LOGINيستيقظ ماتسويا في عالمٍ لا يعرفه… بلا ماضٍ، بلا إجابات. وسط ظلالٍ تتحرك، وأسرارٍ تهمس في الظلام، يكتشف أن البقاء ليس للأقوى… بل للأذكى. بين سحرٍ خفي، وخطرٍ يترصده في كل خطوة، يخوض رحلةً تكشف له الحقيقة— لكن… ماذا لو كان هو نفسه أعظم تلك الأسرار؟
View Moreلقد مرّ مئتا عام منذ تغيّر العالم إلى الأبد. عُرف ذلك الحدث باسم “المختبر القرمزي”—منشأة غير قانونية اكتنفتها الأسرار والخوف. أدى إنشاؤه إلى موجة من الاختطافات وحالات الاختفاء، فغرقت المجتمعات في الفوضى. كانت شوارع المدينة تهمس بحكايات المفقودين، وصار الناس يسيرون بحذر، كأن كل ظل قد يخفي سرًا.
في عام 1825، أُنشئ المختبر بهدفٍ مروّع: تحويل البشر إلى أسلحة حيّة. زعم العلماء أنهم يعيدون تشكيل البشرية، لكن وسائلهم كانت وحشية؛ كانوا يجرون تجارب بلا ضمير، ويحطمون الأرواح كما لو كانت مجرد مواد اختبار. وبعد عام واحد فقط، مزّق انفجار كيميائي هائل أرجاء المختبر. تأثّر خمسةٌ وتسعون بالمئة من البشر، وتغيّرت جيناتهم، مانحةً إياهم قدراتٍ خاصة. لم تكن التحوّلات متساوية. الوحوش—مخلوقات وُلدت من رحم المختبر—فقدت معظم ملامح إنسانيتها. تسعةٌ وتسعون بالمئة من أجسادها تشوّهت إلى أشكال مرعبة: أطراف ممدودة، عمود فقري ملتوي، وأسنان حادّة كالشفرات. أمّا البشر، فقد تأثروا بشكل مختلف؛ كانت التغيّرات طفيفة: تبدّل في لون العينين، تغيّر خفيف في الشعر، وعلامات باهتة على الوجه. كافية لتمييزنا عن البشر العاديين، لكنها غير كافية لمحو هويتنا. ومن هنا تبدأ قصتي. اسمي ماتسويا شيناهارا. أبلغ بالكاد عشرين عامًا. وُلدت في دولة آسيوية، ونشأت على يد أمي التي كانت ربة منزل. أمّا أبي… فتلك حكاية ليومٍ آخر. انفصل والداي عندما كنت صغيرًا جدًا، تاركين خلفهما فراغًا صامتًا في منزلنا. كل ما كنت أعلمه أننا كنا يومًا عائلة ثرية. بعد الانفصال، عشت مع أمي حتى وفاتها المفاجئة في طفولتي. لا تزال ذكرى صوتها اللطيف ورائحة طعامها عالقة في ذهني، حلوة ومرّة في آنٍ واحد، تتلاشى ببطء. بعد ذلك، أصبحت جدتي الوصية عليّ. اعتنت بي، وربّتني، وراقبتني بإصرارٍ هادئ، ترشدني بقواعد كنت أقاومها أحيانًا، لكنني في أعماقي كنت أفهمها. أمتلك قدرة فريدة تُدعى “دم التنين”. أستطيع إطلاق دمٍ منصهر أو متجمّد عبر عروقي، والتحكم به باستخدام يديّ. إنها قوة هائلة… وخطيرة. الإفراط في استخدامها يستنزف قوة حياتي، ويرفع حرارة جسدي، ويُربك نبض قلبي. ثمنها باهظ، لكن هذه القدرة… مُغرية. في كل مرة أطلقها، أشعر باندفاع من الحياة والقوة لا أستطيع تجاهله. في ذلك الصباح، ذكّرتني جدتي، بصوتٍ هادئ لكنه حازم: “إلى متى ستبقى هنا؟ ألم تذهب إلى العمل بعد؟” “أعلم يا جدتي… سأذهب،” أجبتها محاولًا الحفاظ على ثبات صوتي. “لكنّك متأخر. مديرتك ستخصم من راتبك،” قالت وهي تنظر إليّ من فوق نظارتها. “أعلم. هل أذهب أم لا؟” لمعت عيناها بمكرٍ خفيف. “بالطبع يجب أن تذهب. هل تظن أنني سأعيلك حتى تشيخ؟” “سأذهب،” قلت وأنا أومئ برأسي. بعد أن استعددت، صادفت جارتي ماريا آيسو. “شيناهارا، مرحبًا،” حيّتني بابتسامة. “مرحبًا، آيسو،” أجبت محاولًا رد الابتسامة. “إلى العمل؟” سألت. “نعم… لم أكن أريد، لكن جدتي أجبرتني،” اعترفت. “يجب أن تذهب. جدتك صارمة. على عكس أختي… كل ما يهمها هو المظاهر. تحاول دائمًا أن تبدو مثالية أمام زوجها،” قالت. “بصراحة، هي مهووسة بالكمال.” “صحيح،” قلت، مبتسمًا ابتسامة خفيفة. قدرة آيسو تُدعى “الشفاء الكتلي”. تستطيع شفاء أي شخص فورًا بمجرد لمسة. إنها قدرة مذهلة، رغم أن اسمها يبدو غريبًا. أختها الكبرى تركتها خلفها. لم تبدُ يومًا وكأنها تستمتع بالحياة مع العائلة، لكن ذلك كان اختيارها. “آمل ألا أكون قد أخّرتك،” قالت وهي تفسح الطريق. “لا، لا بأس. إلى اللقاء،” قلت وأنا أسرع مبتعدًا. كان العمل جحيمًا. كل يوم بدا كأنني أدخل فرنًا مشتعلًا. ضاقت عينا مديرتي حين وصلت. “شيناهارا! أنت متأخر!” صاحت. “آسف. لن يتكرر ذلك،” قلت. “هل تظن أنني سأتغاضى عن الأمر؟” انحنيت قليلًا. “أعتذر عن التأخير.” تأملتني للحظة، ثم سألت: “والآن… أخبرني. ماذا ترغب؟ المال أم الشجاعة؟” “…الشجاعة،” أجبت بشكلٍ تلقائي. “بالضبط. الجميع يرغب بما ينقصه،” قالت. مرّ اليوم ببطء. كل مهمة بدت أثقل من سابقتها. تاه ذهني نحو “دم التنين”، نحو القوة التي حبستها داخلي. هل يمكنني حقًا التحكم بها إن وُضعت على المحك؟ ارتجفت وأنا أتخيّل عواقب فقدان السيطرة. بعد أقل من خمس ساعات، حلّ الليل. وبما أنني لا أملك سيارة، سرت عائدًا إلى المنزل. كانت الشوارع خالية، والريح تحمل رائحة خفيفة من الإسفلت الرطب. امتدت الظلال على الجدران كأصابع مظلمة. ثم سمعته: صرخة يائسة من زقاق قريب. صاحت غرائزي في وجهي أن أبتعد، لكن شيئًا في داخلي أجبرني على التقدم. كان الزقاق مظلمًا، والظلال تمتد على الجدران كالأصابع. على الأرض، كان هناك رجل وامرأة، كلاهما مصاب. كانت المرأة تمسك بمسدس. شعرها طويل، أبيض، ينسدل حتى قدميها، يغطي جزء منه عينها اليمنى. كانت ترتدي ملابس سوداء، وقميصًا ذا ياقة عالية يكشف ذراعيها. عيناها سوداوان… باردتان… خاليتان من أي مشاعر. “أرجوكي… لا تقتليني. ارحميني!” توسل الرجل. “ولماذا لم تفكر في الرحمة عندما أغضبتني؟ لماذا اعترضت طريقي؟” سألت بصوتٍ جليدي. “لم أفعل شيئًا!” تمتم. “حقًا؟” قالت وهي توجه السلاح نحوه. “إذًا لماذا كانت لديك تلك الأوراق ضدنا؟ جاسوس، ربما؟ الموت هو العقاب.” “أنا… لم أكن! لقد خُدعت من قبل الشرطة!” “الشرطة… لا. الموت ليس مجرد عقاب، بل رحمة أيضًا،” قالت. “سأمنحك طلقة واحدة صغيرة. الموت يحل أعباء الحياة.” “لا… أرجوكي!” صرخ الرجل. “القانون صارم،” قالت وهي ترفع السلاح. “كل من يتجسس أو يخون سيُعدم. وأنت أيها الغريب… هل لديك أمنية أخيرة؟” لم أستطع الوقوف متفرجًا. دوّى صوتي في الزقاق: “توقفي! ما تفعلينه—توقفي حالًا!” التفتت نحوي، ونظرتها باردة كالجليد. “ومن تكون لتتدخل، أيها الدخيل؟” تسارع نبض قلبي. نظرت إليها بثبات. كان الزقاق صامتًا، إلا من صوت الدم الذي يندفع في أذني. لقد خطوتُ إلى لحظة لا يتمناها أحد… لحظة يتأرجح فيها الموت والحياة على خيطٍ رفيع.لبضع لحظات بعد أن رفعت تيفا يديها نحو السماء وسألت بشكلٍ درامي أيّ نوعٍ من الأقدار لعننا برفقة أشخاص مثل ماغنوس وفيسبيرا، ساد صمتٌ غريب في فناء قلعة لونيث. لم يكن صمتًا فارغًا حقًا، بل كان ممتلئًا بردود أفعالٍ غير منطوقة تنتظر أن تنفلت. مرّ النسيم بخفة فوق الأرضية الحجرية، حاملًا معه رائحة خفيفة من الغبار والحديد العتيق من رفوف التدريب القريبة، بينما تمايلت الرايات الطويلة المعلّقة على جدران القلعة ببطء فوق رؤوسنا.حاولت—صدقًا حاولت—ألا أضحك.لكن تعبير تيفا جعل ذلك شبه مستحيل.وقفت هناك، وعيناها البنفسجيتان ضيقتان وهي تحدّق في السماء وكأنها تتوقع من الكون نفسه أن يعتذر عمّا نحن فيه. كانت يداها على خصرها بثبات، وكتفاها منحدرتين قليلًا في إحباطٍ مبالغ فيه، وجعلها هذا الموقف كله تبدو كشخصٍ اكتشف للتو أن الكون قرر شخصيًا إزعاجه.أدرت رأسي قليلًا بعيدًا عنها، وغطّيت جزءًا من فمي بيدي وأنا أحاول كتم ضحكتي.«تعلمين،» قلت أخيرًا، محاولًا الحفاظ على هدوء صوتي، «لو دخل أحدهم الآن دون سياق، لظن أنك تعرضتِ لخيانةٍ شخصية من القدر نفسه.»أنزلت تيفا ذراعيها ببطء والتفتت نحوي، ونظرت إليّ بنظرةٍ تجمع
ساد صمتٌ قصير في هواء الليل بعد أن رفعت تيفا يديها نحو السماء وتمتمت بشكل درامي:«أيّ نوعٍ من الأقدار هذا؟»كانت المشاعل على جدران القلعة تومض مع النسيم الخفيف، وبدا الفناء هادئًا بشكل غريب رغم كل ما حدث خلال الساعات القليلة الماضية. فركتُ مؤخرة عنقي، محاولًا ألا أضحك على بؤس تيفا، وفي الوقت نفسه أتساءل كيف انتقلنا بطريقةٍ ما من كوننا سجناء في الزنزانة إلى الوقوف خارج القلعة مع شقيقة الكونت نفسها، نتحدث عن أطلال قديمة وتنانين.أما تيفا، فلم يكن لديها أي نية للهدوء. أنزلت يديها ببطء من السماء، وضاقت عيناها البنفسجيتان قليلًا وهي تحدّق في فيسبيرا بشكٍ مبالغ فيه.«لا، بجدية،» تابعت وهي تشير بين القلعة خلفنا والمرأة الواقفة أمامنا بهدوء، «أريد فقط أن أفهم منطق هذا الكون. أحد الأشقاء يدير المملكة وكأنه كتاب قوانين منحوت في الحجر، والآخر يتسلل إلى الزنازين ليلًا لإنقاذ مجرمين حتى يتمكن من إجراء مقابلات معهم حول أطلال سحرية. بدأت أظن أن القدر يحمل لنا ضغينة شخصية.»لم تبدُ فيسبيرا منزعجة. بل إن لمحة خفيفة من التسلية لمعت على وجهها. بدّلت وقفتها قليلًا وضمّت ذراعيها، وكأنها تفكّر في شكوى تيفا
