Partager

117

Auteur: Ahmed Habib
last update Date de publication: 2026-07-03 23:07:19

كان الفجر يشق عتمة الليل ببطء شديد على السواحل الشمالية، كأنه قاضٍ سماوي يستعد لإصدار حكمه الأخير على مصير العالم. بدأت أشعة الشمس الأولى تبزغ من وراء الأفق، لكنها لم تكن أشعة ذهبية دافئة كالمعتاد، بل كانت حمراء قانية، صبغت مياه البحر بلون أحمر دامٍ، كأن الطبيعة نفسها تتنبأ بنهر الدماء الذي سيسيل بعد قليل على هذا الرمل البارد. كان المشهد مهيباً يحبس الأنفاس؛ فالأمواج الهادئة التي كانت تداعب الشواطئ بدأت ترتفع وتتحرك بقلق، كأنها تشعر بالثقل الرهيب الذي ألقاه التاريخ فوق كاهلها في هذه الساعة الحرجة.

في هذه الأجواء المشحونة بالترقب، وصل الأسطول الحربي المصري العظيم إلى الموقع المحدد له بدقة على الشاطئ الرملي الواسع. ولم يكن نزول الجيش من متون السفن فوضوياً أو عشوائياً، بل كان آية في النظام والدقة العسكرية الأسطورية التي تعكس عقوداً من التدريب الصارم تحت ظلال الفراعنة العظام. تحرك الجنود كجسد واحد، وبسرعة مذهلة شكلوا صفوفاً متراصة امتدت على طول الساحل كالجدار البشري الصلب الذي لا يمكن اختراقه.

كان ثلاثون ألف مقاتل مصري يقفون في أماكنهم بثبات الجبال الشامخة، لم يتحرك منهم جندي واحد، ولم يرتجف نصل في يد محارب. كانت رماحهم الطويلة مرفوعة بنظام صارم نحو السماء كأنها غابة من الحديد المستعد لقطف الأرواح، ودروعهم النحاسية والبرونزية الكبيرة قد صُقلت بعناية فائقة حتى غدت تلمع بشدة تحت أشعة الشمس الوليدة، لتعكس الضوء الأحمر نحو التلال، مشكلة لوحة بصرية تملأ قلوب الأعداء رعباً وقلوب الأصدقاء فخراً وعزيمة. كان الصمت الذي يلف الجيش المصري صمتاً مقدساً، صمت الأسود التي تترقب طريدتها ولا تضيع أنفاسها في الصياح الفارغ.

على الجانب الآخر من المشهد، وفوق التلال المرتفعة التي تحيط بالشاطئ من كل جانب وتطل عليه كالأبراج الطبيعية، كان الوضع مختلفاً تماماً ويمثل النقيض الخالص لنظام المصريين وطهرهم. هناك، كان جيش الملك الحيثي "أدنوك" يقف منتشراً بكثافة مرعبة، كأنه سيل أسود جارف انطلق من قاع الأرض الملعونة ولا يمكن لأي عين بشرية أن تلمح أطرافه أو تحصي عدده. ستون ألف جندي مدججين بأثقل أنواع الأسلحة والتروس البرونزية، يملأون التلال بصخبهم وحركتهم العشوائية التي تشبه حركة الحشرات الجائعة.

ولم يكن هذا الجيش يتكون من جنود بشر عاديين فقط؛ بل كان مدعوماً بحشد هائل ومرعب من الوحوش الظلامية الصغيرة والكبيرة التي أرسلها الكيان الشرري "بعل" لتقف في طليعة الحرب كظلال حية تتحرك بين الصفوف وتنشر الرعب. كانت هناك سباع كاسرة مشكلة من الدخان الأسود الكثيف اللاهب، تزأر بصوت مكتوم وتنفث الشرر من أفواهها، وطيور عملاقة سوداء بأجنحة ممزقة تحلق في الأعالي وتنعق بأصوات جنائزية تصم الآذان كأنها تعلن اقتراب الموت، وعمالقة من النار المتقدة تخرج من أجسادهم حرارة لافحة تكاد تحرق الأعشاب الجافة من حولهم.

كان الجيش الشمالي يفوق الجيش المصري في العدد بمقدار الضعف الكامل، وكان الملك أدنوك يقف في مقدمة صفوفه، يركب مركبة حربية ضخمة مصنوعة من الخشب الأسود ومزينة برموز الصواعق والعواصف الحيثية. وكان محاطاً بملوك الممالك الشمالية والشرقية المتحالفة معه والذين أسال الجشع لعابهم، وإلى جانبهم كهنة بعل الكبار الذين يرتدون الملابس الفضفاضة السوداء ويحملون خناجر التضحية، وعيونهم تلمع بحقد دفين لاسم مصر.

توقف الملك أدنوك بمركبته الحربية فجأة عند حافة التل، وكاد يفقد توازنه من شدة المفاجأة عندما نظر إلى الأسفل ورأى الجيش المصري يقف أمامه مباشرة على الشاطئ الرملي بجرأة وثبات لم يتوقعهما أبداً في أسوأ كوابيسه. اتسعت عيناه بدهشة صامتة ممزوجة بالصدمة؛ فقد كانت كل تقارير جواسيسه وسحرته تؤكد أن المصريين في حالة حداد وانكسار بعد موت رمسيس الثاني، وأن الملك الجديد مرنبتاح أضعف من أن يغادر أسوار طيبة أو يفكر في الحرب خارج حدوده.

لكن الصدمة والدهشة لم تدوماً طويلاً في عقل الطاغية؛ إذ سرعان ما استعاد غروره وصلفه الشديد ونظر إلى تفوقه العددي الهائل ووحوشه المرعبة التي تملأ التلال. انفتحت أسارير وجهه القاسي وانفجر ضاحكاً بصوت مدوٍّ وساخر، خرج من أعماق صدره كأنه رعد يرج أركان المكان، والتفت إلى الملوك من حوله يشير بيده نحو الشاطئ قائلاً باستهزاء:

"انظروا... انظروا من جاء إلينا بقدميه! مرنبتاح! أيها الملك الصغير الضعيف وابن رمسيس الذي غيبه الموت! إنها جرأة انتحارية غبية ومضحكة حقاً أن تترك حصونك وتأتي إلينا بنفسك في هذا الصقيع، لتقود رجالك بيدك إلى مسلخنا وتوفر علينا عناء السير إليكم!"

كان أدنوك مطمئناً تماماً ويرى النصر قريباً ومضموناً؛ فجيشه يبلغ ضعف عدد الجيش المصري، والوحوش الظلامية والسحر الأسود الذي يمشي مع فيالقه يمنحه تفوقاً ساحقاً وسيطرة مطلقة تضمن له سحق أي قوة على الأرض وتحويل أجسادهم إلى طعام للطيور الكاسرة.

لكنه، ورغم دهاء قادته وخبرة سحرته الكبار، لم يكن يعلم أبداً بالسر العظيم الذي يخفيه هذا الشاطئ. لم يكن يعلم أن هناك عشرة آلاف مقاتل مصري من قوات النخبة والأشداء، يقودهم الأمير الحكيم "خع إم واست" ومعه الفتى الصغير المعجزة "سى اوزير"، برفقة عشرات من كبار الكهنة الحاملين لأسرار الأجداد، قد نزلوا سراً وبمنتهى الهدوء والصمت قبل ساعات على شاطئ خلفي مهجور يفصل بين التلال الوعرة.

كان هؤلاء العشرة آلاف يتربصون الآن بدقة في شعاب الجبال وخلف الصخور الكبيرة من مسافة قريبة جداً من مؤخرة جيش الحيثيين، وكانوا مستورين تماماً عن الأعين بفضل سحر الإخفاء وحجب الضوء المستمد من كتاب تحوت المقدس، ينتظرون بهدوء وثبات اللحظة الحاسمة والحرجة لإطباق المطرقة على السندان وتدمير خطط الغزاة من حيث لا يحتسبون.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • سيد الرماد والضوء   135

    كان الأسطول الحربي المصري العظيم يشق مياه البحر المتوسط العاتية في طريق عودته إلى ديار الكنانة، متهادياً كأسراب من طيور النصر الجارحة التي تحمل في مخالبها القوية غنائم الشمال المكسور ورايات المجد المرفوعة.في مقدمة السفينة الملكية القيادية ذات الرأس الذهبي الشامخ للصقر "حورس"، كان الملك "مرنبتاح" يقف بقامة ممشوقة لا تعرف الانحناء، يرتدي "تاج التحامس" — التاج المزدوج للوجهين البحري والقبلي — الذي كان يتلألأ تحت أشعة الشمس الساطعة، بينما كان سيفه الذهبي الطويل، الملطخ بدماء الخونة والأباطرة، معلقاً في وقار على خاصرته العسكرية.وأمام عينيه مباشرة، ومن فوق خشب المقدمة الملكية، كان المشهد الأكثر بلاغة ورعباً يلوح للعالم أجمع كعبرة تاريخية أبدية؛ حيث عُلّق أسرى الملوك الشماليين المارقين — الملك الحيثي الطاغية "أدنوك" وملوك الممالك المتحالفة معه من أمورو وميتاني وأوغاريت — مقيدين بإحكام بسلاسل ذهبية غليظة ثقيلة الوزن. كانت أجسادهم الضخمة مكشوفة للرياح البحرية الباردة، ووجوههم القاسية التي طالما ملأها الكبرياء والصلف باتت مغطاة بملامح الذل، والكسرة، والانهيار التام، وهم ينظرون إلى لجة الماء ب

  • سيد الرماد والضوء   134

    كانت تلك هي الخطوة الأخيرة في مسيرة الغضب والتأديب، لكنها لم تكن كسابقتها؛ بل كانت الأشد وطأة، والأكثر قسوة، والأنكأ جراحاً.بعد أن دك الملك الصارم "مرنبتاح" حصون أسقلان، وحطّم قلاع جازر الثرية، ومحا مدينة يانوعام من دفاتر الوجود؛ زحف الجيش المصري العظيم بأربعين ألف مقاتل نحو المرتفعات والوديان الداخلية حيث تقطن القبائل التي تُدعى "إسرائيل". كانت هذه القبائل قد نقضت كل العهود والمواثيق القديمة، وتحالفت سراً وعلناً مع فلول الحيثيين وملوك الشمال المارقين، فصارت بمثابة الخنجر المسموم الذي يتربص بظهر الدلتا والحدود الشرقية.وصل الأسطول والجيش البري كقضاء مبرم شق الضباب. لم يكن الأعداء هنا متمترسين خلف أسوار مدينة واحدة يمكن دك بواباتها، بل كانوا منتشرين في شعاب الجبال ومرتفعات الأودية، وقد استدعوا كل ما تبقى من مرتزقة الشمال وسحرة الظلام، مستعدين لخوض معركة وجودية ضد "حورس الحي".وقف مرنبتاح على عربته الحربية الشامخة، والدخان المتصاعد من المدن المحترقة يلوح خلفه كراية من رايات الآلهة. نظر إلى شقيقه الأمير "خع إم واست" وإلى الفتى المعجزة "سى اوزير" اللذين غطى الغبار عباءاتهما الكهنوتية، وق

  • سيد الرماد والضوء   133

    بعد سقوط "أسقلان" الشامخة وتحطم قلاع "جازر" الثرية، لم يمنح الملك الصارم "مرنبتاح" جيشه أية برهة للراحة؛ إذ كان يؤمن أن حديد العقاب يجب أن يضرب وهو ساخن، وأن تتابع الضربات هو ما يزرع الرعب السرمدي في قلوب الملوك المارقين. كان الهدف الثالث في خطة التطهير الملكية هي مدينة "يانوعام"؛ تلك الحاضرة القابعة في أحضان الأودية الشمالية، والتي كانت تمثل مركزاً سرياً لإمداد فيالق الحيثيين بالمعلومات وجواسيس الظلام.كانت أنباء الجحيم الذي حل بأسقلان وجازر قد سبقت فيالق الجيش المصري إلى يانوعام، وطار ذعر لا قبل لهم به إلى قلوب سكانها وحاكمها. وعندما تراءت لهم أشرعة الأسطول المصري السوداء تقترب عبر الساحل، ويتقدمها المشهد المرعب لجسد الملك الحيثي "أدنوك" المعلق الذي تضربه الرياح، انهارت عزيمتهم قبل أن تبدأ الحرب، وعرِفوا أن آلهة الظلام قد تخلت عنهم تماماً.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف يانوعام كقضاء مبرم لا راد له. وقف مرنبتاح في طليعة فيالقه، وحوله أربعون ألف مقاتل يملأون الآفاق بزئيرهم، بينما كانت أسوار يانوعام تبدو واهنة، وجنودها يقفون فوق الأبراج بأيدي مرتجفة وركب تتصادم من فرط الهلع.لم تدم

  • سيد الرماد والضوء   132

    لم تكد غبار معركة أسقلان تخمد، ولم تكد دماء الخونة تجف على رمال الساحل، حتى أصدر الملك الحازم "مرنبتاح" أمره العسكري الصارم بالتحرك الفوري وبدون راحة. كان الهدف التالي في قائمة العقاب الملكي هو مدينة "جازر"؛ تلك المدينة الحصينة الشاهقة التي كانت تتربع كملكة متوجة فوق التلال، وتشتهر بثرواتها الأسطورية، ومخازن ذهبها التي تسلب عقول الملوك، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يربط طرق التجارة الحيوية.كان حاكم جازر قد بلغه نبأ سقوط أسقلان المروع، ورأى بأم عينيه عبر جواسيسه جسد الملك الحيثي "أدنوك" معلقاً كخرقة بالية على مقدمة السفينة المصرية القيادية. تملك الرعب قلبه، وعرف أن أسواره الحجرية وحدها لن تحميه من غضب "حورس الحي"، فاستنزف كل خزائن ذهبه واستدعى على عجل فيالق ضخمة من المرتزقة الأشداء من غابات وجبال الشمال الباردة، رجالاً لا يعرفون الرحمة ويقاتلون من أجل المال، وحصن مدينته بكل ما أوتيت الممالك من دهاء وعتاد.وصل الجيش المصري العظيم إلى مشارف جازر كأنه إعصار مدمّر. وقف مرنبتاح على عربته الحربية، وخلفه أربعون ألف مقاتل يهتفون باسم مصر، بينما كان حاكم جازر ينظر من فوق أسواره العالية، مح

  • سيد الرماد والضوء   131

    كانت "أسقلان"، المدينة الساحلية الحصينة والملقبة بـ "عروس البحر الشمالي"، هي الهدف الأول على قائمة الغضب الملكي المصري. كانت هذه المدينة تمثل مركز الثقل التجاري والعسكري لملوك التحالف المارقين، وبوابتهم الرئيسة التي تطل منها أطماعهم على حدود الدلتا.بعد أيام قليلة من المعركة الكبرى ومحو الكيان الشرري "بعل" تحت أقدام الإله "ست"، وصل الأسطول الحربي المصري العظيم بقيادة الملك "مرنبتاح" إلى شواطئ أسقلان. كانت السفن تمخر العباب كالتنانين السوداء، يتقدمها المشهد المرعب للملك الحيثي الأسير "أدنوك" المعلق على مقدمة السفينة القيادية، وهو المشهد الذي طار به الذعر إلى قلوب سكان المدينة قبل أن يرسو الأسطول.كانت أسقلان محصنة بأسوار حجرية شاهقة وعريضة، صُممت لتتحمل حصار السنين. وكان أميرها الطاغية قد حصنها بكل ما أوتي من قوة وعتاد، وجمع داخلها بقايا الفارين من فيالق الشمال، متوقعاً ومتحسباً لانتقام مصر الحتمي الذي لا يرحم.وقف الملك مرنبتاح في طليعة جيشه البري أمام البوابات الحديدية الضخمة للمدينة، وحوله ثلاثون ألف مقاتل يملأون الأفق برماحهم ودروعهم، وأرسل رسولاً ملكياً يحمل إنذاراً نهائياً وقاطعا

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status