Share

106

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-02 04:00:34

تحولت نظرات الفرعون ببطء، واستقرت على حفيده "سى اوزير" طويلاً. كانت عينا الملك تلمعان ببريق غريب، كأنه يرى في هذا الفتى مستقبل ملكوت بأكمله. همس رمسيس:

"أخبرني يا سى اوزير... يا سليل الحكمة... هل تخاف الموت؟"

نظر سى اوزير إلى جده بثبات، ولم يكن في عينيه خوف الصغار، بل وقار الكهنة العظام، وأجاب بهدوء وسكينة:

"لا أخاف الموت يا جدي... فقد رأيتُ خلف حجب الأرض وعرفتُ أن الجسد مجرد ثوب. أنا لا أخاف الموت... لكني أخاف شيئاً واحداً؛ أخاف أن أخذل ثقتك، أو أقصر في حماية ما تركتَه لنا."

ارتعشت شفة رمسيس، وخرجت منه ضحكة خافتة، متعبة لكنها مليئة بالفخر:

"لن تخذلني أبداً يا بني.. أنت نور تحوت الذي تجسد في عائلتنا.. أنت أمل مصر الذي ادخرته الآلهة للأيام المظلمة. اسمعوني جيداً يا أبنائي، واسمعوا ما سأقوله فإنه آخر مداد روحي: مصر ليست مجرد أرض نعيش عليها، ولا نيل نشرب منه.. مصر هي قلب العالم النابض. هي مركز الكون، ومهد الحضارة الأول، ومصدر النور الذي يبدد عتمة البشرية. لو سقطت مصر يا أبنائي، سيسقط العالم كله في ظلام سرمدي لا قيامة بعده. الآلهة لم تختر هذه الأرض عبثاً، بل جعلتها الميزان الذي يحفظ توازن "ماعت" ضد الفوضى. لذلك... مهما جاءكم من أعداء من الشمال أو الجنوب، ومهما تمثل الشر في هيئة "بعل" أو غيره من آلهة الدمار... دافعوا عنها. لا تسمحوا للظلام أن يبتلع النور."

مسح "خع إم واست" دموعاً انحدرت على لحيته الكهنوتية، وقال بصوت دامع يحمل قوة القسم:

"سنحرسها يا أبي... بدمائنا، بعقولنا، وبكل تعويذة وسحر أوتينا إياه. لن يقربها دنس طالما فينا عرق ينبض."

تابع رمسيس، وبدا أن أنفاسه تضيق أكثر، لكن روحه كانت تزداد سطوعاً:

"تذكر يا خع إم واست... تذكر تلك الليلة التي عدتَ فيها من "بو باستيس".. كيف احتضنتك تفنوت بلهفة، وكيف بكى سى اوزير فرحاً بعودتك. هذا هو السر يا أولادي.. هذا هو الحب الذي يحمي مصر. ليس السيف وحده، ولا الجدران العالية، بل هذا الرابط المقدّس الذي يجمعكم. مرنبتاح... أنت السيف القاطع والدرع الحصين. خع إم واست... أنت العقل المدبر والحكمة السابرة. سى اوزير... أنت النور الهادي في الظلمات. كنتم ثلاثتكم دائماً عمادي الذي أستند إليه، وبكم أستودع مصر."

ساد الغرفة صمت مهيب، لم يكن يقطعه سوى لهث الفرعون المتسارع، وصوت الرياح الخارجية التي كانت تئن كأنها تشارك الوادي حزنه. غامت عينا الملك العظيم، لكنه تحامل على جسده المتهالك، وأكمل بصوت خافت كأنه وشوشة النسيم:

"مصر أعطتني كل شيء... منحتني الحياة، والمجد ليظل اسمى بجانب الملوك العظام قبلى كما سرت على خطى جدى الامبراطور تحتمس الثالث وجدى احمس ومينا العظيم ، وأعطتني الأبناء والأحفاد الصالحين. الآن... حان وقت الوفاء، أنا أعطيها آخر ما تبقى لي.. أنفاسي الأخيرة. لا تبكوا يا قرة عيني.. الموت بالنسبة لنا ليس نهاية، بل هو انتقال.. عبور إلى حقول اليرال حيث الأبدية. سأراقبكم من علياء السماء.. سأكون مع رع في مركبته، وسأبتسم عندما أرى راياتكم ترتفع معلنة النصر."

