Share

20

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-14 16:45:04

انفجر الشعاع الفيروزي-الذهبي في قلب السماء، فتراجع جيش الظلال كأمواج بحر ينسحب أمام عاصفة مقدسة. لكن الصمت الذي تلاه لم يكن صمت انتصار، بل صمت يسبق الإعصار. وقف خع إم واست شامخاً، يحمل تفنوت بين ذراعيه، جسدها المنهك يرتجف قليلاً لكنه يشع بدفء وفائها. كان قراره قد صُنع: لن يستسلم للظلام الكامل، ولن يرفض قوته. سيكون حارس التوازن، ملكاً يحمل النار والنور في صدر واحد.

لكن تابوبو لم تكن لتقبل الإهانة بهدوء.

ارتفع صوتها كرعد يمزق السماء، مليئاً بغضب إلهي محترق. تجسدها العملاقي بدأ يتشقق، ليس من الضعف، بل من غضب يفوق الوصف. كانت عيناها الآن بركتان من اللهب الأسود، وجسدها الخيالي ينمو أكثر، يمتلئ بطاقة الغضب المكبوت.

"كيف تجرؤ؟!" صاحت بصوت يهز أساسات منف نفسها. "أنت ترفضني... ترفضني أنا التي منحتك سطوراً من كتاب تحوت؟! تختار هذه الكاهنة الضعيفة التي لا تملك إلا جسداً ناعماً وقلباً هشاً؟!"

انفجر جيش الظلال في موجة هائجة. كانت الظلال النسائية الآن أكثر شراسة، أجسادهن تتحرك بسرعة مرعبة، أيديهن الممدودة تزرع فوضى من الرغبات المدمرة في قلوب السكان. بعض الرجال سقطوا على ركبهم، يئنون من شهوة محرمة مفاجئة، وبعض النساء صاحوا وهم يرون أحباءهم ينجذبون نحو الظلال. المدينة كانت تتحول إلى جحيم حسي وروحي.

تراجع خع إم واست خطوة إلى الوراء، يضم تفنوت أقرب إلى صدره. شعر بطاقة تابوبو الغاضبة تتسلل إليه مرة أخرى، أقوى من ذي قبل، تحاول أن تستغل قراره لتزرع بذور الشك. في ذهنه، أظهرت له رؤى مرعبة: منف محترقة، تفنوت تذوب في بحر من الظلال، وهو جالس وحيداً على عرش فارغ، يندم إلى الأبد.

"انظر إليها!" صاحت تابوبو، وصوتها يرن داخل رأسه مباشرة. "هذه هي التي اخترتها. سأجعلها تشاهدك وأنت تنهار، ثم سأسحبها إليّ وأجعلها تتوسل لي أن أمنحها ما لم تستطيع أنت تقديمه!"

احتضن خع إم واست تفنوت بقوة أكبر، يداه ترتجفان قليلاً من شدة الصراع الداخلي. "لن أدعكِ"، همس في أذنها، شفتاه تلامسان صدغها. "مهما غضبت، مهما حاولت، أنتِ اختياري."

نهضت تفنوت بصعوبة، مستندة عليه، ووجهها شاحب لكنه مصمم. "قرارك كان شجاعاً... لكنه أشعل نارها. الآن سنواجه الثمن معاً."

في غضون دقائق، تحول غضب تابوبو إلى عاصفة أثيرية شاملة. بدأت السماء تمطر رماداً أسود، ومن كل زاوية في منف بدأت تظهر بوابات صغيرة من الظلام، تخرج منها كيانات جديدة — ليست مجرد ظلال، بل تجسيدات لأحلام محرمة شخصية لكل ساكن. رجال يرون نساء أحلامهم يغرينهم، ونساء يرون عشاقاً من الماضي يعودون بأجساد مشتعلة.

وقف خع إم واست في قلب الدفاع، يطلق موجات من الطاقة المختلطة — نور تفنوت ينقي، وسطور الكتاب تدمر. لكن كل ضربة كانت تكلفه غالياً. كان يشعر بجزء من روحه يتمزق، التوازن الذي اختاره كان هشاً، يتطلب جهداً دائماً.

التفت إلى تفنوت، التي كانت تقف بجانبه تدعم الدرع الأثيري بكل ما تبقى لها. "هذا الغضب... سيدمر كل شيء إذا لم نوقفه"، قال بصوت مبحوح.

"إذن لن نوقفه بالقوة وحدها"، ردت بهدوء مخيف. "بل بالعهد الذي صنعناه أنت وأنا."

جذبها إليه فجأة وسط المعركة، وقبلها بعمق يائس، كأن قبلته هذه تعلن لتابوبو وللعالم أن قراره نهائي. شعر بطاقتهما تندمج مرة أخرى، أقوى من ذي قبل، فانفجر نور جديد أبعد موجة كبيرة من الظلال.

لكن رد تابوبو كان أعنف. صاحت بصوت يحمل دموع غضب حقيقية: "حسناً... إذا لم تكن لي، فلن تكون لأحد!"

فجأة، انسحب جيش الظلال جزئياً، لكنه ترك وراءه لعنة جديدة: طاقة ارتدادية تركزت على تفنوت تحديداً. شعرت الكاهنة بألم حاد في صدرها، كأن خيوطاً سوداء بدأت تتسلل إلى قلبها، محاولة تلويث نقاءها.

احتضنها خع إم واست بقوة، وهو يدرك أن قراره المصيري قد أشعل حرباً شخصية بين تابوبو وتفنوت — حرب ستكون أعنف بكثير من أي معركة أثيرية.

"سأحميكِ... مهما كلف الأمر"، همس وهو يدفن وجهه في شعرها.

لكن في أعماقه، كان يعلم أن الثمن قد بدأ يُدفع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status