اخترعها الخائفون، وأنَّ كلَّ شيءٍ ممكنٌ إذا ما كان لدينا الشجاعةُ الكافيةُ لنحلم، والقوةُ الكافيةُ لنحققَ أحلامَنا. ومع كلِّ فصلٍ يمر، كانت ليلى تقتربُ من تحقيقِ الحلمِ الأعظم: حلمِ عالمٍ خالٍ من الظلم، عالمٍ مليءٍ بالحرية، عالمٍ فيه يعيشُ الجميعُ في سلامٍ ومحبةٍ ووئام.

​نهاية الفصل السادس عشر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سجينُ قلبي:زفاف في الظلال ​خلف قناع الهروب   الفصل السابع والثلاثون: "ترانيمُ الروحِ في مرايا المجهول"

    ​تستمرُّ العجلةُ الكونيةُ في الدورانِ داخلَ مدينةِ أستريا بتناغمٍ فريدٍ لا يشبهُ أيَّ نظامٍ عرفته العوالمُ الأخرى، حيثُ أصبحت الشوارعُ والساحاتُ تعجُّ بالحياةِ والنشاطِ المستمر، وكأنَّ الأرواحَ التي استوطنت هذا المكانَ قد وجدت أخيرًا ضالتَها المنشودةَ بعد رحلةٍ طويلةٍ من الضياعِ والمعاناة.​كانت ليلى تقفُ بتمعنٍ شديدٍ أمامَ النافذةِ الكبيرةِ المطلةِ على الحدائقِ المعلقةِ التي تزينُ وسطَ المدينة، تتأملُ كيف أنَّ الطبيعةَ نفسها قد أصبحت تتفاعلُ بإيجابيةٍ مع الطاقاتِ النقيةِ المنبعثةِ من قلوبِ السكانِ الأبرار. انضم إليها آريان بخطواتٍ هادئةٍ ووقورة، حاملاً بين يديه سجلاً قديماً يحتوي على خرائطَ فلكيةٍ جديدةٍ تم التقاطُها بواسطةِ أحدثِ مراصدِ الوعيِ المتطورةِ التي أقاموها مؤخراً في أعلى قمةٍ جبليةٍ تحيطُ بالمدينةِ الفاضلة.​التفتت إليه ليلى وارتسمت على محياها ابتسامةٌ دافئةٌ تعكسُ مدى الراحةِ التي تشعرُ بها بعد تلك التحدياتِ الجسيمةِ التي تخطوها معًا جنبًا إلى جنب، وقالت بصوتٍ يحملُ طابعَ الحكمةِ والتأمل: "يا صديقي القديم، هل كنت تتصورُ يومًا أننا سنصلُ إلى هذه المرحلةِ من السلامِ الداخلي

  • سجينُ قلبي:زفاف في الظلال ​خلف قناع الهروب   الفصل الثاني والثلاثون: "سيمفونيةُ الوعيِ الموحد"

    ​تلاشت أصداء تلك الليلة الساحرة في الواحة الخفية، وحل محلها واقع جديد يتطلب الكثير من العمل الشاق والمثابرة المستمرة لنشر رسالة الأمل التي حملها زين وليلى طويلاً.​لم يعد الاسترخاء تحت ظلال أشجار الكريستال خياراً متاحاً أمام الاثنين، فقد كان نداء العالم الخارجي يتردد في أرجاء الوعي المشترك كأنه دعوة ملحة لا يمكن تجاهلها أبداً.​حزما أمتعتهما القليلة استعداداً لمغادرة ذلك الحصن الآمن، واتجها نحو الحدود الشمالية للصحراء الكبرى حيث تقع مدينة "الندوب"، وهي إحدى أكثر المدن تضرراً من صراعات الماضي القاسية.​عند وصولهما إلى أطراف المدينة المظلمة، استقبلهما صمت رهيب يخيم على المباني المتهدمة والشوارع المقفرة التي هجرها أهلها خوفاً من سطوة القوى الظلامية المسيترة عليها.​قالت ليلى وهي تلف عباءتها السوداء حول كتفيها لتتقي بها برد الصحراء القارس: يبدو أن الحزن قد اتخذ من هذا المكان مسكناً أبدياً لا يجرؤ أحد على مغادرته.​أجابها زين بنبرة هادئة وحازمة بينما كان يتفحص الخرائط القديمة بعينين ثاقبتين: الحزن ليس سوى غشاوة مؤقتة على عيون البشر، ودورنا هنا هو إزالة هذه الغشاوة للأبد.​تقدما بخطوات واثق