في تلك اللحظة، لم يستطع "مرنبتاح"، ذلك القائد الصلب الذي لم تهزه أهوال المعارك، أن يتمسك بجبروته؛ بكى لأول مرة في حياته أمام والده، وانحنى يقبل يده وهمس بنبرة زلزلت أركان الغرفة:

"سننتصر يا أبي... نعدك بآمون وبارئ الكون.. سننتصر من أجلك... ومن أجل مصر."

نظر رمسيس نظرة أخيرة شملت وجوههم جميعاً، وجوه عائلته التي أحبها. بجهد خارق، وضع يده المرتجفة على رأس "سى اوزير" يباركه، ثم مد يده الأخرى لتلمس كتفي ابنيه "خع إم واست" و"مرنبتاح"، ونطق بكلمات خرجت كأعظم ترنيمة سحرية شهدها الوادي:

"مصر قلب العالم... فاحفظوا القلب... وستبقى مصر إلى الأبد..."

ومع الكلمة الأخيرة، ارتخت يد الفرعون العظيم. انخفضت الأنفاس وتوقفت، وانبسطت ملامح وجهه لتتحول إلى هدوء أبدي، يحمل ذات الابتسامة الراضية الشامخة.

غاب الفرعون عن عالم الفناء، لينتقل إلى عالم البقاء، لكن كلماته لم تمت؛ بل ظلت تتردد في أرجاء الغرفة، تتغلغل في الجدران، وتنقش نفسها في أرواح الحاضرين كتعويذة خالدة لا تمحوها الدهور.

تراجعت تفنوت خطوة إلى الوراء، وغطت وجهها بيديها وهي تنشج بصمت، في حين انحنى خع إم واست على جثمان والده يطبع قبلة الوداع على جبهته الباردة. أما مرنبتاح، فقد وقف مستقيماً، ورغم الدموع التي كانت تبلل وجهه، إلا أن ملامحه تحولت فجأة إلى قسوة الصخر؛ لقد انتهى زمن البكاء، وبدأ زمن الحرب.

نظر سى اوزير إلى جده الراحل، وشعر بطاقة غريبة تسري في جسده، كأن بركة الملك العظيم قد فتحت في روحه مغاليق جديدة لم يكن يدركها من قبل. التفت الأخوان والحفيد والزوجة إلى بعضهم البعض، وتشبثت أيديهم في حلقة وثيقة حول سرير الفرعون الراحل. لم يتحدثوا، فلم يكن هناك حاجة للكلام؛ فقد حُفرت الوصية في قلوبهم: "احفظوا القلب".

خارج القصر، كان النيل يواصل جريانه في العتمة، وكانت مصر تبدأ ليلتها الأولى بدون رمسيس الثاني بعد أكثر من ستة عقود.

وفي ذات اللحظة، على المسافة البعيدة في الشمال.. خلف البحار والحدود، حيث تتجمع الظلال وتتحرك القوى المظلمة؛ كان "بعل" يقف على قمة حصنه، ينظر باتجاه الجنوب. شعر بارتعاشة الأرض، وعلم أن الأسد العجوز الذي كان يحمي الوادي قد ترجل عن عرشه.

التفتت العيون المظلمة نحو مصر.. وكان "بعل" يبتسم ابتسامة باردة، يترقب، وينتظر لحظة الانقضاض.. غير مدرك أن النور الذي تركه رمسيس خلفه كان أحرق مما يتخيل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status