Share

عودة الذئب

Author: Alaa issa
last update publish date: 2026-05-10 19:13:26

الرجل الذي يعود من الموت لا يعود كما كان. يعود بشيء إضافي في عينيه، شيء لا اسم له لكنه يُرى.

وصل نيكولاي في الثانية عشرة ظهراً.

كنتُ أنتظره في شقة مارينا حين سمعتُ طرقات الباب الثلاث المعتادة التي لم يتفق عليها أحد لكنها أصبحت طريقته منذ أول يوم. فتحتُ الباب فوجدته واقفاً في العتبة؛ أنحف مما كان، وجهه شاحب بلون الثلج القديم، لكن عينيه الزرقاوين كانتا لا تزالان تحملان تلك الحدة التي لا يصنعها إلا الألم.

نظر إليّ طويلاً.

نظرتُ إليه.

ثم فتح ذراعيه وعانقني بقوة مفاجئة لم أتوقعها منه، وشعرتُ بض
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • سيبيريت   عودة الذئب

    الرجل الذي يعود من الموت لا يعود كما كان. يعود بشيء إضافي في عينيه، شيء لا اسم له لكنه يُرى. وصل نيكولاي في الثانية عشرة ظهراً. كنتُ أنتظره في شقة مارينا حين سمعتُ طرقات الباب الثلاث المعتادة التي لم يتفق عليها أحد لكنها أصبحت طريقته منذ أول يوم. فتحتُ الباب فوجدته واقفاً في العتبة؛ أنحف مما كان، وجهه شاحب بلون الثلج القديم، لكن عينيه الزرقاوين كانتا لا تزالان تحملان تلك الحدة التي لا يصنعها إلا الألم. نظر إليّ طويلاً. نظرتُ إليه. ثم فتح ذراعيه وعانقني بقوة مفاجئة لم أتوقعها منه، وشعرتُ بضغط يده على ظهري، يد رجل يتأكد أن ما أمامه حقيقي وليس وهماً صنعته أيام الوحدة في تلك القرية المنسية. "أنت بخير،" قالها كإثبات لا كسؤال. "أنا بخير." أفلتني وخطا إلى الداخل، وتفحص الشقة بعينين خبيرتين. توقف حين وصل إلى الأريكة البيضاء التي كانت مارينا تجلس عليها دائماً. نظر إليها لثانية واحدة فقط، ثم أدار ظهره وجلس على الكرسي المقابل. لم يتكلم عنها. ولم أتكلم أنا أيضاً. بعض الأشياء تُعاش ولا تُقال. أعددتُ قهوة وجلسنا. أخبرتُه بكل شيء؛ الاتفاق مع فيكتور، سيبيريت-3، ديمتري، واتصال أولغا. كان

  • سيبيريت   الابتسامة الأخيرة

    بعض اللحظات لا تأتي بصوت عالٍ. تأتي بهدوء، كثلج سيبيريا، تتراكم ببطء حتى تثقل كل شيء دفعة واحدة. استيقظتُ في السادسة. لم أنم كثيراً. كانت محادثة أولغا تسكن رأسي كلحن قديم لا تستطيع إسكاته. صوتها ذلك الهمس الأخير، "لا تضيع ما تبقى منك"، كان يتردد في الغرفة الصامتة كأنه لا يزال في الهواء. نهضتُ. أعددتُ قهوة سوداء، وجلستُ أمام الكيس الصغير على الطاولة. بلورات سيبيريت-3. نظرتُ إليها طويلاً كما ينظر الإنسان إلى قرار لا يمكن التراجع عنه بعد اتخاذه. ثم أخذتُ الكيس، ووضعتُه في جيبي الداخلي، وارتديتُ معطفي. كان مكتب فيكتور في العاشرة صباحاً يبدو مختلفاً عن اليوم السابق. ربما لأنني كنتُ مختلفاً. كان فيكتور جالساً خلف طاولته، وبجانبه رجل لم أره من قبل؛ في الأربعين، ضخم الجثة، وجهه يحمل ندبة قديمة تشق حاجبه الأيسر. لم يُقدّم فيكتور اسمه، ولم أسأل. "الكيس،" قال فيكتور مباشرة. أخرجتُ الكيس ووضعتُه على الطاولة. التقطه فيكتور وفتحه. نظر إلى البلورات، ثم إلى الرجل بجانبه. أومأ الرجل برأسه كأنه يفهم ما لم يُقَل. وقف الرجل، أخذ الكيس، وخرج من الغرفة بصمت. "سيختبرها،" قال فيكتور. "متى ستع

