Masukلم يفتح عليّ الباب، ولم يندفع كـالمجنون لـيفضح حقيقة أنه كان يستمع خلف الجدران؛ بل التقط أوراقه المبعثرة من على الأرض بـأصابع ترتجف، وابتعد بـخطوات هادئة كـالموتى عن ممر غرفتها، ودخل إلى غرفته الخاصة بـالموقع وهو يشعر بـأن جدران الكون تضيق من حوله. جلس على حافة الفراش، ووضع رأسه بين كفيه، وعقله يكاد ينفجر من فرط الصدمة والأدرينالين. هل يُعقل كل ما سمعته أذناه لتوّه؟! هل ضحت شروق بـاسمها، وشرفها، وسعادتها بـكامل إرادتها لـأجل حمايته وإبقائه على قيد الحياة؟! هل ذهبت لـتلقي بـنفسها في أحضان سليم كـذباً لـتحميه من الخطر؟! ثارت التساؤلات في صدره كـالإعصار: "هل أذهب إليها الآن بـدموعي وأسألها عن الحقيقة؟.. لا، بالطبع سـتنكر بـذكائها، فهي تملك جينات عناد صلبة، وطالما أقسمت لـنهال ألا تخبرني لـتضمن أماني، فـلن تبوح لي بـشيء!". تذكر عقله الهندسي الصارم قاعدة التحري؛ فـتمتم بـصوت مبحوح: "لابد أن أتحرى الدقة الكاملة بـنفسي، وأجمع أطراف الخيط قبل أن أتصرف بـرعونة!". دون تردد، التقط هاتفه واتصل بـرقم غريمه القديم "سليم المنشاوي". رن الهاتف لـمرات، وتردد سليم بـالفعل وتوجس بـداخله قبل أن يرد ع
ذهبت شروق بعد فترة وجيزة لـمتابعة مجريات الأعمال الهندسية بـشكل ميداني في أرض رأس الحكمة، ونظراً لـضخامة المرحلة الحالية وأهميتها الاستثمارية، تم تجهيز غرفة فاخرة وخاصة لها هناك في المقر الإداري لـتكون بمثابة استراحة مؤقتة لها. التفتت شروق نحو مساعدتها الخاصة وقالت بـنبرة رسمية وهادئة: — "سـأبقى هنا في الموقع لـمدة يومين لـلإشراف التام والانتهاء من هذه المرحلة الحرجة، وأي أوراق أو عقود تحتاج إلى توقيعي احضريها لي هنا في الغرفة فوراً". وتفاجأ عليّ ووليد بـبقائها وإقامتها معهم في نفس محيط الموقع، وهو الأمر الذي فرض حالة من الطوارئ الصامتة. وفي نهاية ذلك اليوم الشاق، فاجأت شروق الجميع بـلفتة إنسانية غاية في النبل؛ حيث جعلت مساعديها يرسلون مئات الوجبات الفاخرة والمشروبات المثلجة لـكافة العمال والمهندسين بـلا استثناء، كـمكافأة مباشرة لهم على تعبهم وعرقهم تحت أشعة الشمس. ولم تكتفِ بـذلك؛ بل وقفت وسط الهتافات وقالت بـصوت جهوري دافئ: "بـناءً على توجيهات الإدارة، سيتم صرف مكافأة تعادل أجر شهر كامل لكل فرد منكم، نتيجة لـتعبكم وإخلاصكم في إنجاز هذا العمل!". تعالت صيحات الفرح والدعاء من الع
وبعد أيام، وفي قلب قرية "رأس الحكمة" الساحلية، حيث تباشر الشركة العالمية مشروع بناء مدينة سياحية وضخمة على أرض مصرية، كان عليّ ووليد متواجدين في موقع العمل وسط الأتربة والخرسانات، يضعان التعليمات النهائية والخطط الهندسية مع المهندسين والعمال بـكل صرامة. وفي غمرة انشغالهم، قاطع سكون الموقع هدير سيارة سوداء وفارهة تتقدم بـهيبة، توقفت سريعا ونزل منها السائق بـعجلة لـيفتح الباب الخلفي، لـتنزل منه شروق بـكامل أناقتها، وتتبعها سيارة أخرى نزل منها وفد المساعدين والمستشارين الأجانب. ترجلت شروق وهي ترتدي نظارة شمسية سوداء قاتمة وبـملابسها الرسمية الصارمة التي تتحدى طبيعة الموقع الصحراوية، واتجهت نحوهم بـخطوات واثقة وقالت بـصوت هادئ: — "صباح الخير جميعاً". سلمت بـرأسها على عليّ ووليد بـرسمية جافة، ثم تابعت بـعملية: "أخبرني يا بشمهندس وليد.. ما هي أخبار التصميمات الهندسية والإنشائية النهائية لـلموقع؟" بدأ وليد بـسرعة يفتح اللوحات والتصميمات الكبرى على طاولة خشبية مؤقتة، وفي تلك اللحظة خلعت شروق نظارتها الشمسية بـحسم، ووقفت تتفحص كل جزء وكل زاوية في الرسم بـمهنية عالية وثقابة هندسية ملفتة
كانت شروق تجلس بـثقة بالغة وشموخ ساحر على مقعد رئيس مجلس الإدارة، تطوف بـنظراتها الباردة والمتساوية على جميع الحاضرين كأنهم مجرد أرقام في صفقة تجارية؛ بدت كأنها لا ترى عليّ بـالذات في وسط المتواجدين، ولكن قلبها في الحقيقة كان يشتعل بـداخلها كـالبركان الثائر من فرط الشوق والوجع. إلا أنها طوال عامين من الاغتراب في دبي، أصبحت محترفة بـشكل مرعب، لـدرجة أن تقاطيع وجهها لم تعد تشتعل خجلاً أو ارتباكاً عندما تراه أو تتذكر ليلتهما الأخيرة بـالمسطرة. أما في الطرف الآخر من القاعة، فقد كان الذهول المطلق والأخرس هو سيد الموقف؛ تجمد عليّ ووليد ومعهما الوالد حمدي الريان في مقاعدهم، ولم تنطق ألسنتهم بـحرف واحد من فرط الصدمة! كانت التساؤلات تنهش عقولهم: كيف وصلت هذه الفتاة إلى هذه المكانة الدولية المرموقة بـهذه السرعة الخيالية؟! وانتبه الجميع بـأنفاس مكتومة لـكلماتها الرسمية الصارمة. أمسكت شروق بـملفات العروض؛ وبعد أن درست جميع العروض المقدمة بـدقة، وجدت أن عرض شركة عليّ هو الأفضل والأقوى هندسياً ومالياً بـالفعل. دار صراع عنيف في عقلها وثارت في صدرها التساؤلات: هل ترفض عرضه وتستبعده لـكي يبتعد
قالت شروق بـنبرة متحشرجة يملؤها القهر الدفين: — "يا نهال.. أنا كنتُ مضطرة لـفعل كل ذلك ، كنتُ مجبرة على ذبح نفسي لـحماية عليّ وإبقائه على قيد الحياة بـأي ثمن.. وأرجوكِ، لا تسأليني عن الأسباب أكثر من ذلك لـأنني لا أستطيع البوح بها!" ثم انهمرت دموعها حارقة وهي تحكي لـصديقة عمرها بـتفاصيل ممزقة عن ذلك المشهد الهستيري في مرسى علم؛ كيف طلبت من سليم أن يقبلها بـعنف، وكيف باغتهم عليّ بـوجعه، لـتنتهي القصة بـتلك الصفعة المدوية وكلمات الكذب القاسية التي رمتها في وجهه لـيطردها من حسابه للأبد. اتسعت عينا نهال بـصدمة وذهول أطارا صوابها، وصاحت بـعدم تصديق: — "كيف تجرأتِ على فعل ذلك أمام عينيه بـالذات؟! أنا آسفة حقاً يا شروق.. لكني آسفة بـشدة على عليّ بـالدرجة الأولى! كيف فعلتِ به ذلك بـدم بارد؟! لقد كنتِ قاسية للغايـة ومجردة من الرحمة معه في تلك اللحظة!" وقفت شروق بـخطوات واهنة، ومسحت دموعها بـحسم مرير غلّفه الوجع وقالت: — "قسوتي بـالذات هي التي حمته وجعلته حياً حتى هذه اللحظة التي نتحادث فيها! هل تظنين أنني أعيش في رغد؟ أنا أنفجر كـالبركان كل يوم بـالبكاء على وسادتي في الغربة، ولم يغب
هناك في الخليج، كانت شركة عالمية كبرى للمقاولات والاستشارات الهندسية في دبي قد تواصلت مع شروق سابقاً؛ فـبعدما رأى مسؤولوها تصميماتها العبقرية وأعمالها الساحرة التي طبقت شهرتها الآفاق، أرسلوا لها عقد عمل بـامتيازات خيالية، فـحزمت حقائبها وسافرت فوراً لـتلقي بـجسدها وروقها الممزقة في العمل والاغتراب، وانضمت إليهم بـلا تردد لـتدفن أحزانها بين لغة الأرقام والخرسانة. وبعد فترة من الزمن، عادت "نهال" من رحلتها الطويلة في أمريكا، وانتابها قلق حاد بـسبب انقطاع أخبار شروق؛ فـالتقطت هاتفها واتصلت بـعليّ لـتستعلم منه. ما إن فتح الخط حتى سألته بـلهفة، فـجاءها صوته كـالجليد الصارم قاطعاً كلامها بـقسوة: — "نهال.. أرجوكِ، لا أريد سماع هذا الاسم مرة أخرى في حياتي" صُدمت نهال وسألته بـذهول: "عليّ.. ماذا حدث بينكما بـالله عليك؟!"، فـاعتذر منها عليّ بـنبرة جافة ومقتضبة بـأنه مشغول للغاية في اجتماع عمل ولا يستطيع التحدث الآن، وأغلق معها الخط بـعنف لـيتركها في حيرة تنهش رأسها. بعدما استقرت شروق في عملها الجديد بـدبي ومرت سنة كاملة بـأيامها الثقيلة، تملكها شوق عارم لـصديقة عمرها نهال؛ فـاشترت خطا
طلب علي مشروبين باردين بالليمون. ثم وضع الهاتف جانبًا وأسند ظهره إلى المقعد. كان المكان هادئًا. والبحر في الخارج يتحرك ببطء. أما شروق… فكانت أكثر هدوءًا من قبل. لاحظ ذلك. فقال بهدوء: — إذا كنتِ تريدين أن ترتاحي قليلًا… أنصرف. رفعت رأسها إليه بسرعة. ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: — لا. س
حاولت شروق الاتصال بنهال. مرة. ثم مرة أخرى. ثم ثالثة. وفي كل مرة… كان الاتصال يُلغى. توقفت لحظة. ثم أعادت المحاولة. لكن هذه المرة… الهاتف مغلق. نظرت إلى الشاشة باستغراب. ثم أعادت الاتصال. النتيجة نفسها. تنهدت بهدوء. لاحظ علي تغير ملامحها. فسألها: — هل حدث شيء؟ ظلت
استغربت شروق. كانت فتاة جميلة تجلس بعيدًا. لكن نظراتها لم تكن عابرة. كانت تنظر باتجاههما باهتمام واضح. وفي البداية ظنت شروق أنها تتوهم. لكن فجأة… وقفت الفتاة. وبدأت تقترب. اقتربت أكثر. ثم توقفت أمام الطاولة. واتسعت عيناها وقالت باندهاش واضح: — لا… أنا لا أصدق. علي الريان؟
نظر سليم إلى الورقة مرة أخرى. ثم رفع عينيه إليهما وقال مبتسمًا: — الآن فهمت لماذا رشحني الدكتور نجيب لكما. سكت لحظة. ثم أكمل وهو يهز رأسه بإعجاب: — كنت قلقًا أن أرسل المشروع لأشخاص لا يفهمون ما أريده. لكن يبدو أنني كنت مخطئًا. نظر إلى علي ثم إلى شروق وأضاف: — الواضح أنكما… كل واحد فيكما يكم







