공유

105

작가: Ahmed Habib
last update 게시일: 2026-07-02 04:00:28

مرت سنوات الاستعداد الثقال كأنها نهر هادئ يجري فوق أرض من جمر. كان الزمن قد قرر أن يمنح أرض الكنانة برهة من سكون مريب، فترة هدوء تسبق العاصفة التي تنبأت بها النجوم. في تلك السنوات، لم تكن مصر تنام؛ بل كانت تبني من ضعفها قوة، ومن خوفها دروعاً. تعززت الحصون على الحدود الشرقية والشمالية، وغدا الجيش عقيدة صلبة لا تلين، وارتقت كاهنات وكهنة المعابد في مدارج الحكمة والعلوم السرية حتى باتوا حصناً روحياً لا يخترق.

أما الأمير "خع إم واست" وعبقري السحر الصغير "سى اوزير"، فقد بلغا معاً ذروة لم تطأها أقدام السحرة منذ عصر بناء الأهرامات. غاصا يومياً في شعاب كتاب "تحوت" الغامض، يفكّان طلاسمه، ويستنطقان حروفه المكتوبة بمداد النور والظلمة، ينهلان من أسرار الأكوان ما يجعل الأرض ترتجف تحت أقدامهما إن أرادا. وفى المقابل، كان الأمير "مرنبتاح" يتحرك كإعصار مروض، يقود الجيش بكفاءة أسطورية، يطوف بالجنود في مجاهل الصحراء، يعلمهم كيف يكون الجسد درعاً والروح نصلًا.

بينما كانت مصر تتأهب، كان الأسد العجوز، الفرعون "رمسيس الثاني"، قد بلغ التسعين من عمره المديد.

تسعون عاماً من المجد، والحروب، والبناء، والآلهة التي تمشي على الأرض. كان لا يزال شامخاً على عرشه كمسلة من الجرانيت الوردي، لكن الجسد الذي حمل وادي النيل على كتفيه لعقود طويلة بدأ يعلن عصيانه؛ أصبح هشاً، رقيقاً كأوراق بردية قديمة عفا عليها الزمن.

في تلك الأصيل، كان يجلس في حديقة قصره المنيف بطيبة، مستنداً إلى وسائد حريرية، ينظر إلى النيل وهو يتهادى في غسق الغروب. كانت على شفتيه ابتسامة هادئة، غامضة، مليئة برضا من رأى كل شيء، وعاش كل شيء، وفهم كل شيء.

ثم، وبدون مقدمات، وفي ليلة هادئة من ليالي شهر "أمشير"؛ حيث الرياح الباردة تعصف بأوراق الشجر، ضرب مرض الموت الفرعون فجأة.

استيقظت طيبة على صراخ مكتوم انطلق من بين أروقة الحرم الملكي. كانت زفرات الخدم ودموع الحراس تتناقل الخبر المشؤوم كالنار في الهشيم.

هرعوا جميعاً.. "خع إم واست" بعباءته الكهنوتية، و"مرنبتاح" الذي لم يخلع درعه بعد، و"سى اوزير" الذي انقبض قلبه قبل أن تصله الأنباء، والوفية "تفنوت" التي كانت تسبقهم بقلب زوجة وأم يملؤه الرعب.

عندما ولجوا الغرفة الملكية، استقبلتهم رائحة البخور الجنائزي والزيت المقدس، وكان المشهد يمزق نياط القلوب: "رمسيس العظيم"، قاهر الحيثيين، وباني المعابد، ملقى على سريره الوفير، وجهه الذي كان يشع مهابة صار شاحباً كالقمر في محاقه، تنفسه يأتي متقطعاً كأن الصدر يضيق بالروح، وجسده العملاق يرتجف بعنف تحت وطأة حمى شديدة كأنها نار "سخمت" التي لا ترحم.

اجتمعوا حول السرير الملكي، وبدت الغرفة الضخمة فجأة ضيقة، تخنقها العبرات والدموع التي انهمرت من عيون لم تعرف الخوف يوماً.