  • سيبيريت   سيبيريت-3

    الفرق بين العالم والمجرم أن العالم يعرف بالضبط ما يصنع. عدتُ إلى المختبر في اليوم التالي. لم يكن المختبر القديم في القبو؛ ذلك مات مع رائحة الغاز التي تركتُها خلفي ليلة الهروب. كان مختبر فيكتور الجديد، لكن هذه المرة حين دخلتُ الباب الحديدي الثقيل، كان الشعور مختلفاً تماماً. لم أكن موظفاً يدخل مكان عمله، ولا سجيناً يدخل زنزانته. كنتُ رجلاً يدخل مكاناً يملكه، أو يوشك أن يملكه. الفرق بين الاثنين أدق مما يبدو. كان ديمتري في انتظاري عند الطاولة المعدنية. نظر إليّ حين دخلتُ بعيون رجل لا يعرف بعد إن كان قراره بالانضمام إليّ شجاعة أم حماقة. "هل جاء أحد من رجال فيكتور؟" سألتُه. "لا." "جيد،" خلعتُ معطفي وعلقتُه على الباب، "سنبدأ اليوم." سيبيريت-3 لم يكن اختراعاً وليد اللحظة. كنتُ أفكر فيه منذ أسابيع، أرسمه في ذهني قبل أن أرسمه في دفتري، أبني تركيبته جزيئاً فجزيئاً في تلك الساعات الطويلة حين يرفض النوم أن يأتي. كان سيبيريت-2 بداية الفكرة، لكن سيبيريت-3 كان شيئاً مختلفاً كلياً في فلسفته لا في كيميائه فقط. سيبيريت-2 كان يمنح السلام. سيبيريت-3 كان يمنح الرغبة في العودة. الفرق بين المخدر

  • سيبيريت   في عيون الوحش

    الرجل الذي يدخل وكر الأسد لا يحتاج شجاعة بقدر ما يحتاج إلى يقين بأن الأسد يحتاجه أكثر مما يحتاج لحمه. استيقظتُ في السادسة صباحاً. لم أنم حقاً؛ كنتُ في تلك المنطقة الرمادية بين اليقظة والنوم حيث تزورك الأفكار بشكل أوضح مما تزورك في النهار. كانت أفكاري مرتبة بشكل مخيف؛ صفوف من المعادلات لا الكيميائية هذه المرة، بل معادلات القوة والخوف والمصلحة. نهضتُ واستحممتُ بماء بارد. في سيبيريا، الماء البارد لا يحيي الجسد فقط، بل يذكّره أنه لا يزال حياً. ارتديتُ أفضل ما في خزانة مارينا من ملابس رجالية؛ كانت تحتفظ بمعطف رجالي أسود فاخر لم أسأل عن صاحبه. ارتديتُه، وأحكمتُ أزراره، ونظرتُ في المرآة. رأيتُ رجلاً لا يشبه يوسف الذي جاء إلى سيبيريا. جيد. في التاسعة والنصف، كنتُ في السيارة. اتصلتُ بديمتري: "هل أنت مستعد؟" "نعم." "تذكر ما اتفقنا عليه." "أتذكر." "ديمتري،" قلتُها بنبرة لا تحتمل اللبس، "إذا تصرفتَ خارج ما اتفقنا عليه، لن أعطيك فرصة ثانية." صمت قصير. "أفهم." أغلقتُ الهاتف وانطلقتُ. كان مكتب فيكتور في الطابق العاشر من أحد أرقى مباني المدينة؛ واجهة زجاجية تطل على النهر المتجمد، وحرا