  • سجينُ قلبي:زفاف في الظلال ​خلف قناع الهروب   الفصل الخامس والثلاثون: "خيوطُ الفجرِ في عتمةِ البدايات"

    ​تتأرجحُ الأيامُ بين طياتِ الذاكرةِ والواقعِ المعيشِ في مدينةِ أستريا، حيثُ تتحولُ اللحظاتُ البسيطةُ إلى ملاحمَ كبرى تُكتبُ بحروفٍ من نورٍ وخالصِ اليقين، فبعد أن تخلصت المدينةُ من رواسبِ الماضي المظلمِ واستطاعت بحكمةِ أبنائها أن تصدَ هجماتِ العدمِ المطلق، بدأت مرحلةٌ جديدةٌ تتسمُ بالهدوءِ الظاهريِّ والعمقِ الروحيِّ المتسارع، مما جعلَ السكانَ يستشعرون معاني الاستقرارِ بعد سنواتٍ طويلةٍ من القلقِ والترقبِ المستمرِ لمصيرٍ مجهول.​كانت ليلى تقفُ كلَّ صباحٍ على شرفةِ قصرِ الحكمةِ المنيف، تتابعُ بتمعنٍ حركاتِ الطيورِ وهي تحلقُ بحريةٍ مطلقةٍ في سماءٍ صافيةٍ زرقاء، وكأنها ترسمُ بأجنحتها لوحةً حيةً تعبرُ عن التحررِ الحقيقيِّ الذي ناله الجميعُ بعد عناءٍ طويل. انضم إليها آريان الذي حمل في يديه كوباً من الشرابِ العشبيِّ الدافئ، وقدمه لها بابتسامةٍ هادئةٍ تعكسُ مدى الانسجامِ والتفاهمِ العميقِ الذي وصل إليه اثنانِ قطعا معاً شوطاً طويلاً من التحدياتِ والصعابِ الجمة.​قال لها آريان بصوتٍ يملؤه التفاؤلُ بمستقبلٍ أفضل: "يا ليلى، إنَّ الطيورَ تبدو اليومَ أكثرَ بهجةً من أيِّ وقتٍ مضى، كأنها تحتفلُ معنا ب

  • سجينُ قلبي:زفاف في الظلال ​خلف قناع الهروب   الفصل الرابع والثلاثون: "تراتيلُ النورِ في ممراتِ العدم"

    ​تتوالى الأيامُ في أستريا كأنها قطراتُ ندى تتساقطُ على صفحاتِ الزمنِ الذي لا يعرفُ الانقضاء، فبعد أن استقرت المدينةُ في قلبِ الوجودِ الكوني، أصبحَ أهلُها يدركون أنَّ العالمَ الخارجيَّ لم يعد مجردَ مساحةٍ جغرافية، بل باتَ نسيجاً من الطاقاتِ الحيةِ التي تنتظرُ مَن يمنحُها البوصلةَ والضوء. ليلى، التي تقفُ دوماً على حافةِ الأفقِ تراقبُ تحركاتِ النجومِ البعيدة، كانت تشعرُ ببرودةٍ غامضةٍ تتسللُ من الأعماقِ البعيدةِ للكون، وكأنَّ هناك قوىً خفيةً بدأت تستشعرُ وجودَ هذا النورِ المنبعثِ من مدينتِهم، مما أثارَ في نفسِها رغبةً ملحةً للاستعدادِ لما قد يطرأُ في الفصولِ القادمةِ من أحداثٍ لا تتوقفُ عن التوالد.​آريان، الذي لم يغبْ عن جانبِها لحظةً واحدةً منذ أن بدأت الملحمةُ، وقفَ بجانبِها يتأملُ جمالَ السماءِ التي تلونت بألوانٍ لم تكن مألوفةً للبشر، حيثُ تمازجَ الأزرقُ السماويُّ مع خيوطٍ ذهبيةٍ تمتدُ كجسورٍ كونيةٍ بين الممالكِ المختلفة. قال لها بصوتٍ هادئٍ يحملُ الكثيرَ من الحكمةِ التي اكتسبها عبرَ التجربة: "يا ليلى، إنَّ هذا الهدوءَ الذي نعيشُه الآن ليس سوى هدوءِ ما قبلَ العاصفةِ الكونية، فقد بدأت

  • سجينُ قلبي:زفاف في الظلال ​خلف قناع الهروب   الفصل الثالث والثلاثون: "ترددُ الصدى في مرايا الوجود"

    ​لم يعدِ المدى الزمني في أستريا يُقاسُ بالتعاقب، بل بالعمق. في أعقابِ "المزامنةِ الجماعية"، تحولت المدينةُ إلى بؤرةِ تركيزٍ كونيّ، حيثُ أصبحت المادةُ والوعيُ وجهين لعملةٍ واحدة. المهندس، الذي كان ذاتَ يومٍ عدواً يتربصُ في الظلال، تحولَ في ذاكرةِ أستريا إلى "درسٍ قديم" عن مخاطرِ الانفصالِ عن الجوهر. لم يعد هناك مكانٌ للظلام، لأنَّ الضوءَ في أستريا لم يكن شمساً في السماء، بل كان وهجاً منبثقاً من وعيِ كلِّ إنسانٍ يختارُ الصدقَ طريقاً.​ليلى، التي أصبحت تقضي أغلبَ وقتِها في "مرصدِ الاحتمالات"، بدأت تلاحظُ أنَّ نسيجَ الواقعِ حولَ أستريا بدأ يرقُّ. كانت ترى من خلالِ جدرانِ المكانِ والزمانِ عوالمَ أخرى تئنُّ من وطأةِ الأوهامِ الميكانيكية التي حرروا أنفسَهم منها. لم يكن الأمرُ مجردَ رؤية، بل كان شعوراً بالتداخل؛ ألمُ الآخرين أصبحَ يؤلمُ أهلَ أستريا، وأملُهم أصبحَ يتنفسُ في صدورِهم.​تحدي "صدى الوجود"​بينما كانت أستريا تحتفلُ بذكرى تحررِها العظيم، بدأت تظهرُ ظاهرةٌ غريبةٌ أطلق عليها الحكماءُ اسم "صدى الوجود". بدأت أصواتُ ليلى وآريان وكلماتُهم في "مجالسِ الصفاء" تترددُ في عوالمَ بعيدةٍ جداً، ك

  • سجينُ قلبي:زفاف في الظلال ​خلف قناع الهروب   الفصل الثاني والثلاثون: "سيمفونيةُ الوعيِ الموحد"

    ​لم تعد أستريا تعيشُ وتيرةً زمنيةً خطيةً كبقيةِ العوالم؛ فقد بدأت طاقةُ "النبضِ الأزرق" التي تشبعت بها المدينةُ تحولَ المكانَ إلى فضاءٍ مرنٍ يتدفقُ فيه الزمانُ كالنهر، يتسارعُ في لحظاتِ الإبداعِ ويتباطأُ في أوقاتِ التأمل. كانت هذه ظاهرةً أطلق عليها "حكماءُ الوعي" اسم "الزمنِ الحي"، حيثُ يعيشُ المواطنُ في أستريا ساعاتِه وفقاً لعمقِ وعيه، لا وفقاً لحركةِ الأفلاك. في هذا الفصل، انتقلت أستريا من كونِها "منارةً للعبور" إلى كونِها "مختبراً للزمنِ الجديد".​استيقظت المدينةُ على إيقاعٍ لم تألفْه من قبل؛ كانت الطبيعةُ نفسها تتفاعلُ مع النبضِ الجماعيِّ للسكان. الأشجارُ التي كانت تنمو ببطءٍ أصبحت تزهرُ وتثمرُ في ساعات، والينابيعُ التي كانت جافةً منذ قرونٍ بدأت تتدفقُ بمياهٍ صافيةٍ تحملُ طاقةً شفائية. لم يكن هذا سحراً بالمعنى البدائي، بل كان استجابةً حيويةً من الكوكبِ لنفوسٍ أصبحت في حالةِ "تناغمٍ مطلق" مع الوجود.​ليلى، التي كانت تجلسُ في "قاعةِ المرايا" – وهي قاعةٌ بُنيت لتعكسَ التردداتِ الكونيةَ وتترجمَها إلى أفكارٍ قابلةٍ للتنفيذ – كانت تتابعُ هذه التغيراتِ بدقة. "إننا نغيرُ قوانينَ الفيزياءِ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status