رفع رمسيس يده بصعوبة بالغة، بدت أصابعه الطويلة مرتجفة، لكن عيناه.. عيناه كانتا لا تزالان تحتفظان ببريق ذلك الملك الذي واجه الموت وحيداً في "قادش". ابتسم ابتسامة ضعيفة، وحاول تحريك شفتيه، فخرج صوته متهدجاً، متحشجاً، لكنه كان لا يزال يحمل رنين العزيمة الخالدة:

"تعالوا... اقتربوا يا أبنائي... ويا حفيدي... لا تبكوا. لقد عشتُ طويلاً... أطول مما كان يجب لأي فاني. تعالوا نسامر بعضنا... كما كنا نفعل في الأيام الطيبة التي خلت."

تقدم "خع إم واست" بخطى ثقيلة، وجلس على حافة السرير، ممسكاً بيد أبيه، تلك اليد التي طالما باركت خطواته، فوجدها باردة كحجر المعبد. وقف "مرنبتاح" على الجانب الآخر، يشد على قبضته حتى ابيضت مفاصله محاولاً حبس دموعه كقائد جيش، بينما جلس "سى اوزير" عند قدمي جده، ينظر إليه بعينين تلخصان حزن الأرض كله. أما "تفنوت"، فقد انحنت برفق، تمسح جبين الفرعون بقطعة قماش كتانية مبللة بالماء المبارك المستخرج من أعمق آبار معبد آمون.

تنفس رمسيس بعمق، وبدا أن ملامحه استرخت قليلاً بوجودهم حوله. قال بصوت ضعيف يفيض بالعمق والروحانية:

"أتذكرون يا أولادي... عندما كنتم صغاراً لا تتجاوز قاماتكم ركبتي؟ كنتُ آخذكم إلى ضفاف النيل في الفجر، قبل أن تستيقظ الشمس. كنتم تتسابقون في السباحة ضد التيار، وكان خع إم واست دائماً يفوز... ليس لأنه الأسرع، بل لأنه كان يستخدم عقله قبل عضلاته، يقرأ حركة الموج ويجعل النهر حليفاً له. وأنت يا مرنبتاح... كنتَ دوماً الشجاع الأرعن الذي يقفز أولاً في الماء البارد دون أن يسأل عن عمقه أو عما يخفيه القاع."

تحركت مشاعر "مرنبتاح"، واهتزت نبرته العسكرية وهو يجيب بصوت مكسور تخنقه الغصة:

"وكنتَ أنت تقف على الشاطئ كالجبل يا أبي.. تروي لنا قصص حروبك وتجاربك. كيف هزمتَ الحيثيين في قادش وأنت محاصر، وكيف بنيتَ أبو سمبل ليبقى شاهداً على مجدنا.. كنتَ لنا وللعالم أسطورة حية. وما زلتَ كذلك، ولن تكون غير ذلك."

ابتسم رمسيس، وتبعت الابتسامة سعلة جافة قطعت نياط قلوب الحاضرين، ثم قال وهو يتطلع إلى سقف الغرفة المزين بالنجوم:

"الأساطير تموت يا ولدي... إنها مجرد حكايات يكتبها البشر على الجدران، لكن مصر... مصر لا تموت أبداً. تذكروا... عندما مرضتُ قبل سنوات خلت، ووقفت بين الحياة والموت، كيف ضحيتُ بجزء من عمري المبارك من أجل أخيك. لم أندم يوماً على ذلك، ولن أندم. لأنكم أنتم... أنتم امتدادي الحقيقي في هذا الكون، أنتم حصادي الأجمل. خع إم واست... أنت الذي نزلتَ إلى غياهب الدوات وعدتَ حاملاً الحكمة. مرنبتاح... أنت الذي حمتَ الحدود وسهرتَ لتبنام الأرض. وسى اوزير... يا معجزتي الخالدة، أنت الذي واجهتَ ظلال أبوفيس وأنت لم تزل طفلاً."

이 작품을 무료로 읽으실 수 있습니다
QR 코드를 스캔하여 앱을 다운로드하세요

최신 챕터

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

더보기
좋은 소설을 무료로 찾아 읽어보세요
GoodNovel 앱에서 수많은 인기 소설을 무료로 즐기세요! 마음에 드는 작품을 다운로드하고, 언제 어디서나 편하게 읽을 수 있습니다
앱에서 작품을 무료로 읽어보세요
앱에서 읽으려면 QR 코드를 스캔하세요.
DMCA.com Protection Status