  • سيبيريت   العودة

    الرجل الذي يعود إلى المكان الذي هرب منه ليس نفس الرجل الذي هرب. استيقظتُ قبل الفجر بساعة. كان نيكولاي لا يزال نائماً، تنفسه منتظم لكنه ثقيل، ووجهه في النوم يبدو أصغر من عمره بسنوات. كانت الغرفة باردة والشمعة قد احترقت حتى آخرها وتركت خلفها بقعة شمع بيضاء على الطاولة الخشبية. نظرتُ إليه طويلاً. كان هذا الرجل هو أول من رآني حين وصلتُ إلى سيبيريا؛ مستلقياً على سريره، يدخن بلا مبالاة، وعيناه الزرقاوان تقيسانني بنظرة تعرف أكثر مما تُظهر. كان آخر شيء يربطني بذلك الفتى الذي جاء حاملاً حقيبة واحدة وظناً واهماً بأن العلم وحده يكفي. أخرجتُ الورقة والقلم من جيبي وكتبتُ: "ابقَ هنا حتى تتعافى. لا تتصل بأحد. لا تتحرك. سأتصل بك حين يحين الوقت." وضعتُها بجانب يده النائمة. خرجتُ إلى الفجر السيبيري. كانت السماء تبدأ بتحولها من الأسود إلى الرمادي ببطء كأنها تفعل ذلك على مضض. الثلج توقف عن الهطول خلال الليل وترك خلفه عالماً أبيض ناصعاً يبدو نظيفاً بشكل زائف، نظافة الأشياء التي تخفي تحتها ما لا تريد أن تُظهره. جلستُ في السيارة وحدي. أخرجتُ هاتفي ونظرتُ إلى آخر رسالة من أمي؛ كانت قبل أسبوعين: "ي

  • سيبيريت   الثلج لا يسمع

    أقدام الإنسان تترك أثراً في الثلج، لكن الثلج لا يحزن على من مشى فيه. لم أوقف السيارة. كان عقلي يأمرني بالتوقف، لكن قدمي كانت تضغط على دواسة البنزين بإصرار أعمى. كان الطريق يمتد أمامي والرصاص يتوقف خلفنا تدريجياً كلما ابتعدنا، وكانت يدي على المقود تبدو يد شخص آخر لا أعرفه. "يوسف،" صوت نيكولاي كان منخفضاً وثقيلاً. "أعرف." "يوسف، أوقف السيارة." "أعرف." "يوسف!" أوقفتُ السيارة. الصمت الذي ملأ السيارة حين انطفأ المحرك كان من نوع لم أسمعه من قبل؛ لم يكن صمت الغابة، ولا صمت المختبر، ولا حتى صمت الليل في سيبيريا. كان صمتاً حياً، يتنفس، كأن الهواء نفسه يعرف أنه يجب أن يصمت احتراماً. التفتُّ ببطء. كانت مارينا في نفس الوضعية التي رأيتُها فيها في المرآة. رأسها مائل نحو النافذة اليمنى، وعيناها مفتوحتان تحدقان في الأشجار المتجمدة كأنها تقرأ شيئاً مكتوباً بين جذوعها. يدها اليمنى كانت لا تزال تمسك يد نيكولاي. لم يكن في وجهها ألم. هذا ما صدمني أكثر من أي شيء؛ أنها بدت هادئة. كأن الموت في سيبيريا يأتي بهدوء يليق بالمكان. نزل نيكولاي من السيارة ببطء شديد، يداه الاثنتان تضغطان على جرحه. واج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status