ログインكان فؤاد الراوي.والدها.لم تكن تالين تتوقع مجيئه إلى المستشفى، وبمجرد أن تأكدت من هويته، لم يكن أول ما شعرت به هو الارتياح لرؤيته، بل الخوف.كانت تعرف والدها جيدًا.وتعرف أن فؤاد الراوي ليس رجلًا يتراجع أمام المواجهات، ولا يسمح لأحد بأن يرفع صوته عليه أو على عائلته. ومع وجود والد نوح في المكان، كانت تخشى أن تتحول لحظة لقائهما إلى مواجهة حادة، خصوصًا بعد ما فعله تامر.كانت تخشى أن يبدأ خلاف بين الرجلين.أن تتصاعد الكلمات.أن يتحول الغضب إلى اتهامات، وربما إلى شيء أسوأ.ولم تكن تالين تحتمل أن يحدث ذلك الآن.كل ما أرادته هو أن يبقى الجميع هادئين، وأن يظل التركيز على نوح حتى يستقر تمامًا.منذ وقوع الحادث، لم يظهر فؤاد أمامها، ولم تحاول هي الاتصال به. كانت تعرف أن وجوده في هذه اللحظة لن يكون سهلًا عليه، خصوصًا وأن الرجل الذي تسبب في كل ما حدث لم يكن غريبًا عنه.كان تامر ابنه.لكن فؤاد لم يأتِ هذه المرة بصفته والد الرجل الذي ارتكب الجريمة.جاء بصفته أبًا يرى نتيجة ما فعله ابنه أمام عينيه.كان وجهه جامدًا، ونظرته ثابتة، وخطواته تحمل تلك الصرامة التي اعتادتها تالين منه.لكن خلف ذلك الجمود كا
اقتربت ريم منها، وأمسكت يدها التي كانت لا تزال ترتجف، محاولة أن تنتشلها قليلًا من حالة التوتر التي سيطرت عليها منذ وصول خبر إفاقة نوح.كانت تالين تبدو وكأنها نسيت تمامًا أنها لم تجلس منذ ساعات. لم تشعر بألم قدميها، ولا بالإرهاق الذي أثقل جسدها؛ كل ما كانت تشعر به هو ذلك القلق المتشبث بقلبها، وكأنها تخشى أن ترفع عينيها عن باب العناية ولو للحظة، فيحدث شيء لا تستطيع احتماله.— اجلسي قليلًا يا تالين.هزت تالين رأسها، وبقيت عيناها معلقتين بباب العناية.— لا أستطيع.نظر إليها سيف للحظات، ثم قال بهدوء، دون أن يحاول إجبارها على شيء:— تستطيعين، لكنكِ لا تريدين. منذ ساعات وأنتِ واقفة هنا، وكأن وقوفكِ سيجعل الوقت يمر أسرع.كادت تالين تجيبه، لكنها توقفت. كانت تعرف أنه محق، ومع ذلك لم تستطع أن تفعل شيئًا سوى البقاء واقفة في مكانها.نظرت إليه بعينين متعبتين، وكانت ملامحها تفضح مقدار الإرهاق الذي لم تعد قادرة على إخفائه.— أخشى أن يحدث شيء آخر.قالت ريم بحنان هادئ، وهي تضغط على يدها:— لن يحدث شيء الآن. نوح بدأ يستعيد وعيه، وهذه أول مرة منذ ساعات نسمع فيها خبرًا يبعث على الأمل.تنفست تالين ببطء، لك
توقفت الممرضة أمام تالين، ولاحظت التوتر الواضح في ملامحها، قبل أن تلقي نظرة سريعة على بقية الواقفين في الممر. ثم عادت بنظرها إليها، وكأنها تحاول أن تختار كلماتها بعناية حتى لا تزيد قلقها.ثم قالت بهدوء:— السيدة تالين...حبست تالين أنفاسها، وشعرت بأن قلبها انقبض من جديد. كانت ملامح الممرضة الهادئة لا تمنحها إجابة واضحة، ولذلك لم تستطع الانتظار أكثر.— ماذا حدث؟ظهرت على وجه الممرضة ابتسامة صغيرة هذه المرة، مختلفة تمامًا عن ملامحها السابقة.وقالت:— السيد نوح بدأ في الإفاقة.حدقت تالين فيها لثوانٍ، وكأن الكلمات احتاجت وقتًا حتى تصل إلى عقلها. ظلت تنظر إليها دون أن ترمش، ثم ارتجفت شفتاها وهي تكرر السؤال، وكأنها تخشى أن تكون قد فهمت خطأ.— بدأ... في الإفاقة؟أومأت الممرضة برفق، وأكملت بنبرة مطمئنة:— نعم. بدأ يستعيد وعيه تدريجيًا، واستجاب لبعض المحفزات، وهذا مؤشر جيد.شعرت تالين بأن شيئًا ثقيلًا كان يضغط على صدرها طوال الساعات الماضية بدأ ينزاح قليلًا. امتلأت عيناها بالدموع، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف وحده.ارتجفت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع.— أيمكنني الدخول إليه؟هزت الممرضة رأ
كان الممر أمام غرفة العناية المركزة هادئًا بصورة أثقلت أعصاب الجميع، حتى إن كل صوت صغير كان يبدو واضحًا وسط ذلك الصمت الطويل.منذ ساعات، لم يتغير شيء تقريبًا.الباب المغلق أمامهم، وأصوات الأجهزة الخافتة القادمة من الداخل، وأفراد الطاقم الطبي الذين يدخلون ويخرجون على عجل، دون أن يمنحوا أحدًا إجابة واضحة عن حالة نوح.كانت تالين تقف أمام الباب، ويداها متشابكتان أمامها بقوة، وأصابعها تضغط على بعضها دون وعي. لم تعد تعرف كم مرة نظرت إلى الباب خلال الساعات الماضية، ولا كم مرة تخيلت أن أحدهم سيخرج منه ليخبرها أن نوح استعاد وعيه.إلى جوارها وقف رجل لم تكن معتادة على وجوده في مثل هذه الأماكن.والد نوح.كان قد عاد من السفر فور علمه بما حدث، ولم يمنحه الأمر وقتًا حتى يستوعب إرهاق الرحلة أو يستعيد أنفاسه.جاء مباشرة إلى المستشفى.كان رجلًا صارمًا، قليل الكلام، لا يسمح لمشاعره بالظهور بسهولة، حتى في أصعب اللحظات. ومع ذلك، كان القلق واضحًا في الطريقة التي ظل بها واقفًا أمام باب العناية، وكأنه ينتظر أن يفتح الباب بنفسه ويطمئن على ابنه.وقف مستقيمًا، وملامحه جامدة، وعيناه مثبتتان على الباب.مر وقت طوي
أما تالين، فبقيت في زاوية الغرفة. لم تكن قادرة على فعل شيء. كانت تريد الصراخ. الاقتراب منه. الإمساك بيده. لكنها لم تستطع. كل ما استطاعت فعله هو الوقوف هناك، تراقب الرجل الذي ضحى بحياته لأجلها، وهو الآن يقاتل من أجل البقاء. — نوح! قال الطبيب بحزم: — لا تقتربي. توقفت في مكانها. وضعت يدها على فمها، وانهمرت دموعها بلا توقف. — لا... أرجوكم... مرت ثوانٍ. ثم ثوانٍ أخرى. لكن بالنسبة إليها، بدا الزمن وكأنه توقف. كانت تحدق في الشاشة، تنتظر أي حركة. أي نبضة. أي دليل على أن نوح لم يرحل. ثم قال الطبيب: — استمروا. شعرت تالين بأن قلبها توقف هو الآخر. حبست أنفاسها. لم تعد تسمع شيئًا سوى دقات قلبها هي. ثم... بعد لحظات طويلة، عاد صوت الجهاز. نبضة. ثم أخرى. ثم بدأت الإشارة تظهر على الشاشة من جديد. حدقت تالين فيها غير مصدقة. كانت الشاشة تتحرك. كان هناك نبض. كان نوح ما زال هنا. قال الطبيب: — عاد النبض. انهارت تالين تقريبًا من شدة الارتياح، وأسندت يدها إلى الحائط حتى لا تسقط. خرجت منها شهقة مختنقة، ثم أجهشت بالبكاء. — الحمد لله... لكن الطبيب لم يبتسم. لم يكن هناك وقت
كانت الغرفة هادئة إلا من صوت الأجهزة الطبية المتتابع، ذلك الصوت المنتظم الذي أصبح الشيء الوحيد الذي يكسر سكون المكان.كان كل شيء من حول نوح يبدو باردًا وصامتًا؛ الإضاءة الخافتة، الأجهزة الموصولة بجسده، والستائر المغلقة التي حجبت ضوء الخارج.أما تالين، فلم تكن ترى شيئًا من ذلك.كل ما كانت تراه هو نوح.كانت تقف إلى جوار سريره منذ عدة دقائق، لا تعرف كم مر من الوقت، ولا كم مرة أعادت النظر إلى وجهه لتتأكد أنه ما زال يتنفس.كان شاحبًا بصورة جعلت قلبها يؤلمها.وجهه الذي اعتادت أن تراه قويًا، متجهمًا، ومسيطرًا على كل شيء، بدا الآن ساكنًا وضعيفًا على نحو لم تتخيله يومًا.اقتربت منه خطوة أخرى.كانت عيناها محمرتين من البكاء، لكنها لم تعد تهتم بشكلها أو بدموعها.كل ما كانت تريده هو أن تسمعه.حتى لو لم يستطع الرد.مدّت يدها ببطء، ثم أمسكت بأصابعه.كانت باردة.ارتجفت يدها عندما شعرت بذلك، فضغطت على أصابعه أكثر، وكأنها تريد أن تمنحه بعضًا من دفء يدها.انحنت نحوه قليلًا.— نوح... أنا هنا.لم يتحرك.ظلت تحدق في وجهه، تنتظر أي استجابة، أي حركة صغيرة من أصابعه، أي تغير في ملامحه.لكن شيئًا لم يحدث.ابتل