كانت الزنزانة الواقعة أسفل القصر أكثر هدوءًا مما توقعت.لم يكن هدوءًا باعثًا على الراحة—أبدًا—بل كان هدوءًا ثقيلًا خانقًا، من ذلك النوع الذي لا يوجد إلا في الأماكن تحت الأرض. كانت الجدران الحجرية تحتفظ بالبرودة كأنها ذكرى عنيدة ترفض الرحيل، وكان الهواء يحمل رائحة خفيفة من الحديد الرطب والغبار العتيق. كل صوت كان يتردد بصورة مبالغ فيها، حتى إن أبسط حركة بدت أعلى مما ينبغي.أسندت ظهري إلى الجدار الخشن وأطلقت زفيرًا بطيئًا، محاولًا تجاهل البرودة التي تتسلل عبر ملابسي.على الجانب الآخر من الزنزانة، كانت تيفا تفشل تمامًا في فعل الشيء نفسه.كانت تتحرك بلا توقف منذ نصف ساعة، تدور في دوائر غير منتظمة كحيوان محبوس لا ينوي أبدًا تقبّل قفصه. ومع كل بضع خطوات، كانت تقفز بخفة، وطاقة مضطربة تشع منها، بينما انعكس ضوء المشاعل الخافت على عينيها البنفسجيتين اللتين بدتا أكثر انزعاجًا من المعتاد.تمتمت قائلة:"أقسم، إن أبقونا هنا مدة أطول، فسأفقد صوابي."جلست ليورا بهدوء على المقعد الضيق قرب الجدار، مستقيمة كما هي دائمًا، وكأن وجودها في السجن أسفل القصر ليس سوى أمر مزعج بسيط في يومها. لم ترفع نظرها حين تح
كانت الزنزانة الواقعة أسفل القصر أكثر هدوءًا مما توقعت.لم يكن هدوءًا باعثًا على الراحة—أبدًا—بل كان هدوءًا ثقيلًا خانقًا، من ذلك النوع الذي لا يوجد إلا في الأماكن تحت الأرض. كانت الجدران الحجرية تحتفظ بالبرودة كأنها ذكرى عنيدة ترفض الرحيل، وكان الهواء يحمل رائحة خفيفة من الحديد الرطب والغبار العتيق. كل صوت كان يتردد بصورة مبالغ فيها، حتى إن أبسط حركة بدت أعلى مما ينبغي.أسندت ظهري إلى الجدار الخشن وأطلقت زفيرًا بطيئًا، محاولًا تجاهل البرودة التي تتسلل عبر ملابسي.على الجانب الآخر من الزنزانة، كانت تيفا تفشل تمامًا في فعل الشيء نفسه.كانت تتحرك بلا توقف منذ نصف ساعة، تدور في دوائر غير منتظمة كحيوان محبوس لا ينوي أبدًا تقبّل قفصه. ومع كل بضع خطوات، كانت تقفز بخفة، وطاقة مضطربة تشع منها، بينما انعكس ضوء المشاعل الخافت على عينيها البنفسجيتين اللتين بدتا أكثر انزعاجًا من المعتاد.تمتمت قائلة:"أقسم، إن أبقونا هنا مدة أطول، فسأفقد صوابي."جلست ليورا بهدوء على المقعد الضيق قرب الجدار، مستقيمة كما هي دائمًا، وكأن وجودها في السجن أسفل القصر ليس سوى أمر مزعج بسيط في يومها. لم ترفع نظرها حين